كأن يد الله كانت تهيئه ليكون هذا القائد الفذ الذي ثبَّت الإسلام في إفريقية، وفتح الله به بلاداً كثيرة، فهو سليل عائلة مجاهدة في سبيل الله.
إنه موسى بن نصير، فاتح المغرب وصقلية وقبرص ورودس والأندلس، وهو شيخ المجاهدين الذي قضى أعواماً يرفع فيها راية الجهاد.
أبوه نُصَير بن عبدالرحمن بن يزيد، وكان شجاعاً، وكانت منزلته مكينة عند معاوية بن أبي سفيان، كان رئيس الشرطة في عهد معاوية حين كان والياً على الشام في خلافة عمر وعثمان رضي الله عنهما، وهو ممن شهد معركة اليرموك الخالدة، وشهدتها أمه أيضاً، وكانت لها فيها قصة بليغة في الشجاعة، ففي جولة من جولات اليرموك التي تقهقر فيها المسلمون أبصرت أمُّ موسى رجلاً من كفار العجم يأسر رجلاً من المسلمين، تقول: «فأخذتُ عمود الفسطاط، ثم دنوت منه فشدخت به رأسه، وأقبلتُ أسلبه فأعانني الرجل على أخذه».
تربَّى موسى في كنف القادة وقريباً من بيت الخلافة مع أولاد معاوية وأولاد الأمراء والخلفاء، فنشأَ على حُبِّ الجهاد في سبيل الله ونشر الدين؛ وتقلَّد الرتب والمناصب وهو لايزال شاباً يافعاً، فكان على الخراج بالبصرة، ثم تولى قيادة جيش البحر وغزا قبرص في عهد معاوية، ثم تولَّى إفريقية والمغرب في عهد الوليد بن عبدالملك في العام 89 هجرية،وقيل في العام 77 هجرية،واستطاع أن يُنْجِزَ ما عجز السابقون عن إنجازه،فأعاد تنظيم القوات الإسلامية،وكان همه الأول منذ أصبح والياً على المغرب هو تثبيت دعائم الإسلام في هذا الإقليم،الذي ارتدَّ أهله عن الإسلام أكثر من مرَّة.
رسوخ الإسلام في المغرب
اهتم موسى بن نصير بنشر الإسلام بين البربر،ومسالمتهم واستمالة رؤوسهم ليضمن ألا ينزعوا للثورة مجدداً،كان موسى بن نصير قد ضمن ولاء أهل المغرب واستمساكهم بدعوة الإسلام، فأخذ يُعِدُّ العدَّة لغزو جديد،وبينما هو يُفَكِّر في هذا الأمر إذ جاءه رسول من قِبَل طارق بن زياد والي«طَنْجَة»يُخبره بأن يُوليان حاكم «سبتة»عرض عليه أن يتقدَّم لغزو إسبانيا،وأنه على استعداد لمعاونة المسلمين في ذلك،وتقديم السفن اللازمة لنقل الجنود المسلمين،وبعد أن استشار الخليفة الوليد بن عبدالملك جهَّز موسى جيشاً خليطاً من العرب والبربرتعداده سبعة آلاف جندي بقيادة طارق بن زياد، وانطلق طارق بالجيش إلى أن وصل سبتة،وهناك خطَّط لعبور المضيق،وفي اليوم الخامس من شهر رجب سنة 92 ه، كانت آخر دفعة من الجنود بقيادة طارق تعبر المضيق الذي حمل اسم طارق بن زياد منذ ذلك الوقت.
معركة «وادي لكة»
نزل طارق بن زياد، قائدُ جيش موسى بن نصير، أرض الأندلس، وبعد عدَّة معارك فتح الجزيرة الخضراء، وعَلِمَ الإمبراطور «لُذريق» بنزول المسلمين في إسبانيا من بتشو حاكم إحدى المقاطعات الجنوبية، الذي بعث إليه يقول: «أيها الملك، إنه قد نزل بأرضنا قوم لا ندري أمن السماء أم من الأرض، فالنجدة.. النجدة، والعودة على عجل»، وزحف لُذريق بجيش كبير ليُوقف المسلمين عن الزحف، فأرسل طارقٌ إلى موسى مستنجداً، فأمدَّه بخمسة آلاف من المسلمين على رأسهم طريف بن مالك،فأصبح تعداد جيش المسلمين اثني عشر ألفاً،وكان اللقاء الحاسم بين جيش المسلمين بقيادة طارق بن زياد، وجيش الإمبراطور لذريق في 28 من رمضان 92 هجرية الموافق 18 من يوليو/حزيران 711 ميلادية،واستمرَّت المعركة سبعة أيام انتهت بانتصار المسلمين بفضل الله، في معركة عُرِفَتْ باسم معركة« وادي لكة».
واصل طارق بن زياد فتوحاته في الأندلس، وخشي موسى بن نصير من توغله في أراضيها، فعبر إليه على رأس حملة كبيرة وسلك بالجيش نحو المدن التي لم يفتحها طارق، فتوجَّه نحو إِشْبِيلِيَة وفي الطريق أعاد إخضاع شَذُونَة، وافتتح قَرْمُونَة، وهي يومئذٍ من أمنع معاقل الأندلس، ثم حاصر إِشْبِيلِيَة حصاراً شديداً، طال مداه شهوراً حتى فَتَحت أبوابها أخيراً، ثم تجاوزها موسى بن نصير واتجه ناحية الشمال الغربي،وظلَّ موسى يُجاهد في سبيل الله حتى أصبحت الأندلس في قبضة المسلمين.
جزاء سنمار
عاد موسى بن نصير إلى دمشق حاضرة الخلافة الأموية،فاستقبله الوليد وأحسن استقباله،وجلس على المنبر لمشاهدة الغنائم وموكب الأسرى،فدُهش الخليفة مما رأى وسجد لله شكراً،ثم دعا موسى بن نصير وصبَّ عليه من العطر ثلاث مرَّات،وأنعم عليه بالجوائز.ولم يمضِ أربعون يوماً على ذلك حتى مات الوليد بن عبدالملك،وتولَّى الخلافة أخوه سليمان بن عبدالملك،ومن يومها بدأت متاعب موسى بن نصير؛فقد أراد سليمان أن يُعاقب موسى بن نصير لخلافٍ بينهما،فأمر به أن يظلَّ واقفاً في حرِّ الشمس المتوهِّجَة،وكان قد بلغ الثمانين من عمره،فلمَّا أتعبه الوقوف سقط مغشيّاً عليه،وبعدها اندفع موسى يقول في شجاعة مخلوطة بالأسى للخليفة سليمان بن عبدالملك:«أما والله يا أمير المؤمنين ما هذا بلائي ولا قدر جزائي».
تقول بعض الروايات إن سليمان بن عبدالملك كان قد راسل موسى بن نصير يطالبه بأن يتأنى في القدوم، رغبة منه في أن يدخل عليه في صدر خلافته،حيث كان الوليد في مرض موته،إلا أن موسى رفض وجدّ في السير،وهنا تختلف الروايات فبعضها يقول إنه أدرك الوليد قبل موته،والبعض يقول إنه وصل دمشق بعد أن أصبح سليمان خليفة،وعند قدوم موسى على سليمان،أمر سليمان بعزله واتهمه باختلاس أموال وسجنه وأغرمه،ولم ينقذه سوى شفاعة يزيد بن المهلب الذي كانت له حظوة عند سليمان.
على كل حال، فقد ندم الخليفة على ما فعله وبعد عام من قدوم موسى بن نصير سنة 97 هجرية،قصدالخليفة سليمان بن عبدالملك الحج،وأراد أن يُكَفِّر عن ذنبه،فاصطحب موسى بن نصير وبعد انتهائه من أداء المناسك وفي طريق عودته مات في المدينة ليدفن مع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.