عمرو عبد العاطي
أعاد حكم القاضي الفيدرالي "أندرو هانن" في محكمة "براونزفيل" في ولاية تكساس في السادس عشر من فبراير/شباط الماضي الجاري بتعليق مؤقت لخطة الرئيس الأمريكي "باراك أوباما"، التي أعلنها في العشرين من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لتسوية أوضاع ملايين المهاجرين غير الشرعيين، الجدل المحتدم مجددا حول قضية إصلاح نظام الهجرة لا سيما بعد فوز الجمهوريين المعارضين لخطة "أوباما" لإصلاح قانون الهجرة الأمريكي على الأغلبية في مجلسي الكونغرس (مجلسي النواب والشيوخ) في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي أجريت في الرابع من نوفمبر 2014 . ومع تزايد الجدل القانوني والسياسي حول قضية الهجرة، فإنها ستتصدر الحملات الانتخابية الرئاسية لعام 2016 مع استغلال مرشحي الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) قضية الهجرة لجذب أكبر نسبة من الناخبين للتصويت لهم .
في بداية عام 2013 بدا أن هناك إمكانية للتوصل إلى تسوية ممكنة لقضية إصلاح نظام الهجرة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي بعد صياغة مشروع قانون في مجلس الشيوخ - كانت الأغلبية فيه في ذلك الوقت للحزب الديمقراطي - من جانب ممثلي الحزبين وتمريره من المجلس، لكنها سرعان ما توقفت مناقشاته مع رفض مجلس النواب - كانت الأغلبية فيه في ذلك الوقت للحزب الجمهوري - مشروع القانون لتصبح قضية إصلاح نظام الهجرة الأمريكي محل خلاف محتدم بين البيت الأبيض من جانب والحزب الجمهوري من جانب آخر .
ومنذ ذلك الحين، أخذ الرئيس الأمريكي على عاتقه إصلاح قانون الهجرة بصورة منفردة في ظل معارضة الجمهوريين، وصعوبة حصوله على موافقة الكونغرس على خطته لإصلاح نظام الهجرة بعد فوز الجمهوريين في الرابع من نوفمبر الماضي بالأغلبية بمجلسي النواب والشيوخ، معلناً عن سعيه لإجراء إصلاحات في قانون الهجرة إذا لم يسن الكونغرس قانوناً لإصلاح نظام الهجرة .
وفي محاولة من الرئيس الأمريكي لإيجاد آلية للتعامل مع قضية تزايد المهاجرين غير الشرعيين، وتشجيع الهجرة القانونية، وتسوية أوضاع المهاجرين أعلن "باراك أوباما" في العشرين من نوفمبر 2014 عن تسوية مؤقتة لأوضاع نحو خمسة ملايين مهاجر غير قانوني من أصل أحد عشر مليوناً يقيمون في الولايات المتحدة ويهددهم خطر الترحيل .
أثارت خطوات البيت الأبيض لإصلاح نظام الهجرة حفيظة الجمهوريين بعد فوزهم بالأغلبية في الكونغرس مشككين في دستوريتها، ومؤكدين أنهم سيتصدون لها داخل الكونغرس والقضاء . وفي محاولة لوقف تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دعم الحزب الجمهوري ست وعشرين ولاية من ضمنها ولاية تكساس، التي يري حاكمها الجمهوري "ريك بيري" أن الإجراءات التي يتبناها البيت الأبيض ستفاقم مشكلة الهجرة غير القانونية، برفع دعاوى لوقف خطة الرئيس لإصلاح نظام الهجرة، باعتبار أن تسوية أوضاع المهاجرين مخالفة للقانون . وقد نجحت المساعي الجمهورية في إعاقة الرئيس لتنفيذ خطته بعدما أصدر القاضي الفيدرالي بمحكمة بولاية تكساس حكماً بحيثيات جاءت في 123 صفحة ليمنع الحكومة من تنفيذ الأمر التنفيذي الذي أصدره أوباما في العشرين من نوفمبر الماضي الذي يوفر الحماية لما يقدر بنحو خمسة ملايين شخص يقيمون في البلاد بطريقة غير مشروعة من مغبة ترحيلهم .
ومع هذا الحكم تدخل قضية إصلاح الهجرة في معركة قانونية بعد رفض البيت الأبيض هذا الحكم والتنديد به، وإعلان اعتزامه الطعن عليه . وفي تعليقه على الحكم قال الرئيس الأمريكي، إنها "ليست المرة الأولى التي تمنع فيها محكمة أو تحاول منع أمر قانوني" مبدياً اقتناعه بأن هذا القرار يندرج ضمن صلاحياته، وتعهد "أوباما" بالمضي قدماً لإصلاح قانون الهجرة، رغم انتقاد الجمهوريين لاستخدامه سلطاته التنفيذية في إقرار الإصلاحات .
يعارض الجمهوريون بصورة قوية كل محاولات الرئيس لإصلاح قانون الهجرة، فهم يرونه يسعى إلى منح عفو عن ملايين الأجانب المقيمين بطريقة غير شرعية، لكون الإصلاحات التي يدخلها الرئيس "أوباما" على نظام الهجرة ينهي التهديد بالترحيل القسري لحوالي خمسة ملايين مهاجر غير مسجلين رسمياً من إجمالي أحد عشر مليون مهاجر غير قانوني . ويرفض عدد من أعضاء الحزب الجمهوري ما قرره أوباما نظراً إلى اعتقادهم أن المهاجرين غير الشرعيين يشكلون عبئاً ثقيلاً على الخدمات العامة، مثل برامج الرعاية الاجتماعية والتعليم والصحة، وأنهم يستحوذون على الوظائف على حساب المواطن الأمريكي ويتسببون في خفض أجورهم، وأن زيادة الهجرة من مجتمعات نامية تقود إلى الانحطاط الثقافي . وهو ما يؤكده نتائج استطلاع للرأي أجرته شبكة (ABC) الإخبارية وصحيفة "واشنطن بوست" خلال الفترة من 12 إلى 15 يناير الماضي، والذي أظهر أن 56% من الأمريكيين غير موافقين على خطة الرئيس الأمريكي في إصلاح نظام الهجرة مقابل 41% يؤيدون خطته .
ويرفض الجمهوريون خطة الرئيس الأمريكي لإصلاح قانون الهجرة الأمريكي، خوفاً من تزايد القاعدة الانتخابية المؤيدة للحزب الديمقراطي بما يمثل ضربة قاصمة للحزب الجمهوري في الانتخابات المقررة في نوفمبر من عام 2016 لا سيما مع حصول المرشح الديمقراطي "باراك أوباما" في الانتخابات الرئاسية لعام 2012 والتي فاز بها لفترة رئاسية ثانية على منافسه الجمهوري "ميت رومني" بما نسبته 70% من أصوات الأمريكيين من ذوي الأصول اللاتينية، فالهواجس الجمهورية من إصلاحات قانون الهجرة تتلخص في أنها تُعزز نمو ديموغرافية الحزب الديمقراطي انتخابياً . ولذا يصبح الحزب الجمهوري أمام معضلة معارضة إصلاحات الهجرة دون المساس بمشاعر ناخبيهم من ذوي الأصول اللاتينية .
في المقابل يرى عدد من الأمريكيين أن إصلاح قانون الهجرة وحصول الملايين على الجنسية سيشكل رافداً قوياً للاقتصاد، حيث سيدفع هؤلاء الضرائب وينخرطون في الاقتصاد الأمريكي ما من شأنه دعم الاقتصاد الأمريكي . وهي الرؤية التي تؤكدها نتائج استطلاع رأي لمعهد بحوث الدين العام Public Religion Research Institute أجري خلال الفترة من 4 إلى 8 فبراير، حيث أظهرت نتائج الاستطلاع أن 58% من المستطلعة آراؤهم يرون أن المهاجرين لهم دور في تقوية الولايات المتحدة الأمريكية مقابل 31% يرون أن المهاجرين يثقلون على التقدم الأمريكي، وأنهم ينافسون الأمريكيين في الحصول على العمل والرعاية الصحية والإسكان .
ومع أن الجمهوريين الذين باتوا يتمتعون بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ غير قادرين على عرقلة أمر تنفيذي، فإن لديهم وسائل عدة يواجهون بها البيت الأبيض منها ما طرحه بعض المشرعين مثل السيناتور عن تكساس "تيد كروز" القريب من "حزب حركة الشاي" - ذي رؤية محافظة - بوقف المصادقة على تعيين السفراء والقضاة والمسؤولين في الإدارة الذين يختارهم الرئيس، ما يعطل عمل الإدارة، لكنه اقتراح لا يحظى بإجماع بين الأعضاء الجمهوريين .
وفي المقابل يمتلك الكونغرس الأمريكي آلية أكثر فاعلية في التأثير في خطة الرئيس لتنفيذ إصلاحاته لنظام الهجرة، تتمثل في امتلاك الكونغرس سلطة تخصيص المخصصات المالية للإدارة الأمريكية لتنفيذ سياساتها الداخلية والخارجية بموجب الدستور الأمريكي، وهي الآلية التي يتوقع أن ينتهجها الجمهوريون للضغط على الإدارة الأمريكية لوقف مساعيها لتنفيذ خطة "أوباما" بشأن قضية الهجرة بالتهديد بوقف تمويل وزارة الأمن الداخلي (التي تشرف على الهجرة) ما لم تتراجع الإدارة عن تلك الإجراءات المتعلقة بنظام الهجرة، مع استمرار اللجوء إلى الإجراءات القانونية لوقف خطة الرئيس لإصلاح قانون الهجرة .
خلاصة القول، يرفض الكونغرس الأمريكي ذو الأغلبية الجمهورية بعد الرابع من نوفمبر 2014 استخدام الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" لسلطاته التنفيذية لإجراء إصلاحات في قوانين الهجرة، حيث يرى الجمهوريون أن اتخاذ مثل هذه الإجراءات دون موافقة الكونغرس يتجاوز سلطة الرئيس . في المقابل يدافع "أوباما" عن خطته لإصلاح قانون الهجرة بأنها رغبة في التوصل إلى حل وسط لقضية محل جدل بين طرفي المعادلة الأمريكيين (البيت الأبيض والكونغرس) بعد إعاقة مجلس النواب ذي الأغلبية الجمهورية في عام 2013 مشروع قانون مرر من مجلس الشيوخ لإصلاح قانون الهجرة، ووضع حداً للمهاجرين غير الشرعيين الذين يصل عددهم إلى ما يقرب من أحد عشر مليون مهاجر غير قانوني .
ومع إصدار القاضي الفيدرالي "أندرو هانن" حكماً بتعليق خطة أوباما لإصلاح نظام الهجرة مؤقتاً، ستكون قضية إصلاح نظام الهجرة محور معركة قانونية داخل الولايات المتحدة مع لجوء الجمهوريين للقضاء وطعن البيت الأبيض على حكم تعليق تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" . وستتصدر قضية الهجرة أجندة مرشحي الحزبين الجمهوري والديمقراطي للانتخابات الرئاسية لعام ،2016 مع محاولة المرشحين مغازلة قواعدهم الشعبية للتصويت لهم في الانتخابات .

* باحث مصري متخصص في الشؤون الأمريكية ومحرر مشارك بمجلة "السياسة الدولية"