نظمت جمعية الإمارات للفنون التشكيلية على مدى شهر رمضان الماضي الدورة الثلاثين من معرض الخط العربي السنوي الذي درجت على تنظيمه في مثل هذه الفترة من كل عام لمصلحة مجموعة من الخطاطين المنتسبين إليها، وضم المعرض أعمال أربعة من الخطاطين الإماراتيين المحترفين هم: إيمان البستكي، وعلي الحمادي، وفاطمة سعيد البقالي، وهيا عبيد الكتبي، إلى جانب عدد من الخطاطين العرب المقيمين هم أمين السامرائي، وتاج السر حسن، وحاكم غنام، وحسام عبد الوهاب، وخليفة الشيمي، وعبد الرزاق المحمود، وعدي الأعرجي، وعلي ندا الدوري، ومحمد مختار، ومؤمن الشرقاوي، وموفق بصل، وخالد نفيسي .
شارك في هذه الدورة أيضا عشرون خطاطاً وخطاطة من الشباب الهواة من المنطقة الشرقية في الشارقة، وتوزعت المشاركات بين مختلف مدارس وأنواع الخطوط، فهناك لوحات خطية نصية أصيلة ولوحات حروفية ولوحات تمزج الحروفية بالتشكيل، وكان من اللافت في الخطاطين الهواة الحضور الطاغي للفتيات، وتنوع مشاركتهن بين الديواني والفارسي والرقعة والنسخ وغيره، مع تركيز كبير على الزخرفة التي هي فن يناسب المواهب النسوية، وهي تجربة تستحق الوقوف عندها وتشجيعها .
تعود علاقة جمعية الإمارات للفنون التشكيلية بمعارض الخط إلى الدورات الأولى لمعرض الجمعية العام الذي يضم فنون التشكيل جميعها وأدرج فيه الخط منذ البداية، سعياً من الجمعية لدعم الخطاطين وتوفير منبر لهم يتواصلون من خلاله مع الجمهور، وعملاً على ايجاد حركة خطية في الإمارات، كما احتضنت الجمعية على مدى سنوات عمرها الممتدة معارض شخصية كثيرة لخطاطين مواطنين وعرب .
ضم المعرض الأول للجمعية مشاركة لوحات خطية لخطاطين منهم على سبيل المثال الخطاط السوداني محمد مختار جعفر، لكن أرشيف الجمعية لا يحتفظ بالمشاركات إلا ابتداء من معرض العام الثامن في عام 1989الذي شارك فيه الخطاطان تاج السر حسن السودان ونضال كمال طبال العراق، وتدل الوثائق على أن الخطاطين أصبحوا مشاركين دائمين في هذا المعرض مثلهم مثل الرسامين والنحاتين والمصورين الفوتوغرافيين، وفي تلك الدورة شارك تاج السر حسن بلوحة من خط النسخ كتبت فيها سورة الفاتحة بتصميم هندسي بديع، ويلاحظ في لوحته تلك أنه لم يكن بعد قد دخل في مغامرة تلوين اللوحة الخطية التي انخرط فيها فيما بعد مستفيداً من تخصصه في التصميم، كما شارك فيها الخطاط نضال كمال طبال بلوحة من خط الثلث كتب فيها سورة الفاتحة بتركيب بديع يظهر إمكانات هذا الخطاط القدير .
الدورة التاسعة شارك فيها الخطاطان العراقيان د . صلاح شيرزاد وعلي ندا الدوري إلى جانب تاج السر ونضال طبال، وكتب شيرزاد في لوحته التي شارك فيها سورة الإخلاص بخط الثلث وبتركيب متناسق موشى بزخرفة قرآنية بديعة، والدكتور صلاح شيرزاد هو واحد من أهم الخطاطين العرب المعاصرين ولد في كركوك في عام 1947 وأخذ الخط عن زمرة من أعلام الخط المعدودين في العصر الحديث فتتلمذ على شيخ الخطاطين العراقيين (هاشم البغدادي) ودرس الزخرفة على يد أستاذ الزخارف الكبير (محمد حسن الكاظمي البلداوي)، في تركيا أدرك آخر عمالقة فن الخط (حامد الآمدي) وأخذ عنه علومه وفنونه قبل وفاته عام ،1982 كما زامل عددا من الخطاطين الأتراك الكبار كالخطاط (الشيخ حسن لبي)، وأسهم شيرزاد في تأسيس الحركة الخطية الإماراتية بقسط وافر على مدى اثنتين وعشرين سنة قضاها مدرسا ومبدعا لفنون الخط العربي ومشاركا في المعارض والندوات التي تقام في هذا المجال، وتتلمذ على يده أغلب الخطاطين الإماراتيين .
أما علي ندا الدوري فقد شارك في الدورة التاسعة بلوحة من خط الجلي الديواني كتب فيها ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم، والدوري خطاط له تجربة طويلة في مجال الخط، وأسهم بدور بارز في تكوين حركة الخط في الإمارات خصوصا في وضع برامج الخط للمدارس، ويشغل حاليا منصب مدير مركز الشارقة للخط العربي والزخرفة .
الدورة العاشرة كانت علامة فارقة في مسار دعم الجمعية لفن الخط العربي فقد شارك فيها عدد كبير من الخطاطين من بينهم مجموعة من الخطاطين الإماراتيين، على رأسهم الخطاط محمد مندي الذي شارك بلوحة مزج فيه بين الرسم والخط فرسم خنجرا يخترق خاصرة خارطة الكويت وكتب فوقه بخط النسخ الأنيق عبارة الكويت للذكرى في إدانة لاحتلال الكويت، ويعتبر مندي اليوم أحد رواد فن الخط العربي في الإمارات وقد ظل منذ تخرجه من مدرسة تحسين الخطوط العربية في القاهرة عام 1977م منصرفا إلى الخط مثابرا على إنتاج لوحات خطية متميزة، وأقام عدة معارض شخصية كانت مناسبة لتعريف الجمهور الإماراتي إلى فنون الخط العربي وعلى إبداعاته هو في هذا المجال، وشارك في أغلب المعارض التي أقيمت في داخل الدولة كما كانت له مشاركات خارجية في الهند وإيطاليا والأردن والكويت وقطر وعمان، وصمم واجهات الكثير من المباني الرسمية ونقش الآيات القرآنية في المساجد كما صمم العديد من الشعارات الرسمية، وخط المسكوكات الوطنية، وقد عمل على نشر فن الخط فقدم دروساً وورشاً لعدد من طلابه، كما شارك في الدورة نفسها الخطاط الإماراتي محمد عيسى خلفان بلوحة بديعة من خط الثلث فيها اشتغال كبير على التصاميم المتناظرة بما تتيحه مرونة خط الثلث وما يسمح به من تصرف في الحروف جعل من آية وما أوتيتم من العلم إلا قليلا أيقونة جميلة وسط فضاء اللوحة الواسع، ومحمد عيسى خلفان من مواليد 1966 تتلمذ على الخطاط د . صلاح شيرزاد، وحصل منه على إجازة في خطي الثلث والنسخ، وهو عضو جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، حصل على الجائزة الأولى في مسابقة العويس للدراسات والابتكار العلمي عامي 1995 ،1996 وجائزة لجنة تحكيم بينالي الشارقة الدولي للفنون في عام ،1995 وشارك في معارض محلية وعربية ودولية، والتزم خلفان في لوحاته الخطية بالقواعد التقليدية لكتابة الحرف العربي مع محاولة مستمرة للانفتاح على الاتجاهات البصرية الحديثة قصد الاستفادة منها في بناء فضاء اللوحة وتوزيع المساحات، ما خوله أن يبرع في ابتداع تصاميم خطية مبنية على خط الثلث لما فيه من حيوية، وما يسمح به من تركيب يحمل الخطاط على الإبداع .
من الذين شاركوا أيضا في هذه الدورة الخطاط الإماراتي خالد الجلاف، وذلك بلوحة كتبت فيه آية وإن يكاد الذين كفروا ليزلقُونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون بالكوفي القديم مع زخرفة متقنة تظهر إمكاناته في التلوين في تلك المراحل المبكرة من تجربته وستتحول تلك الإمكانات مع الوقت إلى طابع خاص باللوحة الخطية عنده، حيث يهتم بتطعيم اللوحة الخطية باللون ويبني معماريات خطية مستفيداً من تقنيات العمارة الإسلامية في التقوسات والانحناءات والمقرنصات والأسطوانات، وقد أسهم الجلاف بلوحاته وحضوره الدائم وكتابته عن الخط، وبرئاسته تحرير مجلة حروف عربية في تعزيز حضور فن الخط في الساحة الإماراتية .
تواصل مشاركات تلك الزمرة من الخطاطين في الدورات الموالية بوتيرة متزايدة تؤكد طابع الاطراد في التوسع الذي شهده فن الخط في العقد الأخير من القرن الماضي وبداية القرن الحالي، وشهد المعرض السادس عشر 1997 مشاركة مميزة للخطاطين حيث شارك فيه عشرة خطاطين، هم صلاح شيرزاد وخالد الجلاف ويوسف بن عيسى ومحمد عيسى خلفان وتاج السر حسن وعلي ندا الدوري وحيدر إدريس وإقبال محمد وعبد اللطيف حسين وعاطف شلبي .
إذا جمعنا جهد الجمعية إلى ما تقوم به مؤسسات أخرى جعلت من الخط هدفها الأول كمركز الشارقة لفن الخط العربي وبيوت الخطاطين وأنشطة المراكز الأخرى في الدولة نستطيع أن نقول إن جهد الجمعية عاماً بعد عام كان له أثر كبير في دعم الخط والخطاطين، ورواج هذا الفن في الإمارات حتى أصبح على ما هو عليه اليوم من انتشار وتنوع في معارضه الخاصة والجماعية، واهتمام على كل المستويات، وحتى أصبحت الإمارات تضم زمرة لا بأس بها من الخطاطين المميزين . ونتيجة لهذا الزخم في المشاركة الخطية الذي أصبحت تحظى به دورات معرض الجمعية العام، تبلورت لدى الجمعية فكرة أن تجعل للخط معرضاً مستقلاً باعتبار أن ساحته نضجت وآتت أكلها وأن كل مستلزمات ذلك متوافرة، وأن الخط وإن كان يمكن اعتباره بمعنى من المعاني جزءا من فن التشكيل إلا أن اكتمال أدواته الفنية وخصوصية تقنياته وارتباطه بوجدان الأمة، وبعد جذوره في تاريخها يجعله بحق يستحق أن يكون له معرض خاص، خصوصا أن العنصر البشري الذي يقوم عليه هذا الفن متوافر، والغنى في التنوع والاختلاف حاصل في تنوع الخطوط واختلاف مدارس الخط وهو ما يوفر مميزات تجعله تحتم إقامة مثل هذا المعرض المستقل، ونتيجة لذلك بادرت الجمعية ابتداء من الدورة السادسة والعشرين إلى إقامة معرض للخط منفصل عن معرض التشكيل العام، اشترك فيه أحد عشر خطاطا أربعة منهم من الإمارات ممن يمكن اعتبارهم من الجيل الثاني من الخطاطين الإماراتيين وهم علي محمد مراد، وفاطمة محمد عبد الرحيم، وفاطمة سعيد البقالي، وماجدة سليم، وكلهم خطاطون متمكنون تجاوزوا مرحلة الهواية والتعلم إلى مرحلة الإتقان والاحتراف، ومع نجاح ذلك المعرض وابتداء منه أصبح معرض الخط السنوي منفصلا عن المعرض التشكيلي العام تأكيداً على نضج تجربة الخط في الإمارات واستقلاليتها وعلى ما تبذله الجمعية من دعم ورعاية لها .