في عصرنا الحاضر باتت المسافات طويلة بين الشباب وما يتمتع به من دلال تكنولوجي وترفيهي وتقدم تعليمي وما تلاه من متغيرات اجتماعية، وبين تراث آبائه وأجداده، إلا أن ثمة ظاهرة بدأت في الانتشار وهي تزايد مساحة اهتمام المنتديات الإلكترونية الشبابية على شبكة الانترنت بموضوعات التراث الإماراتي، بل تعداه لإنشاء مواقع كاملة لإحياء هذا التراث وتعريف الجيل الجديد به، كمادة علمية موثقة لهذا التراث الجميل ومحفوظة من الاندثار .

عبر تحقيقنا هذا نتواصل مع الشباب للتعرف إلى مدى نجاح هذه المنتديات في اجتذابهم وتعريفهم بتراث آبائهم وما أسهمت من خلاله في تثقيفهم والحفاظ على موروثهم الثقافي .

يقول سالم الرميثي، طالب في كلية التقنية العليا، تتضمن هذه المواقع قاموساً للمصطلحات التقليدية لم نكن لنعلم بها شيئاً، وقد جعلتنا نتوجه إلى آبائنا مستفسرين عنها بالتفصيل، مثل الأمثال الشعبية والملابس والحرف والمهن فضلاً عن قاموس المصطلحات التقليدية والأمثال الشعبية لقد تعرفنا إلى شكل الحياة في الماضي واتفقت روايات الأهل مع ما جاء في تلك المواقع التي أصابتنا بالدهشة حينا وبالاعجاب حينا آخر، فقد اكتشفت أننا نجهل الكثير من الأمور التي كانت تحدث في الماضي لولا اطلاعنا على محتوى تلك المواقع، وهو الأمر الذي اشعرنا بالمسؤولية في ضرورة تعلم ونقل هذا التراث بتفاصيله الدقيقة الصحيحة الى جيلنا من الشباب وأبنائنا مستقبلا، والى كل من يرغب في التعمق في تراثنا بشكل أكثر دقة .

تجاوز الهواية

ومن جانبها تقول خديجة اللواتي، خريجة جامعة الإمارات، يلاحظ أن هؤلاء الشباب قد تجاوز بعضهم هذا الاهتمام بالتراث من مستوى الهواية أو تضمينه داخل بعض المنتديات إلى مستوى تأسيس منتديات ومواقع متخصصة في جمع وتصنيف التَراث الشعبي الخليجي، مثل موقعي تراث الإمارات وصوت التراث بينما فضل بعضهم المزيد من التَخصص فأسس بعض المجلات الإلكترونية المتخصصة في ذلك، والصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي .

تتابع: ومن ناحيتي تعلمت الكثير مثل الفنون الاستعراضية التراثية حيث تناولت إحدى المواقع جانب الرقصات الشعبية وتعرفت إلى الكثير من تفاصيلها وطقوسها وكيف كانت تتكون من أبناء القبيلة وبناتها اللاتي يقمن باستعراض النعاشة، ولم يكن في ذلك حرج وقتها نظراً لأن الفتاة كانت في ذلك الوقت غير محجبة بعكس الوضع بعد أن تتزوج حيث تحرم عليها التقاليد القيام بهذه المهمة، ومن بين ما عرفته فعلا وكنت أجهله أن العباءة لم تكن معروفة في المجتمع الإماراتي القديم حيث كانت المرأة تلجأ الى رداء من التور الخفيف فوق الكندورة إلا أنه بظهور الإسلام تغير الحال وتحول الى عباءة ساترة لما تحتها، وقد كان اعتقادي السائد أن العباءة الإماراتية كانت موجودة منذ القدم، وأن النعاشات لم يكن من بنات القبيلة بل مأجورات أو محترفات كما هو اليوم .

وتعلق مريم المزروعي، خريجة جامعة الإمارات، بقولها: في كثير من الأحيان أتابع في هذه المواقع المفيدة والمنتديات بما تقدمه من صور تقليدية بعضها تاريخي بالأبيض والأسود وبعضها بالألوان، والبعض الآخر مرسوم باليد، للكثير من موروثات التَراث الشعبيِ الخليجيِ في هذه المجالات جميعا، مثل، مجموعة من صيادي الّلؤلؤ القدامى، أو طريقة صناعة شباك ومراكب الصيد التقليدية، كما أعجبني اهتمام بعض هذه المنتديات بوضع صور لبعض الأدوات المنزلية التقليدية التي كانت مستخدمة في الماضي مثل الهاون الذي كان يستخدم لدقِ الحبوب، والرحى التي كانت تستخدم في طحن القمح والشعير والأرز لاستخدامه في صناعة الخبز المنزليِ، والصحن المعدني المستدير الذي كان يستخدم في تحميص حبوب القهوة، ولا شك في أن تلك المواقع تعرض تفاصيل جذابة للكثير من الأمور التي لا نعلم عنها سوى مسمياتها، ولا نجد الوقت الكافي للتعرف إليها من آبائنا، ما يؤكد ضرورة معرفتنا بها وعدم ترك أنفسنا هكذا لدوامة الحياة اليومية وما تفرضه علينا طبيعة الحياة الحديثة من روتين، فهي في اعتقادي إحدى وسائل حماية الهوية الوطنية للإمارات، ويمثل جهداً مشكوراً من أصحاب تلك المواقع والمنتديات فهو أمر يدل على مدى ما يتمتعون به من حس وطني وأفق واسع ورؤية متعمقة للمستقبل .

ويؤكد فهد الحمادي، خريج جامعة الإمارات، أنه بالفعل حدث نوع من الانفصال بين شباب اليوم وتراثهم القديم وعاداتهم التقليدية المتوارثة، والتي تميز مجتمع عن آخر، الأمر الذي يجعل لتلك المنتديات والمواقع أهمية خاصة يقول: مع ثورة المعلومات والاتصالات والتي كانت شبكة الإنترنت من أهم نواتجها، حدث نوع من الانفصال بين الشباب وتراثه القديم والتي كانت تعطي المجتمعات الخليجية في الماضي طابعها الجميل المميز، ومن هنا أرى أن هذه المواقع تعد وسيلة مهمة من أجل الربط بين الأجيال القديمة وهويتهم الأساسية، وهو في اعتقادي جهد مشكور من جانب بعض الشباب المثقف الواعي وأتمنى لهذه الظاهرة الجميلة المزيد من الانتشار .

تشير شرينة لوتاه، الجامعة الأمريكية في الشارقة، إلى تشجيعها لهذه الظاهرة اللافتة التي تشير إلى وعي المسؤولين عن هذه المواقع بأهمية التعرف إلى تراث الأجداد بقولها: أعجبني كثيراً وجود مثل هذا الموضوع والتي تعرض للكثير من الأمور التراثية وتفاصيل الحياة في الماضي ومنها وسائل النقل في الماضي والتي تنوعت بين الجمل والحمار والسفينة، حيث تعرفنا بفائدة كل منها واسباب اللجوء اليها، وقد استكملت معلوماتي من والدتي التي لم تبخل علي بالكثير من التفاصيل التي أشعرتني بأنني اعيش هذا الزمن الجميل، إضافة الى غيره من المعلومات التي استقيتها من والدي وكبار السن في العائلة، كما نطالع بأحد المواقع الأخرى موضوعاً عن الأكلات الشعبية في الماضي وأساليب تخزين وحفظ الأطعمة مع عدم توفر الثلاجة الكهربائية، وأعتبر نفسي محظوظة بأنني أملك الكثير من المعلومات بشكل أساسي بسبب الأهل الذين حرصوا على تعريفي بتراثي وتاريخي، إلا أن الأمر يبدو مهماً بالنسبة للأجيال القادمة أو التي لم تتح لها الفرصة للتعرف إلى تراثها بشكل أو بآخر .

وتقول سلوى الكتبي، ثانوية عامة، قمت بنفسي بإعداد عدد من الأكلات المعروفة لدينا بالإمارات مثل الهريس والثريد والبلاليط والخبيص والمجبوس والثريد والمرقوقة من خلال شرح مكونات كل صنف وطريقة إعداده في أحد هذه المواقع، الذي ضم أيضاً موجزاً عن هذه الأكلات وكيف أن آباءنا وأمهاتنا في الماضي لظروف ما كانوا لا يقومون بإعداد بعض الأصناف إلا في الأعياد والأعراس لما تتطلبه من تكلفة كبيرة مثل الهريس والمجبوس، كما تعرفت إلى أساليب حفظ وتمليح وتخزين الأطعمة في ظل عدم توفر البراد الكهربائي في الماضي وغيره الكثير مما يخص تراثنا القديم وملابسنا وعاداتنا .

تتابع: وأتذكر أنني طالعت في أحد هذه المواقع العباءة القديمة ومسمياتها وعرض مصور للمندوس القديم الحقيقي ومحتوياته إضافة إلى كل وسائل زينة المرأة في الماضي وكيفية صنعها فضلاً عن الخامات التي صنعت منها، وغيرها الكثير من المصطلحات والمسميات التي كانت سائدة في الماضي فيما لم تعد تستخدم حاليا، ومنها مسميات الخيمة ومحتوياتها وأجزائها والأدوية الشعبية ومسميات وقطع الملابس وأنواع العباءات النسائية إضافة الى مسميات الذهب والكنادير وغيرها، وقد كان أمراً ممتعاً وشيقاً أخذ مني الكثير من الوقت لمتابعته عن كثب في مختلف المواقع التراثية، فذلك أفضل بالطبع من تضييع الوقت أمام مواقع التواصل الاجتماعي الذي أرى أنها بلا جدوى حقيقية .

ويقول يوسف إسماعيل، جامعة الإمارات، هناك الكثير من العادات التي تغيرت حالياً في ما يخص ملابسنا التراثية القديمة، وهناك مفاهيم خطأ حول كثير من الممارسات الحالية والتي يعتقد أنها كانت تمارس في الماضي، ومن خلال استعراضي المنتديات التراثية تعرفت إلى الكثير مما كنت أجهله عنها، ومن ذلك رداء العروس في الماضي والذي اختلف اليوم من الثوب والكندورة إلى الفستان الأبيض، كما يكاد يختفي اليوم البرقع الذي كانت ترتديه المتزوجات في الماضي ويحل محله الغشوة التي صارت ترتديها الفتيات والمتزوجت على السواء بسبب توسع المجتمع ووفود الكثير من الاغراب عليها، وخلافاً لذلك فقد لاحظت تغير أيضاً أسلوب التزين بالحناء في الماضي عنه حالياً حيث أصبح نقوشاً ورسومات بعد أن كان مجرد بقعة في كف اليد، وهي عادة وافدة الينا من الهند، وليس خافياً على أحد التغير الكبير الذي طال العباءة والذي أصبحت معه تمتلئ بالزينة والموديلات حيث صارت تساير الموضة .

يتابع: حقيقة فإنني أمضي وقتا ممتعا بين صفحات وزوايا هذه المواقع التي تعيدني إلى زمن ولى، وتريحني نفسياً من الضغوط العصرية التي نعانيها حاليا، وحقيقة كنت أتمنى أن احيا هذا الزمن بكل تفاصيله وبساطته وهدوئه .

وتقول مريم البادي، جامعة دبي، لقد لمست من خلال مطالعتي لهذه المواقع مدى الحماسة والسعادة والفخر بما يقومون به كأحد أشكال تقاسم المعرفة والمعلومات عن تراث بلادهم وتقديمه في أفضل صورة للجيل الحالي وزوار بلادهم للوافد، وجمع المعلومات الصحيحة عنه ليس فقط عن طريق الكتب التراثية بل من خلال سؤال الآباء والأجداد،وتوضيحه بالصور والرسوم ما يغمرهم بمشاعر السعادة والفخر بما يقدمونه لوطننا الأصيل، وكنت أتمنى لو كنت عضوة دائمة في إحدى فرق العمل تلك التي تقوم بهذا العمل عبر المواقع والمنتديات، وقد حاولت بالفعل التواصل معهم وعرضت جهودي لمساعدتهم، فرحبوا وأرسلت إليهم بدوري معلومات جديدة تم عرضها في أحد تلك المواقع وأعتز بها كثيراً .

من بين الشباب أصحاب أحد المواقع الإلكترونية المعنية بالتراث يقول خلف علي العيسائي ويعمل موظفاً في إحدى الهيئات في الدولة: دفعني حبي للتراث ورغبتي في تعليم الأجيال الحالية ما خفي عنهم بخصوصه إلى تصميم هذا الموقع، وقد آثرت أن أجعله خاصاً بشعر الشلات التراثي، في مقابل المواقع الأخرى التي تتناول بقيه فنون التراث وتفاصيله، وقد صممت الموقع الخاص بي شلات دوت كوم منذ عام ،2004 وحتى الآن ما ازال أراعيه وأحرص على إدارته شخصياً على الرغم من عروض كثيرة جاءتني لشرائه، وعلى الرغم من أنني لا ألقي الشعر ولا أكتبه، إلا أنني آثرت استعراض فن الشلات التراثي القديم وعرضها والبحث عنها وتنظيم المسابقات بشأنه، وقد رفضت تلقي مساعدة من أحد في إدارة الموقع حرصاً مني على مضمون الشلات الذي يحتويه وجودتها وأصالتها، اللهم إلا في ما يتعلق بمشاركة رواد الموقع بقصائد من صنعهم، وأحرص على متابعة كل ما يستجد بعالم الشعر والشلات وإدراجه في الموقع لكي يصبح مرجعاً حقيقياً لمحبي هذا الفن، وقد حققت هدفي بالفعل ويظهر ذلك من خلال أعداد الزوار الذين يرتادون الموقع، ويستفيدون من مضمونه يومياً .