فتح الله سبحانه وتعالى باب الرحمة لكل عباده المذنبين والمخطئين والآثمين والعصاة ونهاهم في العديد من الآيات القرآنية عن اليأس من مغفرته، وأمرهم أن يتوبوا توبة صادقة نصوحا قبل أن يفاجئهم الموت والحساب .
من بين الآيات القرآنية التي فتحت باب الأمل أمام كل المسلمين العاصين لخالقهم المخالفين لمنهجه في الحياة الذين أغوتهم شياطين الجن والإنس قوله سبحانه وتعالى في سورة الزمر: قُلْ يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رحْمَةِ اللهِ إِن اللهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعاً . وَأَنِيبُوا إِلَى رَبكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُم لَا تُنصَرُونَ .
الإسراف: هو تجاوز الحد في كل شيء، وأشهر ما يكون استعمالا في الإنفاق كما في قوله سبحانه وتعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُل مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ .
المراد بالإسراف هنا: الإسراف في اقتراف المعاصي والسيئات، والخطاب هنا للمؤمنين المذنبين .
والقنوط: اليأس . . يقال: فلان قانط من الحصول على هذا الشيء، أي يائس من ذلك ولا أمل له في تحقيق ما يريده .
والمعنى: قل أيها الرسول الكريم لعبادي المؤمنين الذين جنوا على أنفسهم بارتكابهم للمعاصي، قل لهم: لا تيأسوا من رحمة الله تعالى ومن مغفرته لكم .
وقوله سبحانه: إِن اللهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعاً جملة تعليلية، أي: لا تيأسوا من رحمة الله تعالى لأنه هو الذي تفضل بمحو الذنوب جميعها لمن يشاء من عباده المؤمنين العصاة: إِن اللهَ يَغْفِرُ الذنُوبَ جَمِيعاً أي: هو الواسع المغفرة والرحمة لمن يشاء من عباده المؤمنين، فهم إن تابوا من ذنوبهم قبل سبحانه وتعالى توبتهم كما وعد تفضلا منه وكرما، وإن ماتوا من دون أن يتوبوا فهم تحت رحمته ومشيئته إن شاء غفر لهم وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة بفضله وكرمه .
أما غير المؤمنين، فإنهم إن تابوا من كفرهم ودخلوا في الإسلام غفر سبحانه وتعالى ما كان منهم قبل الإسلام لأن الإسلام يجب ما قبله، وإن ماتوا على كفرهم فلن يغفر الله تعالى لهم لقوله تعالى: إِن اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ .
بشارة للمؤمنين
قال الإمام الشوكاني: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله لاشتمالها على أعظم بشارة، فالله أضاف العباد إلى نفسه بقصد تشريفهم ومزيد تبشيرهم، ثم وصفهم بالإسراف في المعاصي، ثم عقب على ذلك بالنهي عن القنوط من الرحمة، ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يخالج القلب عند سماعه ظن، فقال إن الله يغفر الذنوب جميعا، ثم لم يكتف بما أخبر به عباده من مغفرة كل ذنب، بل أكد ذلك بقوله (جميعا) فيالها من بشارة ترتاح لها النفوس، وما أحسن تعليل هذا الكلام بقوله: (إنه هو الغفور الرحيم)، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وغيره: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالي .
وبعد أن فتح الله عز وجل لعباده باب رحمته فتحا واسعا اتبع ذلك بحضهم على التوبة والإنابة إليه حتى يزيدهم من فضله وإحسانه فقال سبحانه: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُم لَا تُنصَرُونَ .
أي: قل لهم أيها الرسول الكريم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا وارجعوا إليه بالتوبة والإنابة وأخلصوا له العبادة، من قبل أن ينزل بكم العذاب الذي لا تستطيعون دفعه ثم لا تجدون من ينجيكم منه .
قيمة الأمل
وهكذا نرى أن الآية الأولى بعد أن فتحت للعصاة باب رحمة الله على مصراعيه، جاءت الآية الثانية لتحثهم على التوبة الصادقة النصوح حتى تكون رحمة الله بهم أكمل وأتم وأوسع، فإن التوبة النصوح سبب في تحويل السيئات إلى حسنات كما قال تعالى: إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدلُ اللهُ سَيئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُوراً رحِيماً .
أمل . . ورجاء
هاتان الآيتان يبثان في نفوس كل المؤمنين قيمة عظيمة نحن في أمس الحاجة إليها الآن وهي قيمة الأمل خاصة بعد أن انتشر دعاة التحريم والتعسير والتنفير في كل أرجاء عالمنا الإسلامي ونشروا اليأس والإحباط والقنوط في نفوس كثير من المسلمين استنادا لأخطاء وتجاوزات سلوكية معتادة وتحتاج إلى الحكمة والموعظة الحسنة والقدوة الطيبة في مواجهتها بدلا من فتاوى التكفير والتأثيم التي يطاردون بها كل خلق الله .
ويؤكد الدكتور مبروك عطية الأستاذ في جامعة الأزهر والداعية الشهير أن دعاة التعسير وفقهاء التحريم والتكفير أغلقوا كل أبواب الرحمة والمغفرة في وجوه العصاة والمذنبين، ونسي هؤلاء أن الذي فتح أبواب التوبة هو الله عز وجل وأن القرآن الكريم بث روح الأمل والتفاؤل في الفوز بعفو الله ورحمته وأكد القرآن الكريم أن المؤمن الحق متفائل دائما لا يعرف اليأس: إِنهُ لاَ يَيْأَسُ مِن روْحِ اللّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ .
خير الخطائين التوابون
ويوضح الدكتور عطية أن دعاة اليأس والإحباط مخالفون لتعاليم القرآن الكريم وخارجون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دفع المسلم دفعا إلى التوبة وتصحيح مسيرته السلوكية والإيمانية بالتخلص من كل ما يغضب الله عز وجل، وقد علمنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه أنه ليس عيبا أن يخطئ الإنسان، فالخطأ في حد ذاته ليس عيبا، ولكن الإصرار على الخطأ هو الذي يبعد الإنسان عن خالقه فقال: كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون . ومن هنا فليس جريمة أن يرتكب الإنسان مخالفة شرعية أو يقترف إثما أو يقع في معصية فشياطين الجن والإنس تحيط بنا من كل جانب وتغوينا وتقودنا إلى كل ما يغضب الله سبحانه وتعالى وتزين لنا الحرام بكل أشكاله وصوره، لكن الخطأ كل الخطأ أن يصر الإنسان على معاصيه وأن يتمادى في ارتكاب المحرمات ولا يبادر بالتوبة الصادقة بحيث يعاهد الله سبحانه وتعالى على عدم العودة إلى الذنوب مرة أخرى . ويختتم الدكتور مبروك عطية حديثه عن هدايات هاتين الآيتين الكريمتين وأثرهما الممتد في حياة المسلمين ويقول: علينا أن نبادر جميعا بالتوبة وأن نطارد دعاة التعسير وفقهاء التحريم الذين أغلقوا أبواب الرحمة في وجوه كل خلق الله .