ميراث المرأة . . تكريم وإنصاف

05:50 صباحا
قراءة 3 دقائق

أعطى الإسلام المرأة حقاً في أن ترث بعد أن كانت تورث كأنها جزء من تركة المتوفى، وللوارث أن يتصرف في أمرها كيف يشاء، وكانت تحرم من الميراث شأنها شأن الولد الصغير، إذ إن قانون الإرث لدى العرب لم يكن يعطي حق الميراث إلا لمن قاتل على ظهر الخيل وحاز الغنائم، وليس ذلك من مهام النساء أو الولدان .

وبالإجمال، فإن مكانة المرأة عند العرب قبل الإسلام كانت في مستوى ينكره الضمير الإنساني، ويلخص هذا الأمر مقولة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والله كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل .

يروى أن أوس بن ثابت توفي وترك زوجة وثلاث بنات، فمنع أبناء عمه ميراثه عنهن، فجاءت زوجة أوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو له هذه الحالة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارجعي حتى أنظر ما يحدث، فنزل قوله تعالى جلت حكمته: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً .

فبعث رسول الله إلى ابني عم أوس قائلاً: لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً، ولم يبين حتى أنزل الله سبحانه قوله المحكم: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين .

ويختلف نصيب المرأة من الميراث بحسب قرابتها من المتوفى، وبحسب من يكون معها من قرابته، ومن أمثلة ذلك ما يأتي: من حق البنت أن تأخذ نصف نصيب أخيها من التركة بقوله تعالى: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين .

فإن لم يكن لها أخ وهي مفردة أخذت نصف التركة بقوله تعالى: فإن كانت واحدة فلها النصف، وإن كان البنات أكثر من واحدة أي كن بنتين فأكثر فلهن ثلثا ما ترك .

وتوزيع التركة بالأنصبة التي حددها العادل والبصير بأفعال وأخلاق العباد، ينطوي على حكمة بليغة، سواء في رباط الأسرة بعضها ببعض، أو في تكريم المرأة في التشريع الإسلامي، فيجب على الرجل الإنفاق على المرأة، وفي المقابل أعطى المرأة نصف ما للرجل من ميراث، لأنها لا تتكلف ولا تحمل شيئاً من النفقة، وما تأخذه يعتبر في حكم الادخار، حيث إنها إما أن تكون في بيت أبيها أو في بيت بعلها، فهي في كلتا الحالتين مكفولة، وغير مسؤولة عن الإنفاق، بل يجب على الأبوين، أو على الزوج نفقتها وإعالتها .

وعندما نواصل الحديث عن مسؤولية الرجل الذي خصه الله بهذا النصيب نجدها كثيرة ومتعددة، فقد جعل المشرع سبحانه وتعالى عبء الأسرة وإنشاءها كله على الرجل، بينما الأنثى في أغلب أحوالها مضمونة النفقة في الشرع الإسلامي، سواء أكانت أمًا أم زوجة أم بنتا أم أختاً .

والرجل مطالب بالمهر لزوجته عنواناً على رغبة فيها والذي لا حد لأكثره وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً، كذلك الرجل مطالب بنفقة أيام العدة إذا ما طلقت الزوجة .

ومسؤولية الرجل واجبة عليه منذ إنشاء وتشييد البيت، حتى إذا لا قدر الله تفكك هذا البيت وانهار فهو أيضا المتحمل لهذه التبعات، ويذهب إلى تأكيد هذا المعنى صاحب موسوعة المنار فيقول: الحكمة في جعل حظ الذكر كحظ الأنثيين، هو أن الذكر يحتاج إلى الإنفاق على نفسه وعلى زوجه فكان له سهمان، أما الأنثى فهي لا تنفق على نفسها، فإن تزوجت كانت نفقتها على زوجها .

خلاصة القول في نصف ميراث المرأة بالنسبة للرجل: إننا نطالب أصحاب الصوت العالي الذين ينتقدون هذا التشريع الإلهي أن يتأملوا حكمة الخالق سبحانه في توزيع الأدوار بين البشر، وتحميل الرجل مسؤولية الإنفاق كاملة، وإعفاء المرأة من هذه المسؤولية، مع وجود الرباط الإنساني من المودة بين ذوي القربى، وصلات الأرحام التي أعطاها الإسلام أعظم التوجيهات، في الحث عليها ودوامها بين البشر .

* أستاذة جامعية وعالمة أزهرية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y3wozatg