عادت قبل أكثر من عام إلى العراق الأميرة نسرين الهاشمي، حفيدة الملك فيصل الأول الذي أسهم بتأسيس الدولة العراقية الحديثة في عام 1921 . وعلى عكس توقعات الكثيرين، رفضت هذه الأميرة الدخول في دهاليز السياسة العراقية، لأنها وجدت أن أغلب السياسيين في العراق مالوا إلى انتماءاتهم الفرعية على حساب الوطن .

اهتمت الأميرة نسرين الهاشمي، وهي المتخصصة بأمراض الدم السرطانية، بالأطفال العراقيين المصابين بهذا المرض واستطاعت خلال مدة وجيزة إعادة الأمل لهم بالحياة .

التقيناها في بغداد في الحوار الآتي:

أنتِ حفيدة أول ملك يتولى عرش العراق في العصر الحديث، لكن تعيشين من دون قصر ولا ملابس ملكية ولا حاشية .

أنا مؤمنة بأن الناس محاضر وليس مظاهر، فإذا قصدت الملبس فهذا يأتي عبر الأناقة والترتيب . هناك أناس كثر يلبسون من أرقى الماركات العالمية ولكنهم مجرد مظهر من دون أي جوهر . أما بالنسبة للقصور الفارهة، فليست من مفردات حياتنا، فجدي الملك فيصل الأول عندما أتى إلى العراق بطلب من أهلها استأجر بيتا عاديا وسكن فيه، ولكونه ملكا سمي هذا البيت بقصر الملك . أما الحاشية فهي لأناس يريدون أن يقولوا للآخرين أنا فلان، فهي إذن لناس تخاف من الناس وهؤلاء لا يمتلكون أي فكر أو علم . وبعد كل هذا أعيش الآن بين أهلي العراقيين الذين وجدت منهم كل الحب والتقدير .

لكن في وضع امني غير مستقر كلياً ويمكن أن يشكل حضورك من دون حماية خطرا عليك، فهل هناك خوف أم تحدٍ؟

الوضع الأمني في البلد لم يصل لغاية الآن للاستقرار التام، لكن بما أني مؤمنة بالله وبإرادته وكذلك مؤمنة بأنني واحدة من أبناء الشعب العراقي فلن أخاف من أحد غير الله ولن أتحدى أحداً، كوني باحثة علم وأهدف إلى خدمة الإنسانية بالقدر الذي أستطيعه .

أنت تحملين عدة ألقاب منها الأميرة والعلّوية والدكتورة فما الأقرب إلى نفسك؟

الألقاب تكليف وليست تشريفاً، وأهمها عندي الدكتورة، فهذا صنعته بنفسي ولنفسي ولم أرثه، بل تعبت وعملت بجهد وأثبتت جدارتي .

هل تعرضت إلى مقايضات وأنت تعودين إلى العراق؟

من ناحية المقايضة فمن الذي يقايضني؟ وعلى ماذا؟ سأبقى عراقية .

ما أهم موقف تفتخرين به في مسيرتك؟

هناك العديد من المواقف ولكني دائما أفخر بكوني عراقية وكذلك بوطني وهنالك حادثة دائما أتذكرها، ففي عام 2004 عندما طورت علاجاً لثلاثة أنواع من الأورام السرطانية وفي محاضرة علمية بالولايات المتحدة الأمريكية قام أحد المسؤولين وقال: بحث أمريكي رائع، وإذا بي أحس كأنما أحدهم طعنني بسكين فقمت وقلت للجميع إنه بحث عراقي أنجزته في أمريكا وبكل فخر، وإذ بالجميع من أمريكيين وأجانب يقفون ويصفقون بشكل حار .

متى رجعت للعراق؟

هذا اليوم لا يمكن أن أنساه ما حييت وهو يوم 28 اكتوبر/ تشرين الأول 2008 عندما فتحت باب الطائرة واستنشقت هواء العراق .

ما أول مكان زرته في العراق؟

أيقنت بأنني في العراق لما وقفت في حضرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وبكيت كثيرا على أحوال الناس والأمة .

عودتك إلى العراق في هذا الوقت هل هي للبحث عن عرش ضائع؟

عرشنا لم يضع فالأمير والدي محمد بن الملك فيصل الأول يقول (قدر الله وما شاء فعل هذا قضاء الله وقدره ما حدث في الرابع عشر من يوليو/ تموز 1958 اللهم لا اعتراض على حكمك) حتى بعد هذا اليوم، لم يضع عرشنا لأنه متربع في عقول العراقيين وقلوبهم، فإن سألت أي عراقي عن الأسرة المالكة لوجدت أنهم يذكرونها بخير . لا ابحث عن عرش، فأنا متربعة على عرش العلم، العرش لا يهمني أبداً، فلم نطلب سلطة الناس، هم طلبوا من جدي حكم العراق وأتوا به . ثم كيف اعمل في العملية السياسية مع من يقول سني وشيعي وكردي وتركماني ومسيحي والخ من مسميات؟ التعيينات لها طائفة، والقبول في الجامعات لطائفة، مع من تريدني أن اعمل وكل واحد فيهم أخذ لمصلحته ونسي العراق؟

هنالك مسلسلات عراقية تناولت المرحلة الملكية ومنها مسلسل (الباشا) فكيف رأيتها؟

كنت أتمنى أن لا يعرض هذا المسلسل، فهو من ناحية الإخراج لم يكن على مستوى مرموق وفيه أخطاء تاريخية كثيرة والأداء لم يكن بمستوى عالٍ، وما أضحكني كثيرا أن الملك فيصل الأول كانت لهجته حجازية، لكن في المسلسل أتوا بشخص أظهره للمتلقين وكأنه إنسان همجي، في حين أنه إنسان عنده من العلم والفكر الكثير . وكانت شخصية نوري السعيد أكبر مما عرضه المسلسل، لذلك أقول إنه عمل لا يليق بتأريخ العراق أو شخصياته . وأرى أن على من يكتب عن تلك الحقبة وحتى الحقب التي سبقتها أو تلتها أن يكون على قدر من العلم والفكر والثقافة والأمانة والمصداقية .

كيف وجدتِ صورة العائلة الملكية في عيون العراقيين؟ وماذا نقلتِ للعائلة في أمريكا من انطباعات حول هذا الأمر، خصوصا أن السواد الأكبر من العراقيين لم يعش تلك الحقبة؟

كل ما قاله لي والدي عن العراق وأهله رأيته وبزيادة عن الوصف شاهدت محبة الناس من القلب، وعندما تجولت في العراق أرسلت الصور إلى عائلتي فقالوا لي إن الوالد الأمير محمد بكى وهذه أول مرة يرون فيها دموعه لأنه كان يقول لي دائما سلمي لي على العراق، وعلى أهل العراق وإن شاء الله ربي يمد في عمري وأرى العراق وأزور أئمة أهل البيت كما أن والدي يتمنى أن يدفن في العراق .

مسيرة علمية

نسرين الهاشمي مارست البحث العلمي لنيل الدكتوراه في علوم الوراثة البشرية والأجنة .

وهي أول طبيبة وباحثة عربية مسلمة تختص في سبل الوقاية من الأمراض الوراثية حيث طورت أساليب تشخيص الأمراض الوراثية في الخلية الواحدة ولها أبحاث علمية في مجال السرطان الموروث وطورت علاجاً جديداً لنوعين من الأورام السرطانية التي تظهر في النساء فقط أو تكون أشد خطورة في النساء وهذان العلاجان الآن في طور الاستخدام على المرضى في الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا واستراليا .

من المناصب التي تقلدتها: طبيبة وباحثة وعضو هيئة تدريس في كلية الطب جامعة هارفارد، والمدير التنفيذي للأكاديمية الملكية الدولية للعلوم، والرئيسة المؤسسة للاتحاد الدولي للمرأة في العلوم، ومسؤولة عن برامج تشخيص اطفال الأنابيب من الأمراض الوراثية ذات الخلل الجيني الواحد في مستشفى حمرسميث، لندن المملكة المتحدة . وكانت استاذاً محاضراً في الوراثة البشرية في جامعة لندن منذ 1996 وحتى 1997 .

لها أبحاث ومقالات نشرت في الدوريات العلمية الرائدة وتعد هذه الأبحاث مراجع في أبحاث علوم الوراثة والسرطان وقد ترجمت هذه الأبحاث لعدة لغات منها الصينية والألمانية والروسية والاسبانية والايطالية .

أصدرت عدة كتب .

كُرمت في عدد المحافل العربية والعالمية ونالت لأبحاثها العلمية الميداليات والدروع التقديرية .