قديماً كانت الصداقة بين الرجل والمرأة، بين الشاب والفتاة عبارة مثيرة للجدل، تحيط بها الكثير من الأسلاك الشائكة والأفكار المشككة، لكن جيل اليوم يبدو مختلفاً بنظرته تجاه هذه الأفكار التي يصفها بالقديمة والتقليدية. ومن الصعب أن تجد اليوم من يعتزل مواقع التواصل الاجتماعي والصداقات الكثيرة التي تنتشر على صفحاتها، فهل ساهمت هذه المواقع في تغيير فكرة مجتمعاتنا عن الصداقة بين الرجل والمرأة؟، وهل مازالت هذه الصداقات أكثر انتشاراً ضمن حدود الواقع الافتراضي؟ هذا ما يجيب عنه شباب اليوم، مستعرضين تجاربهم ووجهات نظرهم حول الموضوع من خلال التحقيق التالي.
في الحياة الواقعية ليست لديه صديقات بكل معنى الكلمة، إلا قريباته وبنات أعمامه اللاتي يعتبرهن أخوات له، ويرجع محمد تيسير«طالب في المرحلة الثانوية» السبب إلى كونه يدرس في مدرسة غير مختلطة، فالمدرسة تعتبر المكان الاجتماعي الأول الذي يبني فيه الشاب صداقاته مع الفتيات، والأمر ينطبق على الفتاة أيضاً. ويقول: بما أن عائلتي محافظة إلى حد ما، هذا يجعل فكرة الصداقة والتعرف إلى صديقات، ضمن مجال العائلة، بعيدة، ولهذا أغلب صديقاتي تعرفت اليهن على «الفيس بوك»، ومع أن معظم هذه الصداقات سطحية تقتصر على الإعجاب والتعليق، إلا أنني أحترمها و أهتم بالحفاظ عليها.
محمد حسن الصالح «طالب في المرحلة الثانوية» يعيش تجربة مشابهة، ويقول: كان لدي الكثير من الأصدقاء والأقارب في بلدي الأم، لم يكن لدي صديقات خارج نطاق العائلة، لكن الحياة الاجتماعية كانت أكثر تنوعاً وغنى بالنسبة لي، أما اليوم فأجد ضالتي على مواقع التواصل الاجتماعي، أتواصل مع أصدقائي القدامى، ومع صديقاتي اللاتي تعرفت اليهن عبر هذه الصفحات أيضاً.
ويؤكد أن هذه المواقع تعتبر متنفساً بالنسبة له، وللكثير من الشباب في مثل عمره، وفي مثل حالته أيضاً، وأن هذا ينطبق على الكثير من الشبان الذين يعرفهم ويجدون صعوبة في التعرف الى الفتيات في الواقع، أو يسهل عليهم التواصل معهن حيث يصعب اللقاء في الشارع.
مثله سلطان البلوشي، «خريج إعلام إلكتروني»، فمعظم صداقاته مع الفتيات قائمة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي ساهمت بشكل كبير في تغيير فكرة الناس عن الصداقة بين الشاب والفتاة حسب رأيه.
ويقول: في الماضي كان يعتبر معيباً أن أقول بأني ذاهب لآخذ بعض الأوراق من صديقتي، أما اليوم فالأمر أصبح عادياً ومقبولاً، فالأهل أصبحوا يتقبلون فكرة الزمالة، والتواصل ضمن نطاق الدراسة والعمل بين الشباب والفتيات، لكن ضمن الحدود طبعاً.
ويؤكد «البلوشي» أن مواقع التواصل الاجتماعي لم تساهم في تغيير فكرة الأهل عن هذه الصادقة، بل غيرت نظرته بشكل كلي، خاصة لدى الآباء الأصغر سناً، أي الذين هم في الأربعينات والخمسينات من العمر، مشيراً إلى أن الأعمار الأكبر سناً يصعب التأثير في معتقداتها وأفكارها الثابتة.
أما عن الجيل الجديد، فيعتقد مينا غالي «طالب في هندسة الكمبيوتر في الجامعة الأمريكية في الشارقة»، أن أسلوب التفكير اختلف كثيراً لدى جيل اليوم، بغض النظر عن مساهمة مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تعتبر بدورها انعكاساً لهذا الواقع، فالصداقة بين الشباب والفتيات أمر بديهي.
ويقول: الفتيات لسن كائنات من الكوكب الآخر حتى تحتاج الصداقة معهن إلى الكثير من إشارات الاستفهام، جيل اليوم أكثر انفتاحاً وواقعية، وهو لا يحمل هذه الأفكار، فمن الطبيعي أن تنشأ بيننا علاقات صداقات، كوننا ندرس سوياً، ونقضي معظم الوقت مع بعضنا بعضا، وهذا ينطبق على الشباب والفتيات.
أما عن صداقاته على مواقع التواصل، فتشمل أصدقاءه في الواقع، وأصدقاءه في بلده الأم، والذين لا تتسنى له رؤيتهم يومياً.
وأيضاً هالة أبو شقرة «موظفة في شركة بلووم العقارية» تعتقد أن الصداقة بين الشباب والفتيات موجودة بشكل طبيعي دوماً، وأن نفيها يرتبط منذ القدم بأفكار سلبية لدى البعض، ومع الزمن استطاع مجتمعنا أن يتغلب على هذه الأفكار ليدحضها وتصبح العلاقات أكثر قوة وانفتاحاً، وأكثر عفوية.
ولا ترى أن لمواقع التواقع الاجتماعي أي دور في تغيير النظرة الاجتماعية، فهي نفسها، ضمن معطيات هذا التغيير الكلي في المجتمع.
يخالفها الرأي أويس حبش، «طالب في السنة الرابعة في كلية الإعلام بجامعة الشارقة» فيما يخص الصداقة ما بين الشباب والفتيات عموماً، معتبراً أن هذا الانفتاح أدى إلى انتشار الكثير من العلاقات غير السليمة بين الشاب والفتاة، ومعها طرق التفكير غير الملتزمة لدى الطرفين، فمعظم الصداقات بينهما تكون مبنية إما على مصلحة، أو علاقة عابرة، أو إعجاب يتحول إلى حب، ولا توجد صداقة حقيقية بمعنى الصداقة وللأسف. وعن سبب هذا التغير في تكوين المجتمع، يقول: في الماضي كان الأهل أكثر تشدداً، وهذا بنى نمطاً من التفكير لدى الشباب عموماً، يتمثل في محاولة بناء العلاقات، وملاحقة الفتيات والفوز بثقتهن، وفي معظم الأحيان يستمر هذا الأسلوب في التفكير، حتى بعد زوال العوائق وتساهل الأهل اليوم، لكن للأسف هذا التساهل لم يرافقه الوعي الكافي، والتقدير من الطرفين، ولهذا بتنا نرى اليوم نتائج سلبية لهذه العلاقات غير الواعية، فالشاب يجرب حظه ويرمي الكلام للبنت، إن وجد تجاوباً استمر في مخططاته للفوز بعلاقة عابرة، وإن لم ينجح الأمر، لم يخسر شيئاً. وللأسف الفتاة لا تدرك هذه الحقيقة، وتعتقد أنها متحررة ومن حقها الاستقلال بشخصيتها والاحتفاظ بأسرارها لنفسها. وأخيراً يذكر أن العلاقات السليمة هي تلك التي يعرف بها الأهل، أما عن الصداقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فيشير إلى أنه لا يمكن أن يعول عليها في المجتمعات المنفتحة، فالعلاقات المباشرة هي الأكثر واقعية وتأثيراً.
رغم ذلك، لا يمكن أن نغفل دور مواقع التواصل الاجتماعي في توفير مساحة التعارف بين الشاب والفتاة خاصة قبل عدة سنوات، حيث كان شبه مستحيل على البعض أن يتعارفوا، حسب مريم النمر»طالبة في كلية التصميم»، بجامعة إيمتي، وتوافق على أن هذه المواقع ساعدت أيضاً في تغيير فكرة الأهل ونظرتهم للعلاقة بين الشاب والفتاة، والتي كانت تسودها الشكوك دوماً، كما أن الوقت تغير وصارت صداقة الشاب مثلها مثل صداقة الفتاة ضرورية وبريئة، وليس فيها ما يجب إخفاؤه، وعن صداقاتها على مواقع التواصل تذكر أن معظم أصدقائها هم خارج الإمارات، ولهذا تتواصل معهم بين الحين والآخر بلا مشكلات، لكن لا شك أن الصداقة في الواقع مختلفة، وأكثر تأثيراً ومصداقية.
مظاهر سلبية
الانفتاح الذي شهدناه نتيجة انتشار مواقع التواصل الاجتماعي أدى إلى تخفيف العزلة بين الجنسين في المجتمع العربي، والذي كان يؤدي إلى الكبت بدوره. وهذا يمثل الوجه الإيجابي له حسب د. فادي أوضه باشي، مستشار في إدارة التغيير والتنمية البشرية المتكاملة، ورئيس المجموعة العربية للتطوير.
ويشير إلى أن العزل أدى إلى مظاهر اجتماعية سلبية خطيرة في المجتمع تناولتها العديد من الدراسات والتقارير، كالتحرش، والعجز عن التعامل مع الطرف الآخر، حتى بعد الزواج في بعض المجتمعات المغلقة، التي عرفت بمغالاتها في العادات الاجتماعية التي تفصل بين الجنسين، بشكل ينافي حتى تعاليم ديننا الحنيف. ويقول: خفف انتشار مواقع التواصل الاجتماعي من الضغط النفسي على الشباب بشكل كبير، وساعد في تقبل المجتمعات الأقل انغلاقاً لهذه العلاقات بشكل أكثر مرونة، لكن هذا لا يمنع بأن هذه الوسيلة كان لها وجه سلبي أيضاً، فأدت إلى انتشار الجرائم الإلكترونية، كاستغلال بعض الجهات للحاجة العاطفية لدى الشباب والبنات، وقلة خبرتهم في الحياة، وزجهم في علاقات مشبوهة، أو الترويج للانحلال على أنه انفتاح، وهذا بغرض القضاء على العادات والتقاليد لدى شبابنا، وهدم القيم الإيجابية التي يحملونها.
ويذكر د. أوضه باشي، أن هذا الخلل في التوازن جاء جراء الانفتاح المفاجئ، الذي لم يسبقه نوع من التدريب النفسي من الكبت إلى الانفتاح، فأفرز بعضاً من المشاكل الاجتماعية التي نتج عنها الطلاق، والفضائح التي أثرت على حياة الكثير من الأسر والأشخاص، كما أشار إلى أن التعامل مع هذه المعطيات يحتاج إلى نوع من التوازن النفسي والاجتماعي، حتى نتلافى مثل هذه المشاكل، وعن نسبة الصداقة بين الشباب والبنات على مواقع التواصل الاجتماعي مقارنة بالواقع، يؤكد أنها تزداد كثيراً في المجتمعات المغلقة، أو الأكثر تشدداً، حيث لا يوجد متنفس أمامهم إلا عبر هذه المواقع.