ألفا يورو تقريباً، هو السعر الرسمي الذي يمكن للرجل أن يدفعه في قرية لينجشويش الصينية ليشتري له زوجة أو (امرأة)، ففي بلد مثل الصين يفرّغ من بناته بسبب سياسة الولد الوحيد، أصبحت تجارة بيع النساء في بعض المناطق رائجة وشيئاً مبتذلاً إلى درجة أن المشترين أصبحوا يتكاثرون في أماكن هذه التجارة الشنيعة.
ويقول كي جوانج بن (40 سنة) وهو أحد الفلاحين الفقراء في القرية عاد جارناكسي داجون الذي يعمل في مقاطعة يانان يوماً، وهو بصحبة امرأة ولذا كنا نحن العازبين فرحين لتمكنه من الزواج، لكنه بين لنا أنه بإمكاننا ايجاد امرأة في هذه المقاطعة بكل سهولة وأن نساءها بانتظار من يشتريهن.
من المعروف أن عادة بيع النساء أو شرائهن في قرية لينجشويش الواقعة في جبال شانسكي في وسط الصين أمر منتشر ومباح فيها، بل إنه ساهم في تزويج جزء من سكانها الذين يصل عددهم إلى 150 نسمة ويعتبرون في غالبيتهم من الرجال.
والسبب في هذه المسألة يعود إلى فراغ القرية من النساء تقريباً، إذ ذهبت النسوة إلى مدن أخرى للبحث عن الحظ والفرصة نظراً لأن القرية تحتاج إلى كل أسباب المعيشة المتواضعة فالوصول إليها يحتاج إلى ساعتين من المشي المتواصل سيراً على الأقدام من أول طريق معبدة تتجه نحوها.
وتعتبر مسألة عزوبة الرجال من القضايا التي تضعف بلداً مثل الصين على الصعيد الأخلاقي لا سيما في القرى النائية، إذ أدت سياسة الطفل الوحيد التي شرعت منذ نهاية السبعينات، والانخفاض الطبيعي للخصوبة، وتطور تقنيات التصوير بالموجات الصوتية إلى تزايد معدلات الاجهاض الانتقائي وقتل الأطفال وعدم الاعتناء بالبنات. واليوم انخفض عدد النساء في الصين بحوالي 40 مليون امرأة جراء تفضيل الذكور.
ولكن لماذا هذا الوضع وما السبب في تفضيل الذكور؟
في هذا الصدد يقول مثل صيني من الأفضل أن يكون لديك طفل عاجز على أن يكون لديك ثماني بنات صالحات. ولذا فالذكور هناك لديهم ميزة إدامة النسل والعناية بالوالدين عند كبرهما. ويبدو أن هذا المثل لم يزل سائداً في الصين لأن ظاهرة تفضيل الذكور على الأنثى تتضاعف كما أن الخلل في توازن معدل الذكور والإناث آخذ في التزايد. وتشير الاحصاءات إلى أن عدد المواليد الذكور يصل في المتوسط إلى 120 ذكراً مقابل 100 أنثى بل يكاد يصل في بعض المناطق إلى 130 ذكراً مقابل 100 أنثى علاوة على ذلك فإن أحياء العزاب في القرى آخذة هي الأخرى في التزايد بشكل مثير بالفعل.
واللافت للنظر في قرية لينجشويش أن ثمن المرأة فيها يصل إلى 2000 يورو علماً بأن أجر العامل هناك يصل إلى 60 يورو في السنة ما يعني أن الرجل يحتاج إلى ثروة كبيرة ليحصل على زوجة كما أن العائلة التي تبيع ابنتها تعتبر هذا المبلغ شيئاً لا يضاهى. وكانت محاولة الفلاح كي داجون دافعاً لشبان آخرين يعانون من العزوبية يلجأون إلى عائلاتهم لجمع هذا المبلغ الكبير أو استقراضه من أحد البنوك للذهاب إلى جنة يانان بحثاً عن زوجة أو امرأة لا سيما أن يانان تعتبر واحدة من أفقر المقاطعات الصينية.
ويقول الفلاح كي جوانج بن: حمسني فعل كي داجون وذهبت على الفور إلى يانان وقابلت الوسط الذي عرض علي فتاة في الثلاثين وقال إذا أعجبتك فعليك أن تكمل الصفقة مع أخيها أو زوجة أخيها. وهكذا نجح خمسة عشر رجلاً من قرية لينجشويش من شراء زوجة له وعاد بها إلى قريته لكنه بعد أن وضع على كاهله عناء سداد مبلغ كبير نسبياً للبنك أو لأحد المقرضين. وكان على كل فتاة تقبل عرض أي شاب للزواج منها من قرية لينجشويش أن تقبل بالعيش في مكان ناء بعيد عن الأهل أكثر من ألف كيلومتر وداخل جماعة اثنية مختلفة أيضاً عن التي نشأت فيها.
وتقول ووشاوفون (26 سنة) وهي إحدى الفتيات اللائي وصلن إلى لينجشويش في يونيو/ حزيران 2006: قابلت شخصاً في يانان عرض علي أن أربح كثيراً من المال وقال لي يكفي أن تتظاهري بالزواج لمدة أسبوع فقط حتى تنالي المال وسأعود إليك لأرجعك إلى أهلك لكنه لم يعد أبداً.
وتحاول شاووفون التحدث خفية مستفيدة من غياب زوجها في الحقول الزراعية، لأن النساء مراقبات في يانان، فمنذ أن بيعت 3 نسوة في اكتوبر/ تشرين الأول 2005 ثم هربن معاً، منع على النساء أن يجتمعن سوياً وأن يبقين على مرمى بصر السلطات في المدينة. ولذا وضعت حواجز على النوافذ وأوصدت الأبواب ووضع عليها كلاب للحراسة، بل إن كل الوسائل غدت مباحة لمنع خروج هؤلاء النسوة.
تحولت مسألة تجارة شراء النساء أو بيعهن إلى شيء رائج للغاية، فوفقاً للأرقام الرسمية فإن 20 ألف بنت تختطف لتباع سنوياً إلى درجة أنه منذ عدة سنوات عثر على عشرات النساء المكبلات في كهف في مدينة يانان في انتظار صفقة بيعهن المقيتة، علماً بأن هؤلاء الفتيات كن يعشن مع عوائلهن حياة بلا منغصات غالبية الوقت، إلا أن حياتهن انقلبت رأساً على عقب خلال نصف ساعة عن طريق وسيط لا تعرف الرحمة طريقاً إلى قلبه، بل كل ما يهمه هو كسب المال واتمام صفقته المهنية للإنسان وكرامته.
والرجال الذين هربت نساؤهم لم يكن لديهم حل إلا أن يشتكوا إلى قسم شرطة لينجشويش من دون أن تبدو عليهم علامات الاستياء أو المفاجأة.
وتقول شاوفون التي باعت نفسها مقابل مبلغ من المال: اشتقت لأهلي كثيراً وكم أتمنى أن يعلموا أني على قيد الحياة، فعلت ذلك من أجل أن أفاجئهم يوماً بمبلغ جيد من المال فهم بحاجة إليه.
وحتى الآن لم تزل المرأة في الريف الصيني تخضع لزوجها وفق العادات والتقاليد، أما الرجل فيفضل أن يتزوج بامرأة أقل تعلماً منه ليحافظ على هيمنته عليها.
وفي المدن حيث بنات العائلات الميسورة والمتعلمة نجد أن الرجل يتجنب الارتباط بهن ولذا لوحظ أن هؤلاء الفتيات يكثرن من عرض أنفسهن للزواج على مواقع الانترنت.
وإذا كان الرجل في القرية يبحث عن زوجة له ولا يجد إلا أن يشتري واحدة، فليس لأنه يريد أن يتسلى معها، بل لتأسيس عائلة فعلية ولتكون عوناً له في الحقول الزراعية، إضافة إلى حفظ شرفه وكرامته حسب العادات والتقاليد. ومن هنا تبدو مسألة شراء امرأة ما أمراً طبيعياً، لأن الزواج المرتب حسب الأصول باهظ التكاليف ولا يمكن للفلاح الإقدام عليه.
زيادة الطلب
يشير اخصائيو علم احصاء السكان في الصين إلى أن عدد الفلاحين الذين يعيشون بمفردهم سيصل في 2020 إلى 30 مليون نسمة لعدم وجود نساء. أما الصينيات فسيزداد الطلب على الارتباط بهن عن طريق البيع والشراء، ولذا تحاول عدة مؤسسات اجتماعية دولية مساعدة هؤلاء النسوة لا سيما في المناطق الفقيرة بالتركيز على التعليم وتعريفهن بالقوانين وبحقوقهن المادية والإنسانية. من جهتها وضعت الحكومة خطة خمسية لمكافحة الاتجار بالنساء والأطفال واتخذت من أجل ذلك تدابير وإجراءات صارمة، لكن لا يبدو أن الحكومة ستتراجع عن سياسة الطفل الذكر الوحيد لحل هذه المشكلة الإنسانية الخطيرة.
زوج ميت
من العادات الغريبة بالفعل المنتشرة في هذه القرى أن بعض العائلات المحافظة جداً لا تتردد بشراء طفلة صغيرة على أن تكون زوجة لولدها الوحيد عندما يبلغا سوياً سن الخامسة عشرة. وتلجأ عائلات أخرى فقدت ولدها الذكر في سن مبكرة أو لم يتزوج، إلى شراء جثة امرأة في عمره لتصبح له زوجة في العالم الآخر.
ويمكن لبعض الأهالي في مقاطعة فقيرة مثل هيبي أو هنان الواقعة في وسط الصين، أن ينفقوا رغم فقرهم حوالي 400 يورو ليزوجوا ولدهم الميت وليؤمنوا له حياة سعيدة في آخرته.