تظل الطباعة والكتاب أحد أهم منجزات الحضارة الإنسانية، وبقدر ما كانت البشرية تقطع خطوات واسعة في سبيل التمدن والتحضر، كانت تخلق معها شروطاً لكبح جماح هذا التقدم، وكانت المصادرة أحد هذه الشروط، بل تعدى الأمر إلى مصادرة حياة المؤلف نفسه . ومنذ أن دخل العرب عصر التدوين كانت السلطة تمتلك طريقة ما، للتعبير عن رفضها العلني لأفكار معينة، بإحراق الكتب وإتلافها بالدفن أو إغراقها بالماء، ويذكر ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ أنه في سنة 555 هجرية قبض على القاضي ابن المرخم، وكان بئس الحاكم وأخذ منه مال كثير وأخذت كتبه، فأحرق منها في الرحبة ما كان من علوم الفلاسفة، ومنها كتاب الشفاء لابن سينا وكتاب إخوان الصفا، وما يشاكلهما .

لم تتوقف سبل المصادرة طوال العصور، إلى أن دخلنا رحاب القرن العشرين، وخضعت الدول العربية في نصفه الأول إلى حكم الاستعمار، وفي نصفه الثاني شهدنا حكم قيادات ثورات التحرر الوطني، وفي هذا التقط الشاعر الراحل حلمي سالم مفارقة تقول: إن حكومات الاستعمار والرأسمالية والإقطاع كانت أرفق بالمفكرين والمبدعين، وأقل تعنتاً إزاء حرية الرأي من حكوماتنا الوطنية التحررية، فالراصد سيجد أن الخمسين عاما الأولى من القرن العشرين لم تسجل سوى ثلاث وقائع تمت فيها مصادرة الرأي والإبداع، واقعة مصادرة كتاب طه حسين في الشعر الجاهلي وواقعة مصادرة كتاب الشيخ علي عبدالرازق الإسلام وأصول الحكم ومصادرة كتاب أنور كامل الكتاب المنبوذ عام 1935 .

وفي مقابل حالات المصادرة تلك حفل النصف الثاني من القرن العشرين بعشرات الحالات، بدءاً من مصادرة أولاد حارتنا لنجيب محفوظ عام ،1959 ومحاكمة كتاب صادق جلال العظم نقد الفكر الديني، ومن هنا نبدأ لخالد محمد خالد، والحسين ثائراً وشهيداً لعبد الرحمن الشرقاوي، والفتوحات الملكية لابن عربي، وفقه اللغة العربية للويس عوض، وآية جيم لحسن طلب، ومحاكمة ليلى العثمان وعالية شعيب وأحمد البغدادي بالكويت، وموسى حوامدة في الأردن، ولم ينته هذا القرن بمصادرة نصر حامد أبو زيد عام ،1993 فقد جرت بعده وقائع عدة لمصادرة ألف ليلة وليلة ورواية حيدر حيدر وليمة لأعشاب البحر، وما عرف بعد ذلك بالروايات الثلاث .

ووصل الأمر إلى مصادرة حياة المؤلف نفسه، بدءاً بالاغتيال المعنوي، كما حدث مع نصر حامد أبو زيد، إذ اضطر إلى مغادرة مصر إلى هولندا، بعد دعوى تفريق بينه وبين زوجته، ومروراً بالاغتيال المادي، حين أطلق مسلحون ينتمون إلى أحد تنظيمات الإسلام السياسي، الرصاص على فرج فودة في شوارع مدينة نصر، كان ذلك عقب مناظرة شهيرة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكان الشيخ محمد الغزالي وفرج فودة أحد طرفيها .

ولا يفوتنا أن نشير إلى محاولة اغتيال نجيب محفوظ في العام ،1994 على يدي شابين لم يقرآ له حرفاً واحداً، رغم أنهما في حيثيات الشروع في قتله اتهماه في دينه بسبب رواية أولاد حارتنا .

الملاحظ أن الشيخ محمد الغزالي - الموصوف بالاعتدال - كان قاسماً مشتركاً في هذه الوقائع، فهو أحد ثلاثة كتبوا تقريراً يوصي بمصادرة أولاد حارتنا عام ،1959 وهو صاحب فتوى اغتيال فرج فودة القائلة إن القتلة ليس عليهم من جرم سوى الافتئات على السلطة المنوطة بتنفيذ الأحكام على المرتدين، وليس الأفراد، كما أنه سجد لله شكراً بعد صدور حكم الردة والتفريق بين نصر حامد أبو زيد وزوجته عام 1995 .

زمرة العلماء

في أجواء مشحونة تمهد لإحياء فكرة الخلافة الإسلامية، لصالح الملك فؤاد، أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه الإسلام وأصول الحكم في عام 1925 تناول فيه مفهوم الخلافة عبر التاريخ الإسلامي، ما جعل الملك فؤاد يدفع بالكتاب لبعض علماء الأزهر، الذين اتهموا الشيخ وجردوه من شهاداته العلمية، وأصدروا قراراً بفصله من وظيفته، وبعد جلسة واحدة أصدرت لجنة مكونة من 24 عالماً أزهرياً الحكم التالي: حكمنا نحن شيخ الجامع الأزهر بإجماع أربعة وعشرين عالماً معنا من هيئة كبار العلماء، بإخراج الشيخ علي عبد الرازق أحمد من علماء الأزهر والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية ومؤلف كتاب الإسلام وأصول الحكم من زمرة العلماء .

ورغم ذلك كان النصف الأول من القرن العشرين هو عصر الأنوار، وقد صنعه كتاب موسوعيون كبار، لا يزالون رصيداً حياً لثقافتنا العربية في المرحلة الراهنة، في ذلك العصر كان إسماعيل أدهم يصدر كتابه لماذا أنا ملحد؟ فيرد عليه آخر لماذا هو ملحد؟ ويكتب غيره لماذا أنا مؤمن؟، لكن الأمور تأخذ منحى آخر حين يصدر طه حسين كتابه في الشعر الجاهلي 1926 .

استهل طه حسين كتابه: أريد ألا نقبل شيئاً مما قاله القدماء في الأدب وتاريخه إلا بعد بحث وتثبت، إن لم ينتهيا إلى اليقين، فقد ينتهيان إلى الرجحان، كان الكتاب يدرس في الجامعة، واستغل خصوم طه حسين ما به من آراء، وطالبوا بمصادرته ومنع مؤلفه من التدريس .

وتخرج المظاهرات، في اتجاه البرلمان ليطل سعد زغلول على المتظاهرين قائلا: هبوا أن رجلاً مجنوناً يهذي في الطريق، فهل يغير العقلاء شيئاً من ذلك؟ إن هذا الدين متين وليس الذي شك فيه زعيماً ولا إماماً، حتى نخشى من شكه على العامة، فليشك ما شاء، ماذا علينا إذا لم يفهم البقر .

ونوقش الكتاب في البرلمان، وقدم طه حسين للتحقيق أمام محمد نور رئيس نيابة مصر، الذي قدم مرافعة بليغة في حق حرية الرأي، وحفظ القضية، لكن هناك من ألب الرأي العام ضد طه حسين، وأوعز إلى شيخ الأزهر بإدانة العميد، وقال إنه لا يصلح لأن يكون مربياً للأجيال فنقل من الجامعة إلى وزارة المعارف، ثم فصل منها بعد ذلك .

قبل هذا صدرت عشرات الكتب للرد على في الشعر الجاهلي، وكان الأشد عنفاً مصطفى صادق الرافعي إذ يقول: إن طه حسين هذا مجموعة أخلاق مضطربة وأفكار متناقضة وطباع زائفة، ويقول أيضاً: الأمر الذي نخشاه من طه أنه أداة أوروبية استعمارية تعمل على إفساد أخلاق الأمة .

وفي كتابه الشهاب الراصد على الشعر الجاهلي كتب محمد لطفي جمعة هذا المؤلف لم يترك فضيلة للعرب في علوم تاريخهم وآرائهم وعقائدهم دون أن يحاول هدمها بشدة وقسوة وتهكم واستهزاء، بل وصل الأمر حد اتهام طه حسين بسرقة الكتاب من المستشرقين .

أبواب الجحيم

بمجرد أن تقدم محمد أحمد خلف الله برسالته العلمية الفن القصصي في القرآن لكلية الآداب، جامعة فؤاد الأول، في العام الدراسي 1947/ ،1948 حتى قامت الدنيا ولم تقعد، وفتحت على الطالب والمشرف على رسالته الشيخ أمين الخولي، أبواب الجحيم، وكان في مقدمة المهاجمين أساتذة جامعة .

كان ذلك على حد تعبير الشيخ أمين الخولي يشكل محنة عقلية وسقطة خلقية وأزمة فكرية، لأن هؤلاء لم يعمدوا إلى النقد العلمي والتفنيد الموضوعي والرد المنطقي، شأن العلماء، وديدن المفكرين وسبيل الأكاديميين الحقيقيين، وما تحتمه تقاليد الجامعات وأعراف الكليات ونظم المعاهد العليا، ولكنهم جنحوا إلى التجريح، وما هو أوعر منه، وعمدوا إلى اللمز، وما هو أقسى منه .

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل خرجت القضية بعيداً عن أسوار الجامعة، حيث الصحف والمجلات، وكتب في الموضوع من لم يقرأ حرفاً من الرسالة، وجرى تحريف النصوص، لاستثارة الجماهير ضد الرسالة وصاحبها .

وفيما يبدو أنه مؤامرة، وافق أحمد أمين على قبول عضوية اللجنة المناقشة للرسالة، لكنه نصح مدير الجامعة بأن يأخذ رأي العلماء قبل المناقشة، وكتب تقريره على أساس سياسي، وكأنه قبل عضوية اللجنة ليؤدي هذه المهمة، بل بادر د . عبد الوهاب عزام عميد كلية الآداب بنشر بيان في الصحف يؤكد فيه أن الرسالة لا تستحق أن يمنح عليها صاحبها درجة علمية جامعية، دون أن يجمع لجنة الفحص لتضع تقريراً عن الرسالة، ولم يعرض المشكلة على مجلس الكلية، ولم يقبل تكوين لجنة جديدة للفحص، وهكذا رفضت الجامعة مناقشة الرسالة، وأثارت حولها ضجة سياسية وقضائية ودينية كبيرة .

وفي مجلة الرسالة يكتب السوري علي طنطاوي عن خلف الله: شاب أراد أن يتعجل الشهرة قبل أوانها، ورأى طريق العلم والتحقيق طويلاً، فسلك طريق جهنم وأراد اجتياز الصراط فسقط، ثم يكيل السباب للخولي وتلميذه، ويتدخل آخرون في النقاش، لتكشف هذه المعركة عن صراع بين طريقتين في التفكير، إلا أن الغلبة تكون للتيارات السائدة في المجتمع، بما يؤثر بالتالي في تطوره، على حد تعبير سمير غريب في كتابه حيوية مصر .

وعندما خلت درجة الأستاذية في قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة، تقدم د . نصر حامد أبو زيد بطلب الترقية، وكان عليه أن يتقدم ببحوث عدة ودراسات تؤهله للحصول عليها، وتقدم بكتابين هما الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية ونقد الخطاب الديني .

وقد أحيل الطلب إلى لجنة علمية مكونة من ثلاثة أساتذة، وكان تقرير اثنين منهما إيجابياً، لكن الثالث وهو د . عبد الصبور شاهين كتب تقريراً مسيئاً وسلبياً، يرى فيه أن أبو زيد يسوي بين الأزهر والتطرف ويصف علماء الدين بالكهنوت، ويعمد إلى تشويه تاريخ القرآن واعتمدت الجامعة التقرير الثالث، ولم تقف القضية عند هذا الحد، بل خرجت من أسوار الجامعة، ووصلت إلى أروقة المحاكم، وحكم فيها بالتفريق بينه وبين زوجته د . ابتهال يونس، لتضعنا في مقارنة بينها وبين قضية محمد أحمد خلف الله، ففي الثانية لم يلاحق صاحب الفن القصصي في القرآن في ساحات المحاكم في حين أن أبو زيد دفع حياته غربة، وضمن المفارقات أيضاً أن عبد الصبور شاهين ذاق من الكأس نفسها، فخرج علينا من يكفره، ويدعو لمصادرة كتابه أبي آدم .