في إحدى أحدث التجارب التي أجراها علماء الذرة في مصادم هادرون التابع للهيئة الأوروبية للبحوث النووية (سيرن)، أشار هؤلاء إلى إمكانية تخطي بعض الجسيمات دون الذرية المعروفة باسم (نترينو) سرعة الضوء، وهو أمر من المستحيلات حسب قوانين الفيزياء المعروفة لدى العلماء . وفي هذه التجربة، لاحظ الباحثون الذين يرصدون هذه الجسيمات منذ فترة طويلة نسبياً في مقر الهيئة بجنيف بسويسرا الموجود تحت الأرض، أن جسيمات النترينو التي أرسلت من هذا المكان إلى مختبر جران ساسو بإيطاليا الذي يبعد عنه نحو 732 كيلومتراً، وصلت قبل موعدها بجزء من الثانية . هذه النتيجة، إن صحت، تعني أن أينشتاين الذي وضع نظريته النسبية وفقاً لسرعة الضوء التي لا تتجاوز 300 ألف كيلومتر في الثانية، اعتمد في وضع النظرية على هذه المسلمة، بمعنى أنه يستحيل، حسب كلامه، وجود أجسام تتجاوز هذه السرعة .

ماذا يعني ذلك؟ وهل أخطأ أبو النظرية النسبية؟ وهل سيعيد العلماء صياغة قوانين جديدة للكون؟ وهل يعني ذلك أن مسألة التوازن في الكون يجب أن يعاد التفكير في مضمونها؟

الواقع أن الاكتشاف الجديد أثار جدلاً في مختبرات العالم بأسره واعتبر القنبلة التي ستأتي، إن انفجرت بكاملها، على أركان الفيزياء وقوانينها، وسيعيد العلماء صياغة قوانين جديدة وسترمى القوانين السابقة في مزبلة التاريخ .

والنترينو هو جسم أولي أصغر بكثير جداً من الإلكترون وليس له شحنة كهربائية، وحتى فترة قريبة لم ينجح العلماء في قياس كتلته ويصفونها باللاصفرية، لأن تفاعل هذا الجسيم مع المادة ضعيف جداً، واستنبط الباحثون وجوده من خلال ظاهرة تحلل بعض النظائر المشعة عن طريق إطلاق أشعة بيتا التي هي عبارة عن إلكترونيات .

وعندما يتحلل العنصر المشع إلى عنصر آخر، يحدث فقد معين في الطاقة، هذا الفقد عبارة عن الفرق بين طاقة العنصر المشع وطاقة العنصر الناتج . ومن المفترض، حسب قانون عدم فناء الطاقة، أن يحمل الإلكترون المنطلق من نواة الذرة والخارج على هيئة شعاع من أشعة بيتا هذا الفرق في الطاقة، لكن القياسات تبين أن الإلكترون يحمل طاقة أقل من الطاقة المفروضة خلال التحلل . ومن هنا افترض العالم الأمريكي (فولفغانغ باولي) عام 1930 وجود جسيم صغير يحمل تلك الطاقة الناقصة التي لا نراها وأطلق عليها اسم (نترينو) باعتبار أنه لا يحمل شحنة كهربائية .

ولقد استغرق الباحثون زمناً طويلاً حتى استطاعوا اكتشاف النترينو الذي تحدث عنه (باولي) بأصنافه الثلاثة، كما أن الاكتشافات تمت على مراحل بدأت في الستينات من القرن العشرين وانتهت أواخر عام 2000 .

ومن المعتقد أن نحو 50 تريليون (نترينو شمسي) تخترق أجسامنا نحن البشر كل ثانية .

اليوم يعلن العلماء عن نتائج تجارب استمرت بضع سنوات تأكدوا خلالها أن سرعة النترينو تزيد على سرعة الضوء قليلاً، الأمر الذي يمكنه إعادة صياغة قوانين النسبية والفيزياء الحديثة، إلا أن هذه التجربة بحاجة إلى تكرار ربما مئات المرات للتأكد نهائياً من صحتها .

ويقول بعض العلماء إن الباحثين مازالوا على حذرهم لأن الأبعاد الأربعة التي تحدث عنها أينشتاين ستصبح، إن صح الأمر، شيئاً من الماضي ومن الممكن أن تستطيع هذا الجسيمات (فوق الضوئية) أن تدخل عوالم أو أبعاداً أخرى في الكون .

هل يعني ذلك أننا نعيش قصة خيالية علمية أم أن الأمر حقيقي؟ في هذا الصدد، لا يستطيع الباحثون الجزم كلياً، فمنذ أن كشفت فيزياء الكم عن السلوك الغريب للجسيمات دون الذرية في العالم المسمى بفائق الصغر، اعتاد الباحثون على المفاجآت، فهل وجود جسيم ينطلق بأسرع من الضوء أكثر غرابة من وجود جسيم يوجد في مكانين مختلفين في اللحظة نفسها؟ حتى الآن أسئلة بلا إجابات مقنعة .

3 أنواع

يقول أحد العلماء إن من غرابة الأمر أن يدعي الفيزيائي النمساوي وولفغانغ باولي وجود مثل هذا الجسيم في الثلاثينات من القرن العشرين ليحل معضلة أخرى تتمثل في الإبقاء على صحة قانون بقاء الطاقة . وقال باولي آنذاك: فعلت أمراً رهيباً، لأنني افترضت وجود جسيم لا يمكن اكتشافه، والغريب في الأمر أن يتمكن العلماء من إثبات وجود هذا الجسيم المفترض بالفعل خاصة أنه تبين من وجوده إمكانية حل العديد من المعضلات التي لم تزل تراوح مكانها في فيزياء الجسيمات، وفي الفيزياء الفلكية وعلم الكون . ويشير العلماء إلى أنه بفضل المختبرات التي تشيد تحت الأرض وتعتبر ضخمة جداً، وربما تفوق التصور، يمكن اختبار الفرضيات المطروحة من قِبَل الفيزيائيين بشكل صحيح . مثلاً استطاع الباحثون إثبات وجود ثلاثة أنواع في عام 2002 عندما حاول العالم ريموند دافيز، من جامعة بنسلفانيا، التقاط نتريونات الشمس من خلال المسبار سوهو الشمسي الذي يعمل بالأشعة تحت الحمراء، والأنواع الثلاثة المكتشفة من النترينو يرتبط كل منها بجسيم دون ذري آخر فهناك النترينو الإلكتروني، ونيترينو - ميون، ونترينو - تاو .

والحقيقة أنه على عكس ما يقال إن النترينو لا كتلة له، فإن له كتلة ولكن لم تحدد حتى الآن وإلا فإنه من المستحيل تحوله إلى نوع آخر من الجسيمات . هذه المستجدات دفعت الباحثين إلى تجديد النماذج الفيزيائية التي تصف التفاعلات الداخلية لكل الجسيمات الأساسية في الكون، فكلما كان تمدد الكون يحدث بسرعة تقارب سرعة الضوء، ثقلت موازينه وزادت كتلته وزاد حجمه وهذا على عكس نظرية أينشتاين في النسبية التي تقول إن الأجسام كلما زادت سرعتها لتصل حداً يقترب من سرعة الضوء زادت كتلتها وقل حجمها (أي لا تتمدد) . ومن هذا المنطلق، فإن تمدد الكون لا يخضع للنظرية النسبية لأينشتاين، لأن الكون يغص بالنترينوات التي تشكل كتلتها جزءاً يقل عن كتلة الإلكترونات، ومادامت تخترق أجسامنا ولا تضرنا، فمعنى ذلك أن اكتشاف أوزانها سيكشف عن المواد المخفية في الكون .

وتقول الباحثة إيتين كلين، من المركز الأوروبي للطاقة الذرية إذا كانت الأرصاد الأولى تناقض النسبية الخاصة لأينشتاين، فهذا لا يعني أن نحرق أعمال هذا العالم، فعندما أثبت محدودية قوانين نيوتن، لم يطرح العلماء أعمال نيتوتن جانباً . وفي عام ،1987 وعندما اكتشف العلماء (سوبر نوفا) واستطاعوا مقارنة سرعة الضوء المنطلق منها عن طريق النترينوات المتولدة جراء الانفجار لاحظوا فرقاً مقداره 3 ساعات بالنسبة إلى رحلة استغرقها الضوء السوبر نوفا بلغت 168 ألف سنة، ما يعني عدم قلب موازين قوانين أينشتاين رأساً على عقب . ويقول ألان بلونديل، رئيس وحدة النترينو في جامعة جنيف: من المستبعد بالطبع طرح أعمال أينشتاين جانباً بعد هذه التجربة، فعندما نكتشف شيئاً جديداً، فإننا نعمل على تحسين النظرية فنضيف إليها بعض العناصر الرياضاتية اللازمة مثلاً . ويشير إلى أنه بإمكاننا الرجوع بالزمن إلى الوزراء عن طريق النترينو، هذا بالطبع من الناحية النظرية، إن كان النترينو يسير بأسرع من الضوء، ففي كل مرة ننظر فيها إلى السماء فإن مشهد النجوم التي نراها لا تعبّر عن حالتها الآنية ولكن عن حقيقتها الماضية لأن الضوء يسير بسرعة 300 ألف كيلومتر في الثانية، فلو كان هناك أحد غيرنا في الكون ورصدونا من مسافة تصل إلى بضع مئات من آلاف السنين الضوئية عن الأرض، فإنه من المحتمل أن يشاهدوا صوراً للديناصورات، وإن كانت النترينوات تسير بأسرع من الضوء، حسب التجربة الأخيرة، فهل يعني ذلك أنه يمكنني أن أشاهد جدي في الماضي عندما كان صغير السن وهل سأكون موجوداً في المستقبل الذي أنا قادم منه حسب قانون السببية؟ وإذا كان ذلك بالنفي، فكيف يمكنني أن أقابل جدي؟

وبعد هذا الكشف، هل سنصل إلى رمي كتب الفيزياء المدرسية والجامعية في سلة المهملات؟ بالطبع لا، ولكن من الأفضل أن نعيد النظر في بعض الأبحاث العلمية المنسية عن كثب، فوجود جسيمات فوق ضوئية مسألة طرحت في عام 1964 على يد الباحث جيرالدفاينبرغ وسميت آنذاك بالتاكيون وتذكرها كتب الخيال العلمي مادة للعودة بالزمن إلى الوراء!

من ناحية ثانية، درس المخترع الشهير نيكولاتسلا الذي اخترع التيار المتردد وتقنية الاتصال اللاسلكي، بشيء من التفصيل، طاقة الإشعاعات الكونية، وفي 6 فبراير/ شباط ،1932 وصف تسلا في مجلة نيويورك تايمز إشعاعاً قادماً من الشمس يتكون من جسيمات دقيقة وقادرة على اختراق المادة . وبشيء من الدهشة، يؤكد تسلا في مذكراته أن هذه الجسيمات تتحرك أسرع من الضوء وهو ما يتناقض بالطبع مع نظرية أينشتاين . ولا شك في أن الحديث عن مثل هذا الأمر في تلك الآونة كان ضرباً من الجنون، إذ كيف يعقل أن نناقض أينشتاين؟!

في ما بعد جاء البروفيسور كونستونتان ميل وأعاد دراسة أبحاث تسلا عن كثب في عام 2004 وكوّن نظرية جديدة تقول إن امتصاص الأرض للنترينوات يؤدي إلى توسع الكرة الأرضية . أما إيفان أوزيبوفيتش، فقد أسس في عام 1888 نظرية قريبة جداً من نظرية (ميل) حينما كان يعيد صياغة قوانين الجاذبية، وتستند نظرية إيفان إلى فيض من الأثير الذي تمتصه الأجرام السماوية وتزداد كتلته بشكل طردي جراء هذا الامتصاص . وأياً كانت الحال، فإن المجتمع العلمي متفق على أمر واحد وهو أن الجسيمات فوق الضوئية هي مصادر لابد من أخذها في الاعتبار إذا ما أردنا إماطة اللثام عن أسرار كونية كالمادة المعتمة في الكون والتوسع المتسارع للكون أو مسألة تفوق المادة على المادة المضادة خلال الانفجار العظيم (البيغ بانغ) قبل 13،5 مليار سنة .