قال تعالى: "بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين" (آل عمران: 76) .
"إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" (آل عمران: 77) .
"وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون" (آل عمران: 78)
"ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" (آل عمران: 79) .
"ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون" (آل عمران: 80) .
"وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين" (آل عمران: 81) .
"أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون" (آل عمران: 83) .
"قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون" (آل عمران 84) .
السؤال: ما علة وضع الظاهر موضع المضمر في قوله تعالى: "فإن الله يحب المتقين"، حيث كان الظاهر أن يقال: "بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحبهم"؟
الجواب: للتنويه بشأن المتقين وللإشارة إلى عمومه لكل مُتقٍ . والله أعلم .
السؤال: ما المقصود بالاشتراء في قوله: "إن الذين يشترون بعهد الله . . . . ."؟
الجواب: المقصود بالاشتراء الاستبدال، وعليه فالاشتراء مستعار للاستبدال بجامع حرية التصرف في كل منهما، واشتق من الاشتراء (يشترون) بمعنى يستبدلون على طريق الاستعارة التصريحية التبعية . والله أعلم .
تحريف التوراة
السؤال: لِمَ وصف اشتراء عهد الله بالقِلة في قوله: "ثمنًا قليلاً"؟
الجواب: لِقِلته بالنسبة إلى ما يخسرونه من الثواب، ويكتسبونه من العقاب . والله أعلم .
السؤال: ما نوع الصورة البيانية في قوله تعالى:(ولا يكلمهم الله) (ولا ينظر إليهم)؟
الجواب:الجملة الأولى كناية عن سخطه تعالى عليهم، والثانية كناية عن الاستهانة بهم وإهانتهم . وفي الكنايتين تهويل لوعيد اليهود ومن على شاكلتهم . والله أعلم .
إضاءة: تكشف الآية الكريمة عن جريمة أخرى من جرائم اليهود ألا وهي تحريف التوراة، وزعمهم أنه من عند الله، فهم يُحَرفون الكَلِمَ عن مواضعه، ويبدلون كلام الله ويزيلونه عن المراد به، ليوهموا الجهلة أنه في كتاب الله كذلك، وينسبونه إلى الله وهو كذب على الله، وهم يعلمون أنهم قد كذبوا وافتروا في ذلك كله . والله أعلم .
السؤال: ما سر العدول عن الإضمار إلى الإظهار في لفظ الجلالة والكتاب، حيث كان الظاهر أن يقال: "لتحسبوه من الكتاب وما هو منه، ويقولون هو من عند الله وما هو من عنده"؟
الجواب: لتشنيع ما أقدموا عليه من التحريف وتهويله . والله أعلم
إضاءة: نزلت الآية الكريمة رداً على وفد نصارى نجران الذين زعموا زوراً وكذبا وبهتاناً أن المسيح أمرهم أن يتخذوه ربّاً . والمعنى: ما كان ينبغي ولا يستقيم لبشر وهو متصف بتلك الصفات من إيتاء الكتاب والحكم والنبوة أن يأمر الناس بأن يتخذوه ربّاً من دون الله .
السؤال: ما الغرض من دخول حرف المهلة على القول في قوله: "ثم يقول للناس"؟
الجواب:لاستبعاد واستحالة أن يكون نبي غمره ربه بفضله فاصطفاه للرسالة وآتاه الحكمة قد أمر الناس بعبادته دون ربه . وفي هذا تسفيه وتحقير لمن ادعى ذلك على عيسى عليه السلام ليظهر المتمرد على نعم الله تعالى، الجاحد لآلائه - حاشاه- والله أعلم .
البشارة بنبوة محمد
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله تعالى: "أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون"؟
الجواب: الإنكار على من يأمر بهذا الكفر إن حدث من بشر، والتحذير من طاعة الآمر به، والإنكار الشديد على المأمور به . والله أعلم .
إضاءة: هذه الآية تحمل البشارة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم إذ فيها إعلام للنبيين من قبله بأن رسولاً يجيء بالحق مصدقاً لما معهم، وفيها كذلك بيان للميثاق الذي أخذه الله تعالى على هؤلاء النبيين عليهم السلام بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وبنصرته .
السؤال: ما سر التعبير عن حصول الميثاق من النبيين ووقوعه بالأخذ في الآية؟
الجواب: عبر عن الميثاق بذلك إظهاراً له، وتعبيراً عن تمكن الآخذ من المأخوذ، وزيد هذا التمكن من أخذ الميثاق من النبيين بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم قوة وظهوراً وشرفاً بذكر المسند إليه (الله) . وإيثار لفظ الجلالة الجامع لمقامات الجلال والإكرام والكمال جاء مناسباً لهذا التمكن من الميثاق . والله أعلم .
السؤال: ما دلالة إضافة الميثاق إلى النبيين في الآية؟
الجواب: تشريف الميثاق وتعظيمه، لأن الأنبياء أشرف خلق الله وأقربهم إليه سبحانه، والله أعلم .
السؤال: ما سر إفراد الميثاق في قوله تعالى: "وإذ أخذ الله ميثاق النبيين"؟
الجواب: أفرد الميثاق دلالة على وحدته، وتوحد صورته ومضمونه وأصله في أخذه من النبيين .
رفعة رسول الله
السؤال: ما دلالة حرف التراخي ثم في قوله: "ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم"؟
الجواب: دل على شرف ورفعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث استعير التراخي في الزمان للتراخي في الرتبة، وهذا يوحي بالتفاوت والبعد في المنزلة بين المعطوف والمعطوف عليه، أقصد بُعْد الفضل والمنزلة بين النبيين عليهم السلام وبين رسولنا صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
السؤال: ما دلالة التنكير في قوله: "رسول"؟
الجواب: التعظيم . والمراد رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
السؤال: ما أثر توكيد الفعلين (لتؤمننّ به ولتنصرنّه) باللام الموطئة للقسم وبالنون الثقيلة؟
الجواب: للتوكيد أثر في إبراز شرف الميثاق، وشرف المأخوذ له، كما فيه دلالة على أهمية هذا الميثاق . والله أعلم .
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في قوله تعالى: "قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري"؟
الجواب: التقرير والإذعان، لذا جاء الجواب من الأنبياء بلسان المقال بعد الإقرار القلبي (قالوا أقررنا) . وفي الآية تعريض بأهل الكتاب الذين أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، تلك الرسالة التي جمعت كل حقائق الإيمان، وآمن بها كل أنبياء الله من قبله إيماناً قلبياً غيبياً يقينياً، واعترفوا والتزموا وأشهدهم الله تعالى، وشهد عليهم بدليل قوله: (قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) وتوعد من خالف هذا الميثاق، فهناك أمر عام بين الأنبياء هو أن طريقهم واحد، وأن دعوة كل واحد منهم قد اتفقوا وتعاهدوا عليها . وعموم ذلك أنه سبحانه أخذ عليهم جميعاً الميثاق بالإيمان والنصرة بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصرته، فمن ادعى أنه من أتباعهم فهذا دينهم الذي أخذه الله عليهم وأقروا به واعترفوا، فمن تولى عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ممن يزعم أنه من أتباعهم فإنه فاسق خارج عن طاعة الله مكذب للرسول الذي يزعم أنه من أتباعه مخالف لطريقته . وفي هذا إقامة الحجة والبرهان على كل من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب والأديان، وأنه لا يمكنهم الإيمان برسلهم الذين يزعمون أنهم أتباعهم حتى يؤمنوا بإمامهم وخاتمهم صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
عهد مؤكد
السؤال: لم عبر عن العهد بالإصر في قوله تعالى: "وأخذتم على ذلكم إصري"؟
الجواب: الإصر هو العهد المؤكد الذي يثبط ناقضه عن الثواب والخيرات كما قال الراغب في مفرداته . والمادة في اللغة تدل على الثقل، لذا سمي العهد به (فإنه يشد في نفسه بالتوثيق والتوثق، ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن عهد التقيد بنوع من القيود) . والله أعلم
السؤال: ما دلالة الإشارة بأداة البعد وميم الجمع في قوله تعالى: "وأخذتم على ذلكم إصري"؟
الجواب: تعظيم عهد الله على أنبيائه بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والله أعلم .
السؤال: ما سر ذكر كلمة المصاحبة (مع) في قوله تعالى: "وأنا معكم من الشاهدين"؟
الجواب: بين العلامة أبو السعود السر في ذلك بقوله: (وإدخال (مع) على المخاطبين لما أنهم المباشرون للشهادة حقيقة، وفيه من التأكيد والتحذير ما لا يخفى) .
السؤال: ما الغرض من الاستفهام في الآية؟
الجواب: الإنكار والتوبيخ والتحذير لكل من يطلب ديناً غير دين الله وهو الإسلام . والله أعلم .
السؤال: ما سر تقديم المفعول به (غير) على عامله (يبغون) في قوله تعالى: "أفغير دين الله يبغون"؟
الجواب: لأنه المقصود بالإنكار، والقاعدة عند أهل البلاغة أن الذي يلي أداة الاستفهام المجازي هو المقصود . والله أعلم .
السؤال: لماذا قدم الجار والمجرور على الفعل في قوله تعالى: (وله أسلم)؟
الجواب: للدلالة على القصر (الاختصاص) أي قصر الاستسلام والانقياد على الله تعالى، والمعنى: أسلم له لا لغيره . والقصر حقيقي . والله أعلم .
السؤال: كيف قيل: (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً) وأكثر الجن والإنس كفرة؟
الجواب: المراد بهذا الاستسلام والانقياد لما قضاه الله عليهم وقدره من الحياة والموت، والمرض والصحة والشقاء والسعادة، ونحو ذلك . والله أعلم .
السؤال: لم قدم (طوعاً) على (كرهاً) في الآية؟
الجواب: تنبيهاً على فضل الانقياد الاختياري وترغيباً فيه وحثاً عليه، فالانقياد اللاإرادي لا فضل فيه . والله أعلم .
من كنوز البلاغة القرآنية
ميثاق النبيين
11 يناير 2014 05:08 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 يناير 05:45 2014
شارك