نصب البحرية.. درة المنشية

00:42 صباحا
قراءة 3 دقائق
القاهرة: «الخليج»

يطل قبر الجندي المجهول على ساحل البحر في حي المنشية بالإسكندرية، ليروي للعابرين، حكايات لا تنسى عن شهداء مجهولين سقطوا في ساحات الوغى، وعطرت دماؤهم الطاهرة تراب مدينة الثغر برائحة المسك والزعفران.
ويعد النصب التذكاري لقبر الجندي المجهول، أحد أبرز المزارات التي تطالعها عين الزائر لمدينة الثغر المصرية، بقاعدته الرخامية وتصميمه الذي يقترب إلى حد كبير من التصميمات الرومانية القديمة، وهو يسجل على جدرانه جانباً من بطولات القوات البحرية المصرية، عبر التاريخ.
ويرجع إنشاء النصب إلى عصر الخديو إسماعيل، وقامت على إنشائه الجالية الإيطالية في الإسكندرية، على سبيل التكريم للخديو الذي ظل تمثاله يتصدر النصب لفترة طويلة ، قبل أن يأمر الزعيم الراحل جمال عبد الناصر في 1964، بتحويله إلى نصب تذكاري للجندي البحري المجهول، وتسليمه إلى قيادة القوات البحرية، بعد نقل تمثال الخديو إسماعيل إلى متحف الفنون الجميلة .
ويعد إنشاء النصب التذكاري للجنود المجهولين، تقليداً غربياً خالصاً، اتبعته بعض الدول الأوروبية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، التي يقدر عدد ضحاياها بنحو ثمانية ملايين ونصف المليون قتيل، إلى جانب ما يقرب من سبعة ملايين ما بين مفقود وجريح، وكانت حكومات بلجيكا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية، قررت عقب انتهاء الحرب تكريم ذكرى عدد كبير من الجنود الذين فقدوا أو ماتوا، ولم يستدل على جثامينهم، عن طريق إنشاء نصب تذكاري يتضمن قبراً، يوضع فيه رفات أحد هؤلاء الجنود، ليدفن في العاصمة القومية لكل بلد، على غرار ضريح «جندي المشاة» في فريدريكا الدنماركية، الذي يعد أول ضريح ينشأ للجندي المجهول، بعد حرب «سكيلسفيغ» الأولى، ومن بعده النصب التذكاري الذي وضع في الولايات المتحدة الأمريكية في 1866 لتكريم ضحايا الحرب الأهلية.
يروي النصب التذكاري للجندي المجهول في الإسكندرية جانباً مهماً من تاريخ المدينة، فضلا عن تاريخ أحد أشهر ميادينها، وهو ميدان المنشية الذي شهد على مدار أكثر من قرن العديد من الأحداث الكبرى، حيث يرجع تاريخ إنشاء الميدان إلى عصر محمد علي، وتحديدا في عام 1812، وهو العام الذي شهد ظهور الميدان إلى الحياة، وقد أطلق عليه في بادئ الأمر ميدان محمد علي، وكان يضم على جنباته مساكن لكبار الأعيان وعدد من أثرياء الجاليات الأجنبية التي سكنت الإسكندرية، ومحالهم التجارية التي بدأت تمارس عملها عقب تطوير ميناء الثغر، الذي كانت ترسو عليه المراكب المحملة بالبضائع المختلفة التي كانت تصل من أوروبا ومختلف دول العالم. وتغير اسم الميدان في عهد الخديو إسماعيل الذي أولى الإسكندرية اهتماماً خاصاً، فأنشأ فيها مجمعاً للمحاكم المختلفة، ومقرات لقناصل الدول الصديقة، حتى أطلق على الميدان اسم «ميدان القناصل»، و ظل تمثال كبير للخديو إسماعيل يتصدر واجهة الميدان منذ عام 1933، حتى تم تغييره إلى ميدان المنشية لاحقا، وقد شهد الميدان الخطاب التاريخي للزعيم الراحل جمال عبد الناصر، الذي أعلن فيه تأميم قناة السويس في العام 1956. وتميز الميدان حتى اليوم بتخطيطه المعماري الدقيق، الذي يغلب عليه الطابع الإيطالي، وربما يرجع ذلك إلى مصممه الأول وهو المعماري الإيطالي فرانشيسكو مانشيني، ويقول بعض المؤرخين إن اسم المنشية مشتق من اسم المعماري الإيطالي الذي وضع اللبنات الأولى في تصميم هذا الميدان.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"