فارق شاسع بين القدوة اليوم والأمس، فإذا كانت الأجيال السابقة اتخذت من طه حسين، ورفاعة الطهطاوي وغيرهما من العلماء قدوة ومثلاً، فشباب اليوم يجدون في نجوم السينما والرياضة أفضل مثل يقتدون به ويسيرون على دربه. ولأن القدوة من أهم مفردات التربية السليمة ومن خلالها يحدد الشاب مساره. كان لا بد لنا من وقفة لنتعرف الى قدوة هذا الجيل والدوافع التي تجعلهم يختارون شخصاً معيناً ليكون قدوتهم دون آخر وكيف تبدلت القدوة من العلماء والساسة الى نجوم الفن والرياضة؟
يؤكد شريف عبدالفتاح محمد، طالب، أنه اتخذ من الفنان تامر حسني قدوة له، خاصة بعد دخوله السجن بسبب تهربه من الخدمة الوطنية، موضحاً أن حسني علمه كيف يكون رجلاً بحق، وألا يلتفت للماضي حتى ولو كان مشيناً.
أحمد سيف بن ساعد السويدي، طالب، يشير الى أنه يقتدي بشقيقه فارس الذي يحضر للدكتوراه في جامعة هارفارد، مشيراً الى ان حياة شقيقه جديرة بالدراسة لأنه يتميز بالجدية في كل شيء ويولي العلم اهتماماً هائلاً، ولا شيء في حياته سواه، لذلك تعلم منه أشياء عدة أهمها حب العلم، وكيفية التعامل معه.
غادة محمد، طالبة، تقول إن تامر حسني قدوتها في الحياة، لأنه الوحيد الذي استطاع ان يعبر عن جيلها في أغانيه وأفلامه، وحتى صموده في محنته داخل السجن.
علي الرميحي، طالب، يؤكد ان والده قدوته، لأنه يمتلك خبرة هائلة في الحياة ودائماً ما كان يراه يقدم المساعدة لمن يحتاجها، سواء كانت مادية أو معنوية، مشيراً الى ان حبه لوالده، ووجوده في حياته جعله يحبه لدرجة الجنون وأنه لم يعد يجد في الحياة أكبر منه.
اشرف زيد، طالب، يوضح أن حبه للتمثيل جعله يرتبط بالفنان محمد هنيدي الذي يحلم بمقابلته، لافتاً الى أن حبه الشديد له جعله يتخذه قدوة، لأنه تعلم منه الصبر، وعدم الاعتماد على الآخرين والاعتماد على نفسه.
ماجدة عبدالعزيز، طالبة، تقول إن الزعيم جمال عبدالناصر هو قدوتها، لأنها عندما قرأت عنه اكتشفت أنه من العظماء على مستوى العالم.
موجود علي موجود، طالب، يتفق مع ماجدة على ان جمال عبدالناصر من الزعماء الذين بهروا العالم، لذلك اتخذه قدوة منذ أن بدأ يقرأ عنه.
خالد زهير راشد، طالب، يقول إن قدوته البطل الياباني لي ليان جي في الكونغوفو الذي بهر العالم في العشرينات من القرن الماضي، مشيراً الى أنه تعلم الكثير من حياته وتجاربه مثل أن القتل ليس الوسيلة الوحيدة للفوز في اللعبة.
فادي عبدالعزيز صادق، طالب، يقول إن قدوته هي الفنانة نانسي عجرم التي تبهره عندما يشاهدها في التلفزيون، موضحاً انه من شدة تعلقه بها يحاول ان يقرأ الكثير عن حياتها ليعرف المزيد عنها.
نشأت حسن، طالب، يشير الى ان قدوته الزعيم جمال عبدالناصر الذي استطاع خلال فترة وجيزة ان يصبح حديث الدنيا، وحبيب ملايين البشر، موضحاً أنه يحاول ان يقرأ كل ما كتب عنه بعد أن حكى له والده قصة كفاح عبدالناصر.
ويرى مهند كريم طالب قدوته في تشي جيفارا الذي عمل طبيباً للأطفال، ثم تحول لثائر وطني، في كوبا التي حررها من الديكتاتور باتست ورفض البقاء في السلطة وتحول الى رمز، مشيراً الى أنه تعلم منه حب الوطن والأصالة والقيم النبيلة.
يوسف الظهوري، طالب، يقول إن قدوته الزعيم جمال عبدالناصر الذي قرأ الكثير عنه وعن حياته، وأنه قدم حياته فداء لعروبته.
وتقول اسماء محمد اهلي، طالبة، إن ريتشارد برانستن رجل المال العالمي الذي يمتلك ابراجاً عدة، وصاحب مؤسسة فيرجن العالمية هو قدوتها في البيزنس.
وتشير بتول خالد، طالبة، الى ان والدها قدوتها، الذي يعد من أهم المسؤولين بإحدى الشركات الاستثمارية المعروفة، لافتة الى أنها تعلمت منه الكثير.
ايناس عصام، طالبة، تؤكد أن قدوتها والداها لأنها رأتهما يضحيان بالراحة ومتعة الحياة من اجلها.
وترى كوثر حسين، طالبة، ان قدوتها هو الفنان تامر حسني الذي جعلها تحب الحياة والناس وتشعر بآلام الآخرين.
أحمد حمدي، طالب، يوضح ان حياته أصبحت تدور حول الفنانة نانسي عجرم التي ملكت عليه حياته، لافتاً الى أن ارتباطه بأغانيها جعله يرى جمال الحياة وصفاء الناس.
داليا فتحي، طالبة، تؤكد ان والدتها قدوتها في الحياة خاصة أنها مرت بمرحلة صعبة جداً بعد وفاة والدها، مشيرة الى أنها كانت لهم الأم والأب.
ايمان أحمد، طالبة، لا ترى قدوتها في أحد، لذلك فقدوتها كل انسان ناجح سواء على المستوى السياسي أو التطوعي والخدمة العامة، موضحة أنها ترى في هذا الانسان ما تحلم به خاصة في الخدمة العامة.
مشعل الفرج، طالب، يؤكد عأن قدوته الداعية الاسلامي عمرو خالد الذي استطاع ان يجمع الشباب حوله.
كامل عماد، طالب، يقول إن قدوته في الأسرة خاصة والده الذي كافح من أجلهم، مشيراً الى أنه رغم مسؤولياته المتعددة في الأسرة إلا أنه لم يعرف اليأس وواصل تحصيله للعلم، ثم سافر الى اوروبا وحصل على الدكتوراه في الجراحة العامة.
ويقول حامد ابراهيم الفارس إن قدوته والدته التي تعمل في مجال الصحافة، وأنه تأثر بها كثيراً ويعدها من أهم المراجع في حياته.
سعيد السويدي يقول: إن قدوته الاعلامي الكويتي د. محمد العوض الذي استطاع ان يعبر عن جيله من خلال برامجه التلفزيونية التي اتسمت بالصدق والصراحة وطرح القضايا الجريئة.
محمد عمران العلي، طالب، يشير الى ان قدوته في والده الذي حرم نفسه من اشياء عدة بهدف توفير بيئة تساعده على النجاح، موضحاً انه تعلم منه ايثار الآخرين على نفسه.
عبدالمجيد صالح أبو كريك، طالب، يشير الى ان البيئة التي نشأ فيها هي قدوته بالأساس، لكنه حتى اليوم لا يجدها في الواقع المعاش مشيراً الى ان حلمه في قدوته بروز زعيم قادر على توحيد العالم العربي كما فعل عبدالناصر.
دور أقوى
وتعلق د. آمنة خليفة أستاذ اصول التربية ومدير عام مؤسسة حميد بن راشد النعيمي للتطوير والتنمية البشرية على الآراء السابقة مؤكدة وجود القدوة، إلا ان الخيارات أمام الشباب اصبحت واسعة، مشيرة الى ان تلك الخيارات الموجودة ترجع الى تأثير القدوة فيهم، وهي غالباً ما تكون محصورة في اشياء ربما لا تكون نافعة في شيء، فهناك من يختار فناناً أو فنانة، ومن يأخذ رياضياً قدوة له، وهكذا.
وأوضحت أن نموذج القدوة الآن لدى الشباب أصبح محصوراً في أشياء لا تقدم ولا تؤخر، بجانب قيامهم بتعريف ذواتهم وتقديم أنفسهم بطريقة تؤثر فيهم بشكل كبير، وتركوا القدوة الحقيقية التي تحمل قيماً مجتمعية لنماذج هائلة، لافتة الى أن السبب الرئيسي في ذلك يرجع الى التأثير الاعلامي الكبير.
وطالبت بضرورة أن يكون دور الأب والأم والمعلم أقوى ليتحول كل منهم الى النموذج الذي يجب أن يحتذي به الشباب.
ويشير د. محمد رمضان أستاذ علم النفس بأكاديمية شرطة دبي الى أن عدم وجود القدوة يرجع بالأساس الى ان من يمكن اعتبارهم القدوة فقدوا قدرتهم على أن يكونوا قدوة، بسبب تغليب الطبع على الشرع، وبالتالي افتقد الشباب القدوة، موضحاً ان أي خلل في شخصية الانسان المعاصر يرجع الى خلل في تطبيق القيم والمعايير الانسانية.
وارجع د. محمد حسين علي استشاري الطب والعلاج النفسي والأسري بمركز الورود الطبي بأبوظبي افتقاد الشباب للقدوة، مشيراً الى ان صناعة السينما استطاعت بجدارة تحويل اتجاهات الشباب بعد تركيزها على الصورة التي يتلقونها بشتى ألوانها، ويظل شكلها يطاردهم بجانب وجود العديد من وكالات الاعلام التي ركزت فقط على الصورة التي غالباً ما تجدها من دون تعليق، مما جعل القدوة تتعدد وتحدث تشتيتاً في كل شيء.
وأضاف: أنه على الرغم من كل ذلك إلا أن المجال لا يزال مفتوحاً لبروز المتميز من بين هؤلاء الشباب، لافتاً الى أن شباب اليوم عندما تفتح معهم حواراً متعمداً عن القدورة تجدهم يذكرون لاعبي كرة القدم، ونسبة منهم تصل الى 70% يرون قدوتهم في اللاعبين، ونجدهم يضفون على من يحبونهم من النجوم صفات مثالية مثل التواضع، وقليلاً ما يوجد شباب اقل من 22 سنة قدوتهم في مجالات أخرى مثل الأديب العالمي نجيب محفوظ.
ويؤكد د. محمد الأمين أستاذ الاعلام بجامعة الشارقة أن الاعلام اسهم بشكل كبير في تحويل الشباب عن الاقتداء بالقدوة الصحيحة، مشيراً الى أن ذلك يعد هدفاً من اهداف الاعلام الجديد الذي لا ندري حقيقة من يقف خلفه. واشار الى أن القدوة شخصية نموذجية لا خلاف حول انجازاتها واخلاقيتها، وتتحمل مواجهة الواقع بقوة، لم تعد موجودة في واقعنا اليوم. مشيراً الى أن فقد الشباب للقدوة الحقيقية ليس لهم خيار فيه، لأنه اذا سئل في ذلك سيؤكد أنه لا يجد القدوة الحقيقية من الأساس، مما يؤكد ضرورة عدم لومهم على عدم معرفة القدوة، لاختلاف الظرف المكاني والزماني.
وأوضح د. الأمين ان الشباب يقتدون بما يعرفونه ويشاهدونه فقط، وهو المتوافر بكثرة سواء في السينما أو التلفزيون وما يتلقونه في الجرائد والمجلات، مشيراً الى ان هؤلاء الشباب سرعان ما يجدون القدوة، ويفقدونها خاصة في حالات الخطأ التي يرتكبها صاحب القدوة.واشار د. الأمين الى أن تفعيل القدوة يكون عن طريق الوالد والأخ الأكبر والمدرس.
وترى د. حصة لوتاه عميد كلية الاتصال الجماهيري بجامعة الامارات أننا نعيش فترة ارتباك على مستوى المجتمع، ساهمت بشكل كبير في قيام الاعلام بتقديم نماذج ذات نوعية خاصة جذبت الشباب اليها وابعدتهم عن القدوة الحقيقية، وخلقت لهم قدوة جديدة من نوع آخر مثل نانسي عجرم وهيفاء وهبي واليسا ونجوم كرة القدم، لافتة الى أن تلك القدوة غير مستحبة لأنها لا تحمل قيماً اجتماعية هادفة. واشارت د. لوتاه الى أنه لا يمكن لأحد ان يلغي دور الاعلام في تلك الناحية، ومهما كانت درجات انحطاطه، مشيرة الى أن بعض الشركات الاعلامية استغنت تماماً عن القدوة الحقيقية، وركزت دورها على مسائل أخرى جعلتها نموذجاً يحتذى به.
5 أسباب لغياب القدوة
د. جورج ونيس أخصائي الطب النفسي يرجع افتقاد القدوة عن الشباب الى خمسة عوامل رئيسية، منها الأسرة التي فقدت دورها في اعطاء القدوة للأبناء لانشغال الوالدين بالأمور الحياتية بهدف توفير مستوى معيشي أفضل. والمجتمع الذي فقد القدوة لغياب من يستطيع ان يصبح قدوة في أي مجال من المجالات، وايضاً عامل الأفكار التي يؤمن بها الشباب، لافتاً الى ان تلك الأفكار لها الشكل العلمي، لكنها كاذبة مثل ادعاء الاستقلالية والحرية، والحب.
وقال د. ونيس إن العامل الرابع من العوامل التي أدت لافتقاد الشباب للقدوة هو وجود فجوة شديدة بين الأجيال، فالجيل الجديد ينظر للجيل القديم على أنه متخلف، ولا يعتبره قدوة، لافتاً الى أن العامل الأخير يرجع للثقة المفرطة في الذات لدى الشباب لأنه يرى نفسه على درجة عالية من الفهم والذكاء بحيث ان أي قدوة يرى نفسه أفضل من صاحبها.