في قصيدة أسمي الرّدى ولدي للشاعر حبيب الصايغ الصادرة عن دار الانتشار العربي والتي شكلت كتاباً شعرياً من 100 صفحة من القطع المتوسط، وارتأت لنفسها أن تسير في جميع الجهات الأربع، لتخطف ضوء الحياة من عتمة الموت، وتجعل من الشعر جهة خامسة، لا يمكننا إلا أن نعترف لصاحبها بتلك القدرة العجيبة على اقتناص الجمال بسهام الشعر المجبول بالمعنى والفلسفة التي تستمد نفسها من رؤية شعرية ماكرة حدّ الروعة .
إنها قصيدة مملوءة بالانكسارات والانتصارات معاً، وهي عمل ملحمي يعود بنا إلى زمن المعلقات لكبار شعراء العربية، الذين نقشوا أسماءهم على جدار الذاكرة الشعرية العربية وظلوا حتى اللحظة في قمة الهرم بفضل عظمة أعمالهم .
هي عمل يشاكس ما حوله من حقائق ومفردات، لا لينال منها، بل ليحاول أن يتخطى حفرها الكثيرة . من هنا تبدأ القصيدة، من معركتها مع الموت الذي سوّاهُ الشاعر ولده، واستدرجه إلى مساحات شعرية خضراء .
كذلك قال العدم
فانثنيت إلى الخلد علي أقاوم فيه فضولي
وأقنع بالنوم أو بالقراءة أو بالندم
أو باختراع الأباطيل
أو صحبة الأسْد في الغاب
أو بمحاورة امرأة سبقتني إلى الغيب والجو صحو ومنتشر
في نواحي الأبد
وبالموت . . .
حتى إلى الخلد تلحقني يا ابتدائي
أردت أقول: وحتى إلى الخلد تلحقني يا ولد؟!
هذا المقطع هو بداية النهاية، إذ إنه خاتمة هذا العمل، ولكنه في الوقت ذاته مطلع الفكرة، فكرة الخلود الذي كان الحكَم بين الشاعر والموت، وهو حكَم منحاز للقصيدة بالضرورة، لأن كفّة الميزان التي توضع فيها قصيدة شعرية مثل أسمي الردى ولدي ليس من الممكن إلا أن تكون هي الكفة الراجحة .
الشاعر في هذه القصيدة أراد العيش بامتلاء، والانتقال من حيز الجمود إلى حيز الحركة والحياة، فيجعل للزمان قيمة، ومكانة لا تبصرها سوى عين الشاعر، فالموت في حدّ ذاته فكرة جامدة وثقيلة الظل، وهي تعني الانتهاء، ولكن الشاعر هنا يحاول أن يجعل من قصيدته نقطة ابتداء جديدة، ويصل إلى ما يريد، لأنه الرافض والمتمرد والمارد كما يقول في إحدى قصائده السابقة ماردٌ يتقافز بين جبال جليدية وزمانٍ كئيب، وفي عمله الجديد هذا يعود مجدداً ليؤكد فكرة التمرد والرفض - رفض الغياب/ الموت:
ويكفيكَ يا قلب موتك
فالموت حجتك الدامغه
ولا أثر لطيور القيامة فيك
والشاعر هنا يرفض أن يتواضع ليس للموت فقط،، بل وللحياة أيضاً، فالقصيدة مازالت تنبض والشاعر لا يزال يؤثث كونه بالجمال والإبداع، ضمن رؤية تقوم على نظرة معمقة تحضر بكثرة في شعر الصايغ الذي يزاوج بين الشعر والفلسفة ليأخذ القارئ إلى مساحة تأملية فسيحة . . يقول:
كفى يا تواضع
لن أتواضع أكثر في موتنا والحياة
ففي العين نبض وبين الشفاه بكاء
ومن رمق صاعد نحو مملكة الله
نسكب في الازدحام حقيقته ونسوق التعب
قوافل من منبع الموت حتى المصب
كفى يا تواضع هذا الشغب
ينجح الشاعر في التغلب على فكرة الموت بشفافية لغوية وتصويرية عالية، تكاد لا تخلو من مقطع شعري في القصيدة، ونجده يستبق الموت أحياناً، لأنه على قناعة بأن الخلود هو الضيف الذي سيرافقه معه:
فهيّا أزيحوا الستارَ سريعا
ليجمعنا مهدنا من جديد
ونحيا عمالقة أو أبالسة
في الطريق إلى موتنا الأبدي
إن الشعر بالنسبة لحبيب الصايغ في كثير من قصائده يقوم على فلسفة جمالية، تحمّل عبارته بكثير من الالتقاطات، والانزياحات التي وُجدت بغزارة في هذا العمل، وقد لا يحلو ذلك بالنسبة للقارئ الذي يبتغي صوراً مباشرة مثقلة بالخطابة والضجيج، فنراه يقدم اتهاماً جاهزاً مفاده أن الشعر في غير هذا الاتجاه لا يمكن فهمه، وهذا يحيلنا إلى ما حدث مع أبي تمام الذي سأله أحدهم: لماذا لا تقول ما يُفهم؟ فأجاب أبو تمام قائلاً: لماذا لا تفهم ما يُقال!
ويمكن قياس ذلك أيضاً على تجربة الشاعر بودلير الذي رأى البعض في قصيدته شعرا غير مفهوم، ولكن بعد قراءته في ما بعد، استطاع الآخرون فهم القيمة التي أضافها بودلير للقصيدة والشعر على حد سواء، ليكون بعد ذلك أحد أبرز شعراء الحداثة في العالم .
كذلك هو الحال بالنسبة لشعر الصايغ الذي سبق زمانه في محيطه، واجتاز مراحل زمنية عدة، وقدم مشروعاً شعرياً مهماً يظهر فيه مقدار تطور القصيدة والرؤية المتجددة، ومن يقرأ عمله الجديد أسمي الردى ولدي لا بد له من أن يقف عند اقتراحات شعرية مبتكرة تختلف عن سابقاتها في المجموعات الأولى .
وتجدر الإشارة إلى أن أسمي الردى ولدي قصيدة مطولة لا حشو فيها، فجملها موجزة ومعانيها مكتملة، وهنا تبرز قدرة الشاعر على الوصول إلى المعنى والصورة التي يريد بأقل الكلمات، فلا تتحول الجمل الشعرية المتوالية إلى إنشاء شعري، بل تبقى منحصرة داخل بناء تصويري شعري مختزل في تكثيف المعنى واختصار العبارات . ومن تلك الجمل القصيرة المكثفة ذات الدلالة ونقطف أسماءنا من غصون الشتاء وغيرها الكثير من الجمل التي تحتل مكانتها الجمالية بين سطور القصيدة . كما أن هناك جملاً وعبارات عديدة تستند إلى النص القرآني كجملة سنأوي إلى كهفنا لننام طويلا . بالإضافة إلى غيرها من الجمل التي أتت دالة على قصة النبي يوسف عليه السلام وامسحي الضعف عني وعن إخوتي أسفل البئر، وهذا ما يحسب للشاعر الذي يبدو قاموسه اللغوي ثرياً إلى جانب اطلاعه وثقافته الباذخة التي تتيح له نسج العبارة ببلاغة وتمكن، ليقف القارئ عند فسيفساء شعرية متنوعة تضم الكثير من اللقطات المزخرفة .
ولو تتبع القارئ إيقاع هذه القصيدة، لوقف عند حقيقة مفادها أن الإيقاع عند الصايغ لا يتأتّى من تفعيلة الوزن فقط، فهو صاحب غنائية فريدة في قصائده وخصوصاً أسمي الردى ولدي، حيث تعتمد هذه الغنائية على موسيقا الحروف، ثم تعدد القافية التي لا تجبر الشاعر على إقحام ما لا يتمّم المعنى أو يكون جزءاً منه، فالقافية لدى الصايغ لفظة لا يمكن إسقاطها من عبارته الشعرية، وهي ليست مقحمة لاستكمال لحن أو إيقاع، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك قول الشاعر:
هذا دعائي فخذه معك
واكتشفني أكن مطلعك
واختبرني بحكمتك النابغه
أكن لك ضوء البراهين في الأعين الفارغه
ويجيد الشاعر في هذه القصيدة أيضاً تقريب المتناقضات في سياق شعري بديع، ضمن ذات القدرة الغنائية اللافتة الظاهرة في موسيقا الحرف والقافية، يقول مثلاً:
قال لي أنت معناي يا طفل . . يا كهل
قال لي
أنت من قبل بعدي
ومن بعديَ القبل
حبيب الصايغ يدرك كما يقول عنه الناقد الدكتور أحمد الزعبي أن الشعر هو موقف من الوجود وهذا ما نجده ماثلاً في قصيدة أسمي الردى ولدي التي تعكس بذاتها موقفاً تجاه موضوع الموت والوجود، مستندة إلى لغة صافية وبعد دلالي عميق ولافت، لذلك نجد الشاعر متمكناً في كتابة قصيدته المطولة من دون الخروج عن سياق الفكرة العامة، ومن دون خلخلة أو تباين في البناء، فالقصيدة من مطلعها حتى خاتمتها تستنشق الهواء في نفس شعري واحد . متتبعة عبارة أسمي الردى ولدي التي تبدأ بها القصيدة، وترتكز عليها، فتقف عند تخومها وتنطلق من حدودها مرة أخرى . .
وحيدا، بعيدا أنير دجى معبدي
وأعالج ضعف يدي بيدي
وأسمي الردى ولدي
إن هذه القصيدة بحق عمل شعري أخّاذ، ومتقن، يدل على حرفية عالية، وخيال واقعي ممتد لا تتوقف العين عن النظر إليه، والتمعن في تفاصيله التي لم تقف خلف حاجز أو محددات، فالشاعر في هذه القصيدة يطلق الرصاص على كل ما يمكن أن يحاصر عبارته أو فكرته التي كانت تصهل في كل المواقع وتقول ما تريد .
هذا العمل الشعري سينضم إلى غيره من الأعمال التي تركت قيمة كبيرة في صندوق الشعر الذي هو فضة وذهب الأدب العربي، وأول ما عرفته العرب في ثقافتها، فالشاعر يبقى سيد اللغة وحارس الإبداع، ولا بد أن الشاعر حبيب الصايغ الذي يصدر هذا العمل إلى جانب إصدارين آخرين في أقل من عام واحد هو شاعر مخلص للقصيدة، وجغرافيا الشعر وتاريخه، وهو واحد من رموز المشهد الشعري العربي الحديث .
وفي النهاية يمكن القول إن قصيدة أسمي الردى ولدي تعلن عن موت الموت، الذي لم يجد لنفسه حياة في هذه المساحات الشعرية الغزيرة، وكان كمن حفر حفرة ولم يقع فيها سواه .