نظرات بلاغية في آيات قرآنية لمؤلفه الدكتور عادل أحمد صابر الرويني هو الكتاب الثالث من سلسلة البلاغة القرآنية، وهذا الكتاب الذي توزعه مكتبة البشير بالشارقة صدر حديثاً عن مكتبة عباد الرحمن بجمهورية مصر العربية، وهو من الحجم المتوسط وتبلغ عدد صفحاته مائتين وتسعاً وثمانين صفحة.

الدكتور عادل أحمد صابر الرويني حاصل على درجة العالمية (الدكتوراه) مع مرتبة الشرف الأولى من كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر الشريف، وله العديد من الكتب المطبوعة وغير المطبوعة منها:

1 البلاغة القرآنية في الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

2 من مشتبه النظم القرآني.

3 صورة المرأة في تشبيهات العرب. دراسة بلاغية نقدية تحليلية.

4 نظرات بلاغية في آيات قرآنية.

5 من حصاد القلم مقالات في الدين والحياة.

6 تأملات في سورة مريم تفسير بلاغي موضوعي.

7 معجم التعريفات البلاغية والأدبية والنقدية والعروضية في كتب المرحلتين الثانوية والجامعية.

8 تأملات في سورة يوسف عليه السلام.

9 تأملات في سورة إبراهيم عليه السلام.

وللدكتور عادل أحمد الرويني كذلك المئات من المقالات المتخصصة وغير المتخصصة في الصحف والمجلات، وله كذلك بعض البرامج الإذاعية والتلفزيونية.

أما عن كتاب نظرات بلاغية في آيات قرآنية فهو كتاب جديد في بابه، حيث يتناول المؤلف آيات قرآنية كثيرة من سور مختلفة، ويقف أمامها متأملاً مستخرجاً ما فيها من بلاغة بأسلوب سهل سلس، وبطريقة فريدة في كثير من مواضع الكتاب، حيث اتبع الدكتور الرويني طريقة طرح الأسئلة والإجابة عنها مراعياً حاجة القراء المتخصصين وغير المتخصصين.

طريقة التساؤلات

ويشير المؤلف في مقدمة كتابه إلى سبب تأليفه الكتاب وإلى المنهج الذي اتبعه فيقول: فهذا الكتاب في الأصل عبارة عن مقالات نُشِرت في إحدى الصحف الخليجية الكبرى وقد ألح علي عدد كبير من الأصدقاء والزملاء والقُراء أن أصدر هذه المقالات في كتاب يجمعها، لتعم الفائدة.

والمقالات المنشورة عبارة عن تحليل بلاغي لكثير من الآيات القرآنية في سور مختلفة، ولقد عنونت كل مقالة بعنوان خاص بها على حسب الموضوع أو الغرض الذي تتناوله. وفي بعض الأحيان كنت أضع عناوين بلاغية لبعض المقالات.

ولقد اعتمدت في كثير من تلك المقالات طريقة أحسبها غير مطروقة وهي طريقة التساؤلات حيث كنت أضع مجموعة كبيرة من الأسئلة البلاغية على الآيات الكريمة موطن التحليل، ثم أقوم بعد هذا بالإجابة عنها بأسلوب يجعل الكلام متصلاً غير منفصل. وكان الهدف من تلك الطريقة بيان الوسيلة المثلى كما أراها لتدبر آيات القرآن الكريم.

كما جاءت المقالات بأسلوب سهل مُيسر بعيداً عن التعقيدات التي لا تفيد القارئ غير المتخصص.

ولقد نالت تلك المقالات بذلك التناول المُبَسط إعجاب وتقدير الكثير من الإخوة القراء المتخصصين وغير المتخصصين وهذا من فضل الله تعالى وهذا ما شجعني على تلبية رغبة هؤلاء القراء، والاستجابة لنصح الكثيرين في إخراج تلك المقالات في كتاب

الإحسان إلى الوالدين

ونعرض هذا الأنموذج لما ورد في كتاب الدكتور تحت عنوان الإحسان إلى الوالدين في البيان القرآني.

قال تعالى: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً (الإسراء: 23 24).

في هاتين الآيتين من سورة الإسراء يأمر الله تعالى ببر الوالدين والإحسان إليهما، وذلك لما قدّماه لأولادهما من حب وعطف ورعاية وتضحيات.

ولنا في هذا الموضوع النظرات البلاغية والوقفات الآتية:

دلالة عطف الأمر بالإحسان إلى الوالدين على ما هو في معنى الأمر بعبادة الله.

مفهوم الإحسان.

المقصود بالخطاب في الآيتين.

عِلّة تخصيص حالة الكِبَر بالذكر.

وجه تعدد فاعل يبلغن مُظْهَراً دون جعله بضمير التثنية حيث لم يقل مثلاً: إما يبلغان عندك الكِبَر.

دلالة قوله: عندك مع الإشارة إلى إمكانية أن يقال: إما يبلغن الكِبَر أحدهما أو كلاهما.. من دون عندك وغير ذلك من التساؤلات.

أما عن دلالة عطف الأمر بالإحسان إلى الوالدين على ما هو في معنى الأمر بعبادته في الآية الأولى فإن فيه إشارة إلى عظيم حق الوالدين ومكانتهما في الإسلام، لأنهما سبب وجود الإنسان، ولما بذلاه من أجل تربية أولادهما. ونجد في القرآن الكريم أن النهي عن الإشراك يقترن به دائماً الإحسان إلى الوالدين، قال تعالى: قل تعالوا أتلُ ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا (الأنعام: 151). وقال تعالى: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا (النساء: 36).

والإحسان إلى الوالدين ليس بكفالتهما وإمدادهما بما يحتاجان إليه فقط، بل هو أعمق من ذلك في القول والعمل والبذل والمواساة، ولعل أجمع تعبير عن ذلك هو تعبير النبي صلى الله عليه وسلم بحسن الصحبة كما ورد في حديثه الشريف.

وقُدم الجار والمجرور بالوالدين على متعلقه إحساناً لمزيد الاهتمام بهما، ولإثبات أنهما أولى من دون الناس بالإحسان، فتجاوب تقديمهما لفظاً مع تقديمهما معاملة، وهذا من روائع البيان القرآني.

ظلال حزينة

وفي قوله إما يبلغن عندك الكبر خطاب لغير معين فيعم كل مخاطب بدلالة العطف على قوله: ألا تعبدوا إلا إياه.

وأرجو من القارئ أن يتأمل معي بلاغة هذه الجملة التي توحي بقرب رحيل الوالدين، ونلمس هذا في قوله يبلغن وما فيه من دلالة على الوصول إلى مرحلة الكبر التي تنذر بقرب انتهاء العمر. ومعنى عندك في كنفك ورعايتك وكفالتك. وقد ألقى هذا الظرف عندك بظلال حزينة كما أشعر به حيث فيه استجاشة لمشاعر الأبناء وعواطفهم، فالوالدان بعد أن كانا مسؤولين عن تربية أولادهما بما كانا يتمتعان به من قوة وصحة وقدرة وبعد أن كانا الملجأ والحماية والرعاية لأولادهما، فها هو ذا الكبر يستبد بهما، ويلجئهما إلى أولادهما، ليعيشا في كنفهم وظل قوتهم ورعايتهم. فالحال قد تغير وأصبح الوالدان في ظل شيخوختهما في حاجة ماسة إلى العطف والحنان والرعاية من أولادهما، ولذلك أُكد الفعل بنون التوكيد في قوله: يَبْلُغَن وأظنك لا تجد تلك الظلال لو قيل: إما يبلغن الكبر.

وخُصت حالة الكبر في الآية، لأن التقصير في حق الأبوين يكون أشد في تلك الحالة.

والواقع المشاهَد في هذا الزمان ينطق بصور مشينة من عقوق الوالدين وإهانتهما وإهمالهما في وقت هما في أشد الحاجة إلى بر أولادهما بهما. وأنت تسمع وترى هذا الولد العاق الذي لا ينفق على والديه، أو ذاك الذي يفضل زوجته على أمه، أو ذلك الذي يرمي بوالديه أو أحدهما في دور العجزة والمسنين ليعيشا أو يعيش أحدهما في سجن كبير فيما تبقى من حياته وهذا العاق لا يزورهما ولا يسأل عنهما.

ودع عنك هذا وذاك، وانظر إلى هذا الابن المجرم الذي تجرد من كل المشاعر الإنسانية النبيلة فيقتل أمه أو يقتل أباه من أجل التخلص من عبئهما أو طمعاً في مالهما أو غير ذلك من الأسباب.

ونقول لهذا الابن العاق: ستشرب من كأس العقوق المر، لأن الدائرة ستدور عليك، وكما تدين تدان.

خفض الجناح

ونترك هذا الواقع المظلم لنعود إلى البيان القرآني، لنتأمل البلاغة القرآنية في بيان وجوب الإحسان إلى الوالدين والاهتمام بهما، تأمل تعدد فاعل: يبلغن وهو قوله: احدهما أو كلاهما حيث كان من الممكن أن يقال بضمير التثنية: إما يبلغان عندك الكبر. فما السر في هذا؟ نقول: إن وجه تعدد الفاعل هنا فيه دلالة على وجوب الاهتمام بتخصيص كل حالة من أحوال الوالدين بالذكر، وبيان هذا أنه قد تكون حالة انفراد أحد الأبوين عند الابن أخف مشقة عليه من حالة اجتماعهما، فكان ذكر قوله: أو كلاهما لتحذير الابن من أن حالة اجتماعهما ليست حُجةً للتقصير في حقهما، فلأجل ذلك ذُكرت الحالتان، وأُجري الحكم عليهما على السواء.

ومعنى هذا أن الابن مطالب برعاية والديه معاً في كبرهما أو أحدهما كأحسن ما تكون الرعاية. ولأن هذه الحياة المستمرة مع ضعف الشيخوخة واستقذار بعض ما يكون من أحد الأبوين أو منهما سبب لبعض الضجر فتنفلت عبارة تضجر أو تأفف فقد نهى سبحانه عن مثل هذا فقال: فلا تقل لهما أف وهو صوت يصدر عن الإنسان في حالة ضجره فنهى حتى عن ذلك، وليس المقصود النهي عن قول كلمة: أف خاصة، وإنما المقصود النهي عن الأذى الذي أقلّه الأذى باللسان بأوجز كلمة، فيُفهم من هذا النهي عما هو أشد أذى من باب أولى.

وعُطف على هذا النهيُ (ولا تقل لهما أف) عن نهرهما فقال سبحانه: ولا تنهرهما لزيادة التأكيد على عدم إلحاق الأذى بهما.

وفي قوله تعالى: واخفض لهما جناح الذل ارتقاء في العناية بالأبوين إلى أمر الولد بالتواضع لهما تواضعاً يبلغ حد الذل لهما، لإزالة وحشة نفسيهما إن صارا في حاجة إلى معونة الولد، لأن الأبوين يبغيان أن يكونا هما النافعان لولدهما. والقصد من ذلك التخلق بالوفاء وتذكر الجميل والإحسان. وقد صيغ التعبير عن التواضع بتصويره في هيئة تذلل الطائر عندما يعتريه خوف من طائر أشد منه، إذ يخفض جناحه متذللاً، ففي هذا التعبير استعارة مكنية. وأحب أن أشير إلى أن هذا التواضع والانكسار والخضوع للوالدين هو من الرحمة لا من الذلة، وفرق شاسع بين ذل الرحمة، فهو عطف ورفق ولين وتواضع، وذل الاستكانة والمذلة، فهو ذل خنوع وضعف وخور ويصدر عن غير قوة، وهو ذل منبوذ مكروه، أما الذل الأول فهو ذل محمود محبب، لأنه يصدر عن قوة وقدرة، وهذا له مدلوله العظيم في حياتنا.

ويؤيد هذا المعنى قوله من الرحمة فإن (من) هنا ابتدائية والمراد كما قلنا الذل الناشئ عن الرحمة لا عن الخوف أو الجُبن أو الخور أو عن المداهنة. والمقصود اعتياد النفس على التخلق بالرحمة باستحضار وجوب معاملة الأبوين بها حتى يصير هذا خلقاً متأصلاً فيها.

وهكذا لمسنا قمة البيان في التعبير عن الإحسان إلى الوالدين وبرهما والتواضع معهما. ولا عجب في ذلك، لأنه بيان رب العالمين أحكم الحاكمين سبحانه.