وكان لنبأ وفاة النجمة الصالح أثر بالغ، متشح بالسواد، خيّم على وجوه المتابعين لمسيرتها الطويلة والتي كللتها بعدد من الجوائز من مهرجانات فنية محلية وعربية وإقليمية، وكان آخر تكريم لها بعد رحيلها بأربعة أشهر وتحديداً في مهرجان دمشق السينمائي في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي.
ولدت مها الصالح في مدينة جبلة الساحلية عام 1945 وبدأت مسيرتها الفنية عام 1963 في فرقة الفنون الدرامية التابعة للتلفزيون قبل أن تتم دراستها الجامعية، ثم عملت في المسرح القومي كممثلة ومخرجة مسرحية، معتمدة على فن المونودراما.
ومرت الصالح في كل المراحل التي مرت بها الدراما السورية وعانت ما عانته تلك الدراما التي واجهت أيام الأبيض والأسود بألوان الجهد والكد والسهر والعرق، فكانت مها تضفي بوجودها لوناً من الألوان التي لم يكن التلفزيون السوري قد عرفها بعد.
وفي الفترة الصعبة والقاسية من عمر هذه الدراما والتي امتدت لزمن طويل حيث كانت سوريا تنتج خمسة مسلسلات فقط في العام الواحد وكان عدد الممثلين غير قليل.. كانت النجمة مها تحجز لنفسها مكاناً رئيسياً وأساسياً في عملين على الأقل وبأدوار بطولة أحياناً أولى وأحياناً مطلقة. وقلما شوهدت مها الصالح في الفترة ما بين 1965 و1995 بدور ضيف الشرف، ذلك الدور الذي كانت تعتبره هروباً من المخرجين ومن تحمل مسؤولياتهم تجاه الفنانين الكبار، وفي رأيها الذي عبرت عنه حول ضيف الشرف وذلك قبل عام من وفاتها حيث أشارت لكاتب هذه السطور إلى أن الحياة لا تحتمل وجود أشخاص بشرف وأشخاص بلا شرف، والفن تصوير للحياة وبالتالي لا يجوز أن يكون فيه أناس يتواجدون على أساس الشرف وأشخاص يحرمون من هذه الميزة.
في بداياتها مع الفن تألقت مها الصالح في المسرح، أيام كان مسرح الشوك فاعلاً قبل أن يتوقف، وكانت الارتجالية سمتها الرئيسية على خشبته أمام الجمهور. ففي تلك الأثناء كانت العروض مباشرة أمام أعين الناس ولا مجال لخطأ واحد فالأخطاء والعثرات لم تكن قد ابتكرت في الفن بعد.
وفي الفترة التالية أو مرحلة السبعينات، وبعد أن تطور الإنتاج الدرامي السوري ليصل إلى حوالي عشرة أعمال في السنة، فرّغت مها من وقتها الكثير للمشاركة في أربعة أعمال وأكثر، فلم تكن تغيب عن خيارات أي مخرج، وكل المخرجين الذين عملت خلف كاميراتهم شهدوا لها بالموهبة والتجلي والصمود أمام العدسة التي لم تكن ترحم في تلك الأثناء.
وبعد أن دخل التلفزيون الملوّن إلى سوريا وقد ترافق ذلك مع مجيء دفعة جديدة وكبيرة من الفنانات الشابات ما أدى إلى انحسار وجود بعض الممثلات القديمات، ما سمي في ذلك الحين ثورة الوجوه الجديدة، إلا أن مها الصالح فرضت نفسها رقماً صعباً بل وأستاذة للجيل الجديد الذي تعترف أبرز وجوهه بما قدمته لهن الصالح من إرشاد ونصح وتوجيه وبث الثقة في النفس، ولعل ما قالته النجمة فاديا خطاب التي وقفت أمام الكاميرا لأول مرة في الثمانينات يختصر الكثير: لقد كانت أماً لنا خارج التصوير، وأستاذة أمام الكاميرا.
وفي السينما رسمت مها الصالح صورتها بأناملها الذهبية وإطلالتها البهية، فكانت العون والسند لكل المخرجين السينمائيين في تلك الفترة الذهبية للسينما السورية، فالمخرج محمد شاهين والذي كان مديراً للمؤسسة العامة للسينما، دعاها للمشاركة في عشرة أفلام من أهم ما أنتجته السينما السورية عبر تاريخها، كما كان لصعود نجم السينما البيئية دور كبير في رد مها الصالح الجميل لبيئتها الجبلية التي ولدت فيها، فشاركت في أكثر من فيلم سينمائي بلهجة أهالي جبال اللاذقية، اللهجة الأم للفنانة الراحلة مع المخرج عبد اللطيف عبد الحميد.
وما ساعد مها على التألق والبروز بقوة طوال مراحل مشوارها الفني كان زواجها من الفنان السوري الكبير أسعد فضة، حيث أمضت وإياه أكثر من أربعين عاما من الحب والوفاء والشقاء في العمل حتى لحظة الرحيل، وقد شكلا ثنائياً ناجحاً في الفن والحياة.
لم يتمالك أسعد فضة أعصابه في مهرجان دمشق السينمائي عندما أذيع اسم زوجته الراحلة للتكريم، فاغرورقت عيناه بالدموع وانبرى ليتسلم جائزتها وقال في حينها ل الخليج: كانت الحبيبة والزوجة والأم والأخت وكل شيء.. مها الصالح، المرحومة، لا تحتاج إلى تكريم لأن حياتها التي عاشتها في الفن هي أكبر تكريم لها.. بقي منها الذكرى عند الناس، أما بالنسبة لي فبقي منها كل شيء.
لم يكن زوجها أسعد فضة وحده العامل المساعد على راحة أعصابها وهدوئها في العمل وإنما الثقافة التي ملكتها عائلتها والعلاقات القوية التي ربطتها تلك العائلة مع أهل الفن والثقافة زادت في النجومية تألقاً، فشقيقتها الراحلة سنّية الصالح كانت زوجة الكاتب والأديب الكبير الراحل محمد الماغوط الذي كان لقلمه دور كبير ومؤثر في سطوع نجم الكوميديا السورية في السبعينات، إذ كتب لدريد لحام ونهاد قلعي مئات الحلقات التي أمتعت الشارع العربي وروّحت عن هموم مواطنيه، كما أن شقيقتها الثانية هي زوجة الشاعر والأديب الكبير العالمي أدونيس ابن مدينة جبلة السورية والذي وصل بقلمه وخياله وإبداعه إلى حد ترشيحه لجائزة نوبل للآداب قبل سنوات قليلة.
كان مشوار الفنانة الراحلة غنياً بالأعمال الفنية التي نالت الكثير منها جوائز عالمية آخرها جائزة تمثال السيدة صاحبة الكلب لتشيخوف في موسكو عن دورها في مسرحية شجرة الدر وجائزة أفضل ممثلة في مهرجان المتوسط عن دورها في مسرحية عيشة، كما حاز فيلمها الأخير صندوق الدنيا جوائز عدة.
لن تنسى الدراما والسينما والمسرح في سوريا نجمة كانت شاهدة على 45 عاما من تاريخها الفني، كما لن ينسى الجمهور شهر يونيو/ حزيران من العام 2008 عندما فارقت مها الصالح الحياة، وذلك الموكب الجنائزي المهيب الذي سار فيه نخبة البلد من مسؤولين وفنانين وجمهور، من منطقة المزة حيث كانت تقطن، إلى مقبرة السيدة زينب بدمشق حيث ووريت الثرى بناء على وصية تركتها بأن تدفن إلى جوار شقيقتها سنية.