تبقى للأسواق الشعبية طبيعتها الخاصة، عبقها، وزوارها الذين لا يستغنون عنها، وتظل أبوظبي العاصمة على الرغم من كل ما تحتضنه من تطور عمراني، حاضنة كذلك لملامح أبوظبي القديمة، بأسواقها التي بدأت مع نهضتها وحفرت في ذاكرة سكانها الكثير من التفاصيل المرتبطة بالحياة اليومية، هذا تحديداً ما تتضمنه منطقة ميناء زايد . تمثل المنطقة، أقدم ميناء تجاري في أبوظبي، ولذلك تزخر بأسواقها الشعبية، الأسواق الرديفة للتنوع، العلاقات الطيبة، الاستقبال العفوي، والسعر المناسب، فكل ما يخطر على بال الزائر سيجده في ذلك المكان الذي يبدأ من سوق الفواكه والخضراوات، مروراً بالمسلخ الآلي ومركز الميناء للتسوق، ومن ثم سوق الميناء الحر، حتى الوصول إلى سوق السمك، وهو بذلك يمثل للزائر شبه دائرة تلتف به حول الميناء، وتأخذه لأكثر من 25 عاماً من تاريخ أبوظبي .
بدأت جولة "الخليج" بعد تجاوزنا بوابة ميناء زايد، بسوق الفواكه والخضراوات التابع لدائرة الشؤون البلدية في أبوظبي، التقينا المواطن سعيد المسكري الذي يشير إلى أنه يرتاد السوق منذ أكثر من خمس سنوات، حيث ينظم تسوقه مرة في كل شهر، فيأخذ ما تحتاجه الأسرة بسعر الجملة، ما يوفر عليه الوقت والمال، ويضيف: "تعتبر الخضراوات والفواكه المتوفرة في هذا السوق مميزة للغاية، فهي طازجة أكثر ومتنوعة ولا تخلو السوق من أي نوع منها، كما أن تعدد الخيارات بين ما يوفره بائع وآخر يأتي لمصلحة المشتري الذي بإمكانه المفاضلة بحسب احتياجاته منها"، وينوه المسكري إلى أنه بحسب علمه فإن الكثيرين يزورون هذا السوق كونه يوفر أسعاراً تصل إلى 50 في المئة أقل من نظيراتها من الأنواع نفسها في مراكز التسوق الكبرى .
ويوضح الأمر البائع محمد الرفاعي من مؤسسة ربوع حوران للخضراوات والفواكه، قائلاً إن تنوع الأصناف وأسعار الجملة في سوق الخضراوات والفواكه المتوفرة للمشترين، تجتذبهم للزيارات المتكررة، ذلك أنه تحت إدارة البلدية ولذلك فهو مدعوم حكومياً ومن دون إيجار للمكان ولا خدمات الماء والكهرباء، لذلك فإن أي ربح يكون لصالح البائع، كما يحظى بمشترين دائمين يأتون إليه من سنوات بسبب جودة المحاصيل والأسعار المنخفضة، وإن إمكانية المفاصلة بالأسعار والاقتناع بالأنسب أمر يفتقده المتسوقين في مراكز التسوق الكبرى، كما يفتقدون كذلك للتنوع، ناهيك عن كونه سوقاً شعبياً واسعاً يوفر كل الخيارات للزوار، الذين يقبلون عليه بمختلف أجناسهم، ويضيف :''نشأ هذا السوق بين ما يقارب 25-30 سنة، وبغض النظر عن التطورات التي صاحبته، إلا أنه لا يزال يحتفظ بطبيعته الشعبية ذات الطابع المميز، كما أنه يستقطب أصحاب البيوت والمطاعم على حد سواء" .
وتقول منى عنبتاوي وهي إحدى المتسوقات المترددات منذ سنوات على السوق، أنها من مواليد أبوظبي، ولذلك فهي تذكر هذا السوق منذ فترة الثمانينات، ولا تذكر منذ أي سنة وهي تتردد عليه، لكن ما تعرفه جيداً أنه الخيار الأمثل للتسوق لعائلات الكبيرة، لأن اختيار الخضراوات والفواكه بالصناديق وبأسعار مغرية ناهيك عن الجودة تعتبر محفزات لرب وربة الأسرة لاقتناء الأفضل من المحاصيل، وتضيف: "في هذا السوق يتوفر كل ما يود المشتري شراءه من أصناف، وليس ذلك فقط بل في لكل صنف أنواع، حيث تتوفر محاصيل محلية، أردنية، لبنانية، وغيرها، كما يعتبر مكاناً مميزاً لاختيار الصنف المرغوب من التمور التي تنتشر هنا على أنواعها وأسعارها" .
وحول تفاوت الأسعار المتوفرة في السوق، وما إذا كانت تجعل المشتري في حيرة، وهذا ما يختلف عن مراكز التسوق العصرية التي تتميز بأسعارها الثابتة، تقول عنبتاوي: "التفاوت يتيح للمشتري شراء ما يرغب هو وليس ما يفرض عليه، وبالنسبة للكميات الكبيرة من الخضار والفواكه فهو أمر مجد وغير مكلف كما هو في مركز التسوق، ناهيك عن أن التعامل في السوق من قبل الباعة يتيح للمشتري تذوق المحاصيل التي يود شراءها والتأكد من جودتها وهو أمر غير متوفر في أماكن أخرى، ولذلك لم يؤثر وجود مراكز التسوق على هذا السوق من ناحية الإقبال" .
وانتقالاً إلى مركز الميناء للتسوق الذي يضم جمعية أبوظبي التعاونية، ويعتبر مركزاً عصرياً، ويشهد حالياً مرحلة تجديد في ديكوراته ومحاله، تحدثنا مع هاني ثروت من الشركة المطورة لجمعيات أبوظبي التعاونية، الذي أوضح لنا قائلاً: "افتتح المركز في عام 2002 وبني على مساحة قدرها 11 ألفاً و200 متر، وتحتل جمعية أبوظبي التعاونية الجزء الأكبر منه في الطابق الأول للمبنى، الذي يتميز باتساعه وتنوع محاله كما يتميز بوجود منطقة ألعاب للأطفال في مدخله، ويتميز المركز بكونه يستقطب الزوار من جميع أبوظبي وخارج أبوظبي، ذلك أنه لا يعتمد على المحيطين به من المناطق السكنية كونه يقع بالقرب من ميناء زايد التجاري، بل يعتمد على الراحة التي يوفرها لزواره من خلال تصميمه وتوفير المواقف المجانية وسهولة الوصول إليه، بعيداً عن مناطق الزحام وسط المدينة"، ويوضح ثروت أن المركز بموقعه بالقرب من سوق السمك وسوق الخضراوات يمكن زوار المنطقة من ارتياده حتى من دون قصد، ذلك أن موقعه يحتم عليهم ذلك .
وينوه ثروت إلى أن المركز وضمن عمليات التحديث الجديدة، يعمل على استقطاب الفعاليات الترفيهية والترويج للمركز عبر الإعلانات في وسائل الإعلام، ومن ذلك ما تم من خلال فوز بعض الزوار بسيارات مرسيدس بعد التسوق من جمعية أبوظبي التعاونية .
ومن مركز الميناء يمكن للزائر التوجه نحو سوق "الميناء الحر"، وهو مكان مطل على بواخر الشحن الكبيرة، إلا أن بعض الباعة أقام على رصيفه محال بسيطة لبيع أدوات المطبخ بشكل خاص والمنزل بشكل عام، بل وحتى الشرفات والحدائق الخارجية، حيث يوفر المكان تنوعاً كبيراً من المزروعات بمثابة "مشاتل الزرع" وأنواع الفخاريات التابعة لها، وبرغم تواضع المكان وشعبيته إلا أن له روحاً خاصة، تجعل زائره يتوق لتكرار الزيارة أكثر من مرة حتى وإن كان على غير حاجة لشراء بعض الأدوات .
صاحب محل دار العين للمفروشات أحمد محمد شجاعي يقول: "تتميز المحال هنا بإيجاراتها الرخيصة، ولذلك فإن البضائع تتبع تلك الإيجارات فيكون السعر أرخص وأكثر مرونة، وهو ما يميزه عن مراكز التسوق الكبرى رغم تطابق البضائع، وهنا نبيع السجاد التركي والإيراني، وأطقم مقاعد المعيشة والفرش محلية الصنع، والمقاعد الصينية، وأذكر أنني بدأت العمل هنا منذ 12 سنة، بينما المكان يصل عمره إلى 25 سنة، كما يقال إن المنطقة هنا كانت عبارة عن بحر حتى منطقة الخالدية التي تحتضن قصر الحصن"، ويشير شجاعي إلى أن أغلب زوار المكان والمشترين من الإماراتيين الذين يرتبطون بماضيهم بشكل قوي ويبقون على اتصالهم به .
ويشير البائع عبدالغفار عبدالرحمن الذي يقيم في أبوظبي منذ 39 سنة، إلى أنه كان يعمل بدايةً في مقر السوق المركزي القديم، حتى جاء للعمل في سوق الميناء الحر منذ 8 سنوات، وحول تفاصيل المكان يقول: "تحتضن المنطقة نحو 11 محلاً كبيراً، تبيع مختلف أنواع المفروشات وأدوات المنزل، وتتميز الأدوات المقدمة في السوق عن غيرها بأن منها ما هو غير متوفر خارج السوق، ومن ذلك صناديق الألمونيوم الكبيرة، وأدوات المطبخ الألمونيوم الكبيرة المخصصة للولائم الضخمة، وكل ما يتعلق بالولائم وأدوات المنزل، كما أن الأسعار مرنة وغير خاضعة لتسعيرة واحدة وهذا ما يمنح الزبون فرصة تخفيض السعر بما يلائمه، كما أن المواقف المتوفرة بشكل كبير تمنح الزبائن فرصة تكرار الزيارة، ولا يمكن أن ننسى أن الأريحية والشعور بالألفة مع صاحب المحل أو الباعة يجعلهم يشعرون بشعور مختلف في عملية الشراء من دون جمود كما هو في مراكز التسوق، لأن الزبون يشعر باهتمام وتفاعل الباعة" .
وفي سوق السمك، الذي يعتبر من أكثر الأسواق المتخصصة تميزاً في أبوظبي، كونه يوفر خيارات عدة ومتنوعة لزبائنه، تحدثنا مع علي المنصوري رئيس الاتحاد التعاوني لجمعيات صيادي الأسماك ورئيس جمعية أبوظبي التعاونية لصيادي الأسماك المشرفة على السوق فأوضح لنا تفاصيل تاريخية وأخرى قائلاً: "تنبع أهمية سوق السمك في منطقة الميناء من كونه يقع على البحر عند مراسي الصيد وهذا ما يجعله مرتبط بأذهان كل زواره بأنهم سيحصلون على أسماك طازجة، وهذا ما يحصلون عليه فعلاً، حيث يعتبر مكاناً ليس لشراء السمك فقط بل تنظيفه وطهيه عند المتخصصين في السوق، بل وتتوفر محال للخضار والمشروبات لمن يود أن يتم مشترياته فيه، ويعتبر السوق مزاراً سياحياً لطابعه الشعبي كذلك ولموقعه عند قوارب الصيد ومطاعم الأسماك، ولأن إدارته تقع تحت جمعية أبوظبي لصيادي الأسماك فهو خاضع للرقابة حول عمليات البيع والشراء والسلامة"، ويشير المنصوري إلى أن تاريخ السوق يعود إلى ما يقارب 26 سنة وسخضع لترميمات خارجية ستحافظ على تاريخه لكنها ستضفي له لمسات تراثية خاصة، وأوضح ذلك قائلاً: "سنعمل في الفترة المقبلة على ترميمه خارجياً بطريقة تراثية للأبواب والشبابيك وذلك تماشياً مع رؤية أبوظبي ،2030 كما سيتم تحديثه بطريفة تتماشى مع معايير الاستدامة وفق رؤية أبوظبي" .
ويوفر سوق السمك خدمة لزبائنه بتنظيف وشي الأسماك بالطريقة التي يرغبون، كما تقدم بعض المحال خدمة التوصيل للمنازل، حيث يتصل الزبون بمحل الشوي ويشرح له طلبه وعليه يصله الطلب حتى منزله، وعن ذلك محل يقول أحمد السيد معروف: "يتميز سوق السمك بأسعاره وهي أرخص مما هو متوفر في مراكز التسوق، ناهيك عن أن الأسماك هنا تأتي من البحر مباشرة للمشتري، ويتيح التنوع والمنافسة للزبون شراء الأفضل دائماً، كما تعتبر خدمات محال شي الأسماك أمراً مسهلاً للزبائن الذين لا يرغبون بتنظيف وطهي الأسماك"، وينوه معروف إلى أن الثقة هي اسمة الأبرز التي يبنيها البائع مع الزبون في سوق السمك، والتي تجعله يكرر الزيارة، وهي ما يفتقده المشتري في مراكز التسوق الكبرى، ذلك أن العلاقة مع البائع تكون علاقة ودية تجعل المشتري لا يمل من مجيئه للمكان" .
ومن المشترين الذين صادفناهم في سوق السمك جاسم العنتلي، الذي بادر بالقول إن السوق من أبرز الأماكن التي تبيع السمك في أبوظبي، فهو مكان عام وشامل لكل أنواع السمك الطازج، كما أن خدمات التنظيف والشي تسهل على المشتري إتمام عملية الشراء، ويضيف قائلاً: "منذ التسعينات اشتري الأسماك من هذا المكان رغم توفرها في مراكز التسوق، وما يجذبني أولاً هو تاريخ المكان القديم الذي يعود لتاريخ الميناء ذاته رغم خضوعه لمراحل تطويرية، كما أن عمليات ضبط الأسعار والمراقبة التي يخضع لها وكذلك معايير الصحة والسلامة تجعله مكاناً موثوقاً للشراء، ولا ننسى أن الأسعار في السوق بمجملها متضمنة عملية التنظيف والشواء هي حتماً أرخص بكثير من تناول وجبة سمك في أحد المطاعم" .
متعة التسوق
بكل متعة وراحة يجلس صالح عتيق الحميري على كرسي متكئاً على عكازه يتسوق من أحد الباعة في سوق الفواكه والخضراوات، الذي وجد لديه بعض ما تحتاجه عائلته، وحين بادرناه بالسؤال حول ما يمثله هذا السوق القديم له أجاب بلا تردد"سوقنا ولا نعرف غيره"، هذا ما يراه الحميري في هذا السوق الذي اعتاد على التسوق منه منذ سنوات لا يذكرها هو، وحالما سألناه عما يميز السوق عن غيره أجاب: "أجد نفسي مرتبطاً بهذا المكان وهذا السوق تحديداً، فهو أول سوق جئت له ولا أنفك عن التسوق منه حتى اللحظة، حيث يوفر لنا كل ما نحتاج لمنازلنا، ويجعلني أشعر بالألفة والراحة مع الباعة الذين يوفرون لي كل ما أحتاجه، ويتعاملون معي بكل لطف، وهذه المعاملة الطيبة ربما لا يشعر بها من يتسوقون من مراكز التسوق، فكل بائع هنا يتعامل مع زبونه بشكل خاص ليوفر له احتياجاته من الفواكه والخضراوات، ولا يستطيعون غش المشتري لأنه دائم التردد على المكان، كما أن النوعية المتوفرة أفضل" .