* د. حميد مجول النعيمي
كثر الحديث في الأيام العشرة الأخيرة في مختلف وسائل الإعلام عن نجم سهيل، وكان الحديث يشير إلى أن هذا النجم هو سبب التغيرات الجوية والموسمية في هذه الأيام ولاسيما في شهر أغسطس وبالتحديد يوم 25 أغسطس، وهو سبب بداية قصر النهار وبرودة الجو نسبياً والتغيرات الفصلية وانتهاء ريح السموم حيث يقال: «سهيل نجم بهيّ طلوعه على بلاد العرب في أواخر القيظ»
ونحن نقول فلكياً: إن نجم سهيل ليس له أي تأثير في الكرة الأرضية ولا في غلافها الجوي وتقلباته، فبداية قصر النهار وبرودة الجو نسبياً والتغيرات الفصلية وانتهاء ريح السموم تحدث في هذه الأيام حتى لو لم يكن نجم سهيل موجوداً أو ظاهراً، فكل التغيرات المذكورة أعلاه هي تغيرات موسمية تحدث بسبب دوران الأرض حول محورها المائل بنحو 23.5 درجة تقريباً وعلاقتها بأشعة الشمس التي تسقط بزوايا مختلفة على مختلف دول العالم على الكرة الأرضية، بمعنى أنها تغيرات موسمية تحدث سنوياً على سطح الكرة الأرضية، والصحيح هو أن نجم سهيل يظهر ويرى بالعين المجردة في هذه الأيام أثناء التغير الموسمي ولاسيما في الدول العربية وتحديداً في الجزيرة العربية (أي أن ظهوره يتزامن مع هذه التغيرات)، لذلك ربط العرب القدماء التغيرات الجوية والموسمية بظهور نجم سهيل (وفي الحقيقة فلكياً، فإن نجم سهيل ليست له علاقة بهذه التقلبات الجوية).
هناك عدد كبير من النجوم يظهر مع نجم سهيل لكننا لا نراها مثلما نرى نجم سهيل لأنه ألمع منها جميعاً وكلنا يعلم أن حركة النجوم التي نرى بعضها ليلاً في السماء في مواسم مختلفة سببها حركة الأرض اليومية حول نفسها والسنوية حول الشمس. فليس للنجوم أية علاقة بالأرض وليس لها أي تأثير فيها ولا في الكائنات الحية بسبب بعدها الكبير عنا.
فلكياً نجم سهيل هو ثاني ألمع نجم يشاهد ليلاً بعد نجم الشعرى اليمانية في السماء الشمالية، وهو ألمع نجم يشاهد ليلاً في السماء الجنوبية (تسهل مشاهدته في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، أما في النصف الشمالي حيث الجزيرة العربية تقع ضمن نطاقه فلا يظهر في سمائها باتجاه الجنوب إلا في أواخر أغسطس/‏‏ آب، وتحديداً في الرابع والعشرين منه، ويعني ظهوره بداية التغير الفصلي وانتهاء ريح السموم). وهو ألمع نجم بين مجموعة النجوم المكونة للكوكبة النجمية التي تسمى بالقاعدة أو الجؤجؤ وباللغة الفلكية يسمى (ألفا كرينا Carinae αأو كنوبوس Canopus.
يبعد نجم سهيل عنا ب 1200 سنة ضوئية، أي ما يعادل 11200 تريليون كم (التريليون = مليون xمليون) وعندما نراه في الليل فإننا نشاهده في موقع كان فيه قبل 1200 سنة لأن الضوء عندما يخرج من النجم فسوف يصلنا بسرعته المعروفة فيزيائياً بعد 1200 سنة إن لم تكن هناك عوائق تعيق مسيره أي أنه قد يكون تحرك من مكانه وتغيرت خواصه الفيزيائية خلال 1200 سنة، بمعنى أن هذا النجم ليس له أي أثر في الأرض ولا في غلافها الجوي ولا في تغيراتها الطقسية أو الموسمية، وهكذا سائر النجوم الأخرى، كما هي الحال بالنسبة للأبراج فهي تشكيلة نجمية ظاهرياً تخيل أشكالها الأقدمون، ليس لها أي أثر في الإنسان ولا في طالعه.
وللعلم فإن قطر نجم سهيل بحدود 50 مليون كم (بحدود 71 مرة أكبر من قطر الشمس)، وكتلته تقريباً 10 أضعاف كتلة الأرض ودرجة حرارته السطحية 7350 درجة كلفنية في حين أن درجة الحرارة السطحية للشمس 6000 درجة كلفنية، وهو من النجوم ذات الأعمار القصيرة وتم تقدير عمره ب 27 مليون سنة.
تراثياً وشعبياً: يُعَد نجم سهيل من أكثر النجوم التي يحرص العرب وغيرهم على متابعتها وعلى وجه الخصوص في الجزيرة العربية، ولظهوره اهتمام خاص منذ القدم، ففي مصر قديماً كان يستدل عليه للإبحار إلى منارة فروس التي كانت موجودة في العصور القديمة في مدينة الإسكندرية، وكان بعض من يعيشون في الصحراء يسمون نجم سهيل بسفينة الصحراء. وكانت العرب تتغنى بنجم سهيل وتذكره في أشعارها.
العرب منذ القدم يستبشرون بظهور النجم في الأفق حيث يتزامن ظهوره مع تحول الظروف الجوية ويبدأ منخفض الجو الموسمي بالتراجع جنوباً وتهب رياح قوية يطلق عليها (هبايب سهيل)، أي يتزامن ظهوره مع اعتدال الطقس وانخفاض درجات حرارة البحر. ويبدأ انتعاش أسواق السمك في مختلف مناطق دول الخليج العربية. وكما هو معلوم فإن أبناء الجزيرة العربية اهتموا منذ القدم ليس بطلوع نجم سهيل فحسب بل بمطالع النجوم اللامعة المرئية بالعين المجردة والنظر إليها ومعرفة منازلها لارتباطها بحياتهم اليومية في الليل والنهار. وكان العرب في الصحراء يسترشدون بالنجوم ومن ضمنها نجم سهيل وهم يتوجهون باتجاه الجنوب ونجم «الثريا» نحو الشمال كما يدل نجم سهيل على القبلة في بلاد الشام والخليج العربي.
ولأهل الخليج تقويم خاص يرتبط بطلوع النجم (سهيل) تدرج فيه المواسم والأنواء ويطلق عليه تقويم الدرور، إذ يقسم كل عشرة أيام إلى در تتفق بخصائصها الطبيعية من طقس وصيد ورعي وزراعة.. الخ.
يختفي نجم سهيل كمعظم نجوم السماء عن الأنظار فترة من السنة ثم يعود إلى الظهور فترة أخرى (حسب حركته السنوية الظاهرية في السماء) والتي تبدأ في صبيحة بداية الأسبوع الأخير من شهر أغسطس من كل عام ثم يأخذ ظهوره بالتقدم يوماً بعد يوم إلى أن يرتفع إلى وسط السماء منتصف الليل في نهاية ديسمبر ثم يظهر بعد غروب الشمس في الأفق الجنوبي الغربي مع نهاية مارس وبعدها يختفي لفترة مع بداية مايو حتى يظهر من جديد قبيل شروق الشمس في أغسطس.
وفي الوقت الحاضر اتخذت بعض مؤسسات الفضاء العالمية ومنها وكالة الفضاء الأمريكية نجم سهيل وبعض النجوم الأخرى اللامعة وسيلة من وسائل تحديد الملاحة الفضائية. وللعلم فإنه ليس من السهولة رؤية نجم سهيل شمال خط عرض 37 درجة في نصف الكرة الأرضية الشمالي، فهو من نجوم النصف الجنوبي من السماء.
إن الهدف الرئيسي من هذا المقال هو مطالبة الزملاء والكتاب من الهواة والباحثين عند الكتابة في موضوعات فلكية تراثية شعبية بأن يكتبوا مقالاتهم ونشر المعلومات التي يرغبون بنشرها بدقة علمية عالية ولاسيما في المجالات والتخصصات المهمة لمجتمعاتنا مثل علوم وتكنولوجيا الفضاء والفلك، فمثلاً عندما أمر صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة ورئيس جامعة الشارقة، بإنشاء مركز الشارقة لعلوم الفضاء والفلك وربطه بجامعة الشارقة إنما فعل ذلك ليكون مركزاً علمياً وبحثياً وتدريبياً وسياحياً وكان الهدف الرئيسي هو تأهيل أجيال من الشباب الإماراتي والعربي تختص في التقنيات الفضائية والفلكية وتعمل بالطرق العلمية الدقيقة لتصل إلى مستوى دول العالم المتقدم.

* مدير جامعة الشارقة
رئيس الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك