لو تأملنا القرآن الكريم لوجدنا أن كل لفظ لا يصلح إلا في مكانه .

تأمل معي . . الحق سبحانه وتعالى يعرض قضية عند الجاهلية، وهي: أنهم كانوا يقتلون أولادهم خوف الفقر، فيقول في سورة (الأنعام): ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم .

وفي آية أخرى في سورة (الإسراء) يقول: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم .

ففي الآية الأولى قدم رزق المخاطبين وهم الآباء على رزق أولادهم، لأن الفقر موجود بالفعل، وهو السبب المباشر لقتل الأولاد، وما دام الفقر موجوداً بالفعل، فالإنسان يكون مشغولاً برزق نفسه قبل أن يشغل برزق ولده، وهنا يطمئن الله على رزقه فيقول: نحن نرزقكم يا أصحاب الإملاق وإياهم، فنأتي برزقهم أيضاً .

أما في الآية الثانية فالفقر غير موجود بالفعل، وإنما هو متوقع، فهم يخافون إن جاء لهم أولاد أن يأتي الفقر معهم، فيقول تعالى: نحن نرزقهم - أحضرهم وأحضر رزقهم معهم - ونرزقكم أنتم أيضاً .

فالمخاطب مرة يكون فقيراً بالفعل، ويكون في هذه الحالة مشغولاً برزقه قبل أن يشغل برزق ولده، فتكون الآية: نحن نرزقكم وإياهم، ومرة يكون غنياً، ولكنه يخاف الفقر مع الأولاد، ويكون شغله الشاغل رزق الولد، فتكون الآية: نحن نرزقهم وإياكم .

وإذا نظرت إلى عجز كل آية مع صدرها وجدت أن ذلك العجز مطلب لذلك الصدر، ولا يمكن أن يستقيم المعنى بتلك الدقة المتناهية إلا باللفظين اللذين ذكرا في الآيتين .

فأشارت كل آية إلى ما يناسب ما يدور في ذهن المخاطب .

وهكذا تتجلى دقة العبارة وروعة الأسلوب في القرآن الكريم .