حتى لو بلغت الشمس حجماً هائلاً بالنسبة للكواكب التي تدور حولها، فلن تكون في الحقيقة سوى شيء بسيط أمام أخواتها من الشموس المنتشرة هنا وهناك في هذا الكون الشاسع، وذلك على غرار هذا النجم العملاق الفائق (R136a1) الذي اكتشفه الباحثون مؤخراً . ويصعب تخيل حجم هذا النجم على المستوى البشري، لأن حجمه بالفعل يفوق كل التصورات وحتى كل النظريات العلمية المعروفة لعلماء الكون .

يقع هذا النجم في المجرة المسماة سحابة ماجلان الكبرى على مسافة 165 ألف سنة ضوئية من الأرض، ويقول الباحثون إن كتلته تزيد على كتلة الشمس ب265 مرة وتصل درجة حرارة سطحه إلى 40 ألف درجة مئوية مقابل 6000 درجة على سطح الشمس، كما أن درجة سطوعه تزيد على درجة سطوع الشمس بعشر ملايين مرة، ولكن ما حجم هذا النجم المخيف . والتفاعلات التي تجري قلب النجم وتجعله ملتهباً بشكل لا يكاد يصدق نظراً للمواد الملتهبة التي يقذفها بعيداً عن السطح، تجعل العلماء يقدرون قطره بحوالي 140 مليون كم مقارنة مع قطر الشمس البالغ مليوناً و392 ألف كم .

يرى العلماء أن هذا النجم لا يمكن أن يكون فائق الحجم من الناحية الفيزيائية الفلكية، بل من الناحية النظرية أيضاً، فحتى على الورق لا يمكن أن يكون قبوله ممكناً لأنه يفوق كل تصور منطقي، ولذا رأى هؤلاء أن يلجأوا إلى العودة إلى النجوم الكلاسيكية وطريقة ولادتها ليفهموا ما هم بصدده، ووقع اختيار هؤلاء على نجم ذات كتلة متوسطة تزيد على كتلة الشمس بعشر مرات وقالوا إن نجماً كهذا يولد عادة في قلب سحابة غازية باردة تتكون في معظمها من غاز الهيدروجين 90% .

وتحت تأثير الجاذبية الداخلية للسحابة، يتركز الغاز في بعض المناطق وضمن هذا الحساء السميك نوعياً تبدأ بالظهور ما يسمى الخيثرة وهي أجزاء صغيرة من الماء تشبه قطع اللبن الرائب، وهي مقدمات لما ستصبح نجوماً في المستقبل . وفي هذا السيناريو يتجمع الغاز تدريجياً ويأخذ بالتزايد، ولو أخذنا إحدى هذه القطع (المتخثرة) لوجدنا أنه توجد في مركزها ذرات لا تكف عن التصادم بشكل عنيف، لذا فإن درجة الحرارة الأصلية التي تكون فيها260 درجة تحت الصفر، تأخذ بالارتفاع، وعندما تبلغ درجة حرارة الغاز 9000 درجة مئوية يتحول الغاز داخل السحابة إلى بلازما مزيج من البروتونات والنيوترونات والإلكترونات الأمر الذي ينتج عنه تفكك الذرات، وتستمر من ناحية ثانية عملية جذب المواد المحيطة بالحساء الملتهب لترتفع درجة الحرارة أكثر فأكثر، في حين أن المادة الموجودة في المادة الخثيرة تصبح منضغطة بفعل الجاذبية، وهكذا ينهار النجم الأولي على نفسه إلى أن تنطلق أول تفاعلات الاندماج النووية في الداخل بحيث تعمل البروتونات (أنوية الهيدروجين) على الاندماج لتشكل الأنوية الثقيلة .

ومن المعلوم أن اندماج البروتونات يطلق طاقة كبيرة حيث يبدأ النجم باللمعان بكل قوته وإشعاعه على هيئة فيض من الجسيمات المسماة الفوتونات الضوئية، وتصعد هذه الفوتونات إلى السطح ناتجة عن التفاعلات الكيميائية في قلب النجم وتؤثر في الذرات بضغط يسمى الضغط الإشعاعي الذي يتواجه بشكل عكسي (مضاد) مع الانهيار الجذبوي للنجم .

وفي النهاية يحدث توازن بين هاتين القوتين حيث تمنع القوة الأولى (الضغط الإشعاعي) وصول كميات إضافية من الغاز وتصل كتلة النجم إلى حدها الأقصى .

بهذه الطريقة، استطاع الباحثون تقدير كتلة النجم المكتشف ب150 كتلة شمسية وهذا ما يعادل الحد الأقصى للكتل الشمسية لأي نجم، لكن الشيء الذي لم يتخيله هؤلاء أن كتلة هذا النجم (R136a1) بلغت على غير العادة ما يزيد على265 كتلة شمسية .

وبما أن هذا هو الحال، فإن النجم يطلق بمادته المحترقة في الفضاء بسرعة مذهلة أيضاً، وهو ما جعلهم يرون أن حياته ربما لن تتجاوز المليون سنة، حيث يعتقدون أنه كلما زاد حجم النجم وزادت كتلته استنفد طاقته بشكل أسرع، وكلما قصر ذلك من فترة حياته، ومن هذا المنطلق، يشير الباحثون إلى أن كتلة النجم حين ولادته بلغت 320 كتلة شمسية، ولكن فقدان المادة بهذه الكمية وتلك السرعة جعل كتلته منذ ولادته تقل حتى المقدار هذا إن لم تكن هبطت إلى 80 كتلة شمسية حسب تقدير بعض العلماء .

كتل فائقة

إذا كانت المراصد الكبيرة في الوقت الراهن تتسابق للبحث عن نجوم عملاقة جداً كمرصد (VIT) بتشيلي مع الاستعانة بالتلكسوب الفضائي هابل، فإن الفلكيين العاملين في هذه المراصد لم يتخيلوا يوماً أن يتوصلوا إلى هكذا اكتشاف، وأياً كان الحال، فإنه لابد لنا من أخذ هذا الكشف الكبير على محمل الجد وكذلك الحذر، فثمة اكتشافات كثيرة حدثت قبل ذلك وتبين فيما بعد أنها كانت زائفة .

ويقول الباحث فرانسوا سبايت من مرصد ميدون الفلكي بباريس: إن النجم المكتشف لاشك في حقيقته ولم يعلن عنه إلاّ بعد دراسات مستفيضة، ويضيف أنه لتحديد كتلة أي نجم، يستخدم الباحثون قوة لمعان النجم، ويرون أنه كلما كان اللمعان قوياً، كان محتوياً على مادة وقود لذا فإن كتلته لن تكون عظيمة .

ويشير إلى أن المشكلة التي يواجهها الباحثون تتمثل في أن النجوم تعيش على هيئة نجوم مزدوجة أو مجموعة مكونة من3 أو 4 نجوم وتدور إحداها حول الأخرى بشكل قريب إلى درجة يصعب التمييز بينها على أنها أكثر من واحدة، خاصة إذا كانت بعيدة جداً عن متناول الأرصاد بواسطة الأجهزة الفلكية المتوفرة، ومن هذه المسألة يمنح الفلكيون أحياناً كتلة معينة لنجم، ربما يكون في الحقيقة نجمين أو ثلاثة، ومن هنا تأتي الإعلانات المدوية عن اكتشاف نجم عملاق فائق الحجم والكتلة، ثم يتبع ذلك إعلانات عن إعادة تقييم لحجم و كتلة النجم بعد أن يتبين أن ثمة خطأ في عمليات الرصد والتقييم .

ولكن ماذا عن النجم الذي نحن بصدده وهل هو نجم مزدوج؟ في هذا الصدد يشير الباحث سبايتس إلى أنه من المحتمل جداً أن تكون هي حالة هذا النجم خاصة أنه قابع وسط سحابة سديم كثيف جداً بالمادة وسيتم التحقق من ذلك عاجلاً أم آجلاً .

وإذا تبين أن العلماء لم يتمكنوا من التوصل إلى شيء مفيد يتعلق بحقيقة النجم المعني، فكيف يمكننا تفسير وجود مثل ذلك النجم العملاق؟ أمام هذا التساؤل يقول الباحث سبايت: إذا أردتم الخوض في غمار الفيزياء الفلكية، إليكم هذا اللغز الذي يتوجب عليكم حله عاجلاً أم آجلاً علماً بأنه يسبب قلقاً للعلماء منذ أمد بعيد .

وعملية تشكل النجم التي طرحت سابقاً تصف النجوم التي لا تتجاوز كتلتها عشرات الكتل الشمسية، ولكن حتى ولو قبلنا بأنها قادرة على تفسير تشكل النجوم الأكبر حجماً نوعاً ما، إلا أن النظرية تبقى معقدة وغير كافية، ومن هنا فكر الباحثون في سيناريوهات بديلة، يتمثل أحدها في وجود سحابة غنية جداً بالغاز من ثم يتركز هذا الغاز داخل السحابة ليكون نجماً، ولكن سرعان ما يتفكك هذا الغاز إلى حبيبات كما يحدث في الحساء تحت تأثير الجاذبية الداخلية، نظراً لأن عملية تكثيف الغاز المركزية تكون غير ثابتة، وأمام هذا التكثف غير المستقر للغاز تنصهر تلك الحبيبات المتقاربة لتشكل حبيبة واحدة كبيرة أو تتفكك تحت تأثير قوة الجاذبية والطرد المركزي وتشكل في نهاية المطاف حبيبة عظيمة سرعان ما تنهار على نفسها مكونة نجماً عملاقاً فائقاً .

ولكن إذا كان هذا السيناريو يصف النجوم التي لا تزيد كتلتها الشمسية على (30 - 100) كتلة شمسية، فكيف يكون النجم عملاقاً، وماذا عن النجوم التي تصل كتلتها إلى 300 كتلة شمسية؟

في هذا الأمر، لابد لنا من تجاوز مرحلة كبيرة يعول عليها العلماء بشكل كبير لاسيما أن هذه النجوم أصبحت بالنسبة لهم العنصر الذي يحتفظ داخله بسر المادة التي تتكون منه كبشر، لأنه داخل هذه الوحوش المخيفة وحيث تدور رحى تفاعلات جهنمية وتحت درجات حرارة مذهلة ضغط هائل، تصاغ وتتشكل الذرات التي خُلقنا منها نحن كبشر مثل الكربون والأكسجين والعديد من العناصر الثقيلة كاليورانيوم والبلوتونيوم . . وغيرها، وهكذا، وبعد عدة مئات من ملايين السنين (مقارنة مع حياة شمسنا التي تعادل 10 مليارات سنة) ينفجر النجم العملاق مكوناً مستشعراً أعظم سوبرنوفا لينشر في الكون كل الذرات التي تشكلت داخله .