توصل فريق من العلماء في المركز القومي للبحوث في مصر إلى وسيلة جديدة غير مكلفة للقضاء على حقول الألغام . تعتمد على زراعة أنواع معينة من النباتات التي ثبتت فاعليتها في تحويل اللغم إلى قطعة من الخردة بعد أن تكون التهمت ما فيه من مواد متفجرة .

ومشكلة الألغام أو انتشار حقول الشيطان ليست مشكلة مصرية فحسب، تعاني منها لبنان والعراق وسوريا واليمن ومناطق كثيرة من الوطن العربي، وتؤدي إلى خسائر بشرية فادحة كما تؤدي إلى حرمان هذه البلاد من الاستفادة من مساحات شاسعة من الأراضي القابلة للتنمية .

تقول د . هبة سعيد، عضوة فريق البحث، الطريقة التي اكتشفت أثبتت قدرة نباتات معينة على التعرف إلى اللغم بمجرد ملامسة جذورها له، من هذه النباتات أرابيدوبسيز والونكاء والسكران والبنجر والتبغ وبمجرد ملامسة جذور هذه النباتات لأي لغم يتحول لونها إلى القرمزي أو البنفسجي وتبدأ في التهام مادة ال (TNT) المفجرة والموجودة باللغم وتحللها فتبطل مفعولها تماماً ويتحول اللغم إلى مجرد قطعة من الخردة لا خطر فيها .

وتضيف: هذه النباتات تعدل وراثياً عن طريق هرمون يتشابه مع التركيب الكيميائي لمادة T .N .T بما يجعلها قادرة على تحليلها والقضاء عليها . ومن المعروف أنه جرت من قبل تجارب ناجحة لإبطال الألغام عن طريق ثقب الجدار المعدني للغم وحقنه بأنواع معينة من البكتريا (نيتروفيليك أبرون أوكسيد أيزر وأسيدوفيليك أيرون أوكسيد أيزر) وكلها تلتهم اللغم من الداخل، وتم تلقيح النباتات ببكتريا شبيهة تجعلها أكثر قدرة على امتصاص النيتروجين الموجود في اللغم وهذا الامتصاص هو الذي يؤدي إلى تغير لون النبات إلى البنفسجي ويبطل مفعول اللغم تماماً .

يعتبر د . محيي الدين سليمان بقسم الهندسة الوراثية بالمركز القومي للبحوث أن أهم مرحلة في هذه الطريقة زراعة النباتات وسط حقول الألغام لما يمثل ذلك من خطورة كبيرة . ويقول: الطريقة التي نراها ملائمة تتم زراعة النباتات بنثر بذورها بواسطة الطائرات في أوائل الشتاء بحقول الألغام وتترك البذور حتى تسقط عليها الأمطار لتنمو النباتات في فترة لا تتجاوز عشرة أيام إلى شهر ونصف الشهر ويتغير لونها فور التصاقها بأي لغم . ويسهل بعد ذلك تحلل الألغام بعد استهلاك مادة ال (تي إن تي) الموجودة بها في مساحة تتجاوز مليوني فدان هي أماكن وجود الألغام في الأراضي المصرية، في مدة لا تزيد على عامين بتكلفة فعلية لا تتجاوز 20 مليون جنيه ويبدأ المشروع بتكلفة مقدارها مليون جنيه، في حين أن الطرق العادية لإزالة الألغام تتكلف حوالي 20 مليار جنيه وهو مبلغ باهظ جداً يصعب توفيره .

ويضيف: بحوث إزالة الألغام بالنباتات شارك فيها ثلاث جهات بحثية في مصر وهي: جامعة القاهرة، والمركز القومي للبحوث، ومركز بحوث الصحراء . وستبدأ الإزالة في أماكن وجود النباتات بالساحل الشمالي بمصر بمشاركة عدد كبير من علماء الهندسة الوراثية والأطباء والمهندسين العسكريين والباحثين والعلماء بعد أن نال المشروع موافقة أكاديمية البحث العلمي، وسيبدأ العمل بالمشروع بمعالجة نحو 20 مليون لغم مزروع على مساحة 673 ألف فدان في الصحراء الغربية .

يوضح د . إبراهيم هلال بالمركز القومي للبحوث أن مصر تعتبر من أكثر الدول معاناة من الألغام المتخلفة عن الحروب، خاصة في الصحراء الغربية بمنطقة العلمين، والتي زرعت على مساحة مليوني فدان بالساحل الشمالي والصحراء الغربية .

ويؤكد أن مشروع إزالة الألغام بالنباتات لا يفيد مصر وحدها فقط وإنما حوالي 64 دولة في العالم تعاني من مشكلة التلوث العسكري متمثلاً في الألغام الأرضية . ويقول: موزمبيق من أكبر ضحايا الألغام ويوجد بمصر نحو، خُمس ألغام العالم الموجود به 120 مليون لغم، ونصيب مصر حوالي 20 مليون لغم، منها 76% موجود في 288 ألف فدان تقريباً، واستخدمت الألغام خلال معركة العلمين عام 1942 من جانب القوات الألمانية والبريطانية لتعويض نقص الحواجز الطبيعية في الصحراء الغربية، وذلك بعد تخطيط لمواقعها، ورسم خرائط لها، ولكن خلال العمليات العسكرية أزيلت العديد من علامات التحذير كما أن حركة الرمال تؤدي إلى تغيير مواقع الألغام، مما يترتب عليه عدم دقة الخرائط الموضوعة في ذلك الوقت .

ويؤكد د . إبراهيم هلال أن تقديرات الأمم المتحدة تؤكد أن الألغام تقتل سنوياً نحو 10 آلاف شخص، وأن إزالة الألغام المزروعة حاليا تتكلف على أقل تقدير 44 مليار دولار . وأنه رغم الجهود الدولية المبذولة، فإن ما يتراوح بين 2-5 ملايين لغم جديد تزرع سنوياً . . وتوضح إحصائيات الصليب الأحمر أن عدد الضحايا، سواء قتلى أو جرحى، نتيجة الألغام خلال الأعوام الخمسين الماضية أكثر مما تسببت فيه الأسلحة الكيماوية والنووية معاً، حسب هلال .

وأضاف أن الألغام تجعل هذه المناطق حبيسة بعيدة عن التنمية محرومة من الزراعة والتعدين والسياحة والبحث عن المياه الجوفية والتشييد ومد خطوط السكك الحديدية مما يؤثر في التنمية والاستثمار بالإضافة إلى الخسائر البشرية . ويشير إلى أن الهندسة الوراثية أنتجت كائنات دقيقة لها القدرة على تحليل المواد المتفجرة .

وعن المحاولات العلمية في هذا الصدد يقول: نجح فريق من الباحثين، في تطوير سلالة من البكتريا قادرة على التهام المتفجرات، وتعمل هذه البكتريا على تحليل مادتي (TNT) و(TND) المتفجرتين من خلال تحطيم النيتروجين المركب الموجود في جزيء المادتين، ويتحول النيتروجين الناتج إلى مخصب طبيعي للتربة، وسيؤدي هذا النوع من البكتريا إلى إزالة 70% من بقايا مواد المتفجرات الملوثة للتربة .

ويشير د . إبراهيم هلال إلى نجاح فريق من الباحثين بالمركز القومي للبحوث في مصر في إنتاج سلالة من البكتريا تعمل على تدمير الهيدروكربونات الأروماتية - البنزين والطولوين والزيلين - التي يعتمد عليها التركيب الكيماوي لكل المواد المتفجرة والألغام . وتتغذى هذه البكتريا على شبكة من الأنابيب داخل التربة طيلة فترة عملها . ويقول الباحثون إن هذه الطريقة قادرة على إزالة 69% من التلوث العسكري الحالي للألغام والديناميت .

ويضيف: توصل المركز لإنتاج نوع من النحل المهندس وراثياً يمكن تزويده بلاقطات صغيرة للكشف عن الألغام والقنابل والقذائف التي لم تنفجر بعد، مستغلين قدرة النحل على جذب الغبار وأي مسحوق أثناء طيرانه . ويتابع الباحثون طيران هذا النحل المزود باللاقطات أثناء تجواله لجمع الرحيق من الأزهار وبعد عودته إلى الخلية يسجلون وجود أي أثر للمتفجرات، ولكن استخدام النحل أكثر تكلفة من استخدام النباتات في اكتشاف الألغام والتخلص منها .

ويرى د . إبراهيم هلال أن النباتات التي تتحدى الألغام تقلل من خطر النيتروجليسرين وثالث نترات الطولوين TNT، من دون مساعدة من الكائنات العضوية الدقيقة، مثل البكتريا والفطريات . كما اأن نباتات جار النهر تستطيع امتصاص مادة TNT والتقليل من شأنها ولم يعثر على TNT في أنسجتها دليلاً على قدرتها على تأييض (تمثل) مادة TNT . ويشير إلى أن الفريق أوضح أن النباتات تعالج مادة TNT ومنتجاتها المختلفة في حجيرات خلوية تدعي حويصلات حيث تتحلل هناك قبل أن تفرز، وذلك مماثل للطريقة التي تفرز بها أكبادنا السموم . ويعتقد أنه في خلال عشرة أيام يمكن استخدام النباتات بطريقة اعتيادية لتنظيف مستودعات الذخيرة الملوثة والألغام والنباتات . ويؤكد أن خلايا نبات بنجر السكر وعصارته تستطيع أن تمتص المادة المتفجرة وأن تقلل من شأنها . كما تقوم بأعمال تنظيف رئيسية، وذلك عن طريق عزل ونقل الجينات المسؤولة عن هذه الصفات إلى نباتات سهلة النمو في الظروف المحيطة بمستودعات الذخيرة . والألغام والديناميت للتخلص منها .

دعم على الإنترنت

بسبب التوصل إلى اكتشاف نباتات تتحدى الألغام، أنشأ نور الدين حسين الباحث بمركز البحوث الزراعية في مصر حملة على الموقع الشهير فيسبوك للتخلص من الألغام بواسطة النباتات . وقال نور الدين إن سبب إطلاق الحملة أنه يرى مساحة كبيرة من أرض مصر غير مستغلة بسبب وجود ألغام بها على مدى سنوات طويلة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهذه المساحة الشاسعة واعدة بإمكانات التنمية، ففيها مليار متر مكعب من مياه الآبار و8 .4 مليار برميل بترول و4 .13 تيريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي ولا نستطيع استغلال هذه الموارد أو الاستفادة منها كأرض زراعية ولا حتى لحل مشكلة التكدس السكاني وذلك لوجود ما يقرب من 7 .22 مليون لغم أرضي بهذه المنطقة . ولذلك فهناك مطلب شعبي من أجل إجبار الدول التي تسببت في هذه الخسائر الفادحة على المساعدة في إزالة الألغام من الأرض المصرية (إيطاليا - انجلترا - ألمانيا) وذلك بتمويل مشروع التخلص من الألغام بزراعة النباتات . وأكد نور الدين أن الحملة ليس لها أهداف سياسية، ولكنه مطلب شعبي لابد أن يحظى باهتمام الأطياف الشعبية والسياسية بمصر .

بكتيريا المولاس

السؤال الأساسي الذي طرحه الابتكار أو البحث الجديد هو كيف نتخلص من لغم بداخله مواد متفجرة مثل مادة T .N .T والأساسي فيها هو مركب النيتروجين الذي يعد مصدر الانفجار المدمر، وهو أيضاً مصدر الحياة لكل الكائنات الحية، حيث يدخل في تركيب المواد البروتينية لها .

الإجابة جاءت على لسان د . إبراهيم هلال الذي يقول: بعض النباتات التي تستخدم يتغير لونها من الأخضر إلى الأحمر فور ملامستها للغم، وهذا يعالج المشكلة الأزلية في عدم معرفة أماكن وجود الألغام عن طريق الخرائط التي يمتلكها المستعمر وترفض الدول التي تمتلكها أن تعطيها لمصر في محاولة للتخلص من اللغم . وللتخلص من مشكلة اختراق النبات للغم، يتم تحضير الكميات اللازمة من البكتريا وخلطها بمادة المولاس كمصدر لتغذية البكتريا وانتشارها ثم حقنها في التربة حول النباتات التي ظهرت من قبل واتضح أنها لامست ألغاماً وتقوم البكتريا بالتهام الأجسام المعدنية وإحداث ثقوب بها تسمح لجذور النباتات المهندسة وراثياً بالدخول داخل اللغم والتغذي على المواد المتفجرة به . ولا يتم التخلص من تي إن تي فقط بل وتتحول إلى مركبات بسيطة يستفيد منها النبات وينظف التربة من مخاطرها .

ويشير د . إبراهيم هلال أنه بعد تفتيت الألغام بالنباتات التي تزرع بالطائرات، تجمع الألغام التي تفتتت وأصبحت مجرد أجسامٍ معدنية مقلوبة لا خطر منها ويتم التخلص منها عن طريق آلات الحرث العادية وكأنها محصول عادي .