قبل الدخول إلى فضاءات التراث واستخداماته المعرفية والإيديولوجية نتوقف لنسأل ما المقصود بالتراث تحديدا، لا نقصد في هذا السياق التراث بمعناه التقليدي المستخدم في علم الاجتماع أو تلك الدراسات المتامسة مع الأنثربولوجيا والتى تدور في فضاء: التراث الشفاهي، التراث الشعبي، والروايات والحكايات الشعبية. تلك المنمنمات التي انتقلت عبر الأجيال وظهرت في تجليات شعبية عدة.
ما نعنيه هنا بالتراث ما تم التعامل معه نخبوياً من قبل المثقف العربي المعاصر، تحت عنوان ضروة الحسم في المسألة التراثية وهي أولى ملاحظاتنا عند الولوج إلى عالم التراث، هناك نقد يوجه كثيرا إلى الرواية العربية باعتبارها رواية المثقف عن رؤيته هو للعالم، لعل هذا التحديد وإن كانت تعتريه مناقشات عديدة يكون مفيدا في المسألة التراثية المعاصرة، بوصفها مسألة تهم النخبة وحدها.
إن لفظ تراث لم يكن يعني في الثقافة العربية الإسلامية القديمة إلا الإرث والورث والميراث، وحتى في اللغات الأجنبية: الانجليزية والفرنسية فإن الكلمات المستخدمة للتعبير عن التراث تعطي نفس المعني العربي الدال على الميراث، هكذا يخبرنا أحد أبرز المشتغلين في حقل الدراسات التراثية، ويواصل الجابري تتبعه للمصطلح حيث يؤكد في كتابه التراث والحداثة أن اللغات الأجنبية الآن لا تستخدم التراث مثلما نفعل نحن، فالتراث وفق الجابري هو تمامية الثقافة العربية وأحلامها، حاضرها وماضيها وأيضا ربما يكون مستقبلها.
التراث عند محمود أمين العالم يشمل الماضي بأكمله: عناصره ومحاوره الدينية والعقلانية والوجدانية.. الخ، أما حسن حنفي فيرى أننا ما زلنا نعيش التصور الثنائي للعالم كما ورثناه من الكندي ونسلك طبقا للتصور الهرمي الذي ورثناه من الفارابي ونستطيع تتبع إسهامات المثقف العربي المعاصر حول هذه المسألة، ونلاحظ أن ألمع مفكرينا انشغلوا بالتراث وقدموا عشرات التعريفات له. ولكنها تبقى في النهاية غير محددة فلا نستطيع أن نعرف بالضبط ما هو التعريف الجامع لكلمة تراث في الخطاب العربي المعاصر. وهو الأمر الذي يلاحظه سعدالله ونوس حيث يقول في إسهام له حول التراث ومن الغريب أن تشيع كلمة مثل هذا الشيوع وأن تكتسب كل هذه المخزونات السحرية والمحمولات العجائبية وتظل مع هذا عائمة وملتبسة ولغزية. انه المعرفي والإيديولوجي وأساسهما العقلي وبطانتهما الإيديولوجية بتعبيرات الجابري.
التعرف والابتكار
هذه التحديدات الأولية المتامسة مع تعريفات قدمت للتراث في خطابنا المعاصر مفيدة في التأكيد على أن المثقف العربي المعاصر قد خلق موضوع معرفته بالتراث ولم تقتصر المسألة على التعرف الى هذا الموضوع فحسب، وهي نفس الآلية التي لاحظها ادوارد سعيد في حقل الاستشراق، ووفق الوقوع في فتنة التراث أو توكيدية التكرار بتعبيرات جاك دريدا نشأ موضوع التراث، باستخداماته المعرفية والإيديولوجية.
ولكن قبل التورط في تتبع الاستخدام المعرفي والإيديولوجي نعود إلى الملاحظة التي طرحناها في البداية، وهي أن التراث الذى تم التعامل معه لا يهم إلا المثقف، أي انه غير معني سوى بالقضايا الكبرى.
في بداية حقبة السبعينيات من القرن الماضي تحول المفتون بالغرب زكي نجيب محمود من التبشير بالوضعية المنطقية إلى التراث فكتب في سنوات قليلة المعقول واللامعقول في تراثنا العربي وتجديد الفكر العربي وفي الكتابين كان هناك بحث محموم عن العقل والعلم والحرية في تراثنا، أي عن النهضة بتعبيرات التأسيس في ثقافتنا الحديثة أو عن الحداثة بتعبيرنا الحالي، ووضع محمود في كتابيه هذين معظم منطلقات التعامل مع التراث وتجلياته وإشكالياته فيما بعد: المعقول في مقابل اللامعقول، التقدم وشروطه في مقابل التخلف وأسبابه، التيارات والشخصيات التراثية التي يجب الالتفات اليها في مقابل ما يجب إهماله، أي الوعي بالنهضة من خلال التراث وطالما كانت النهضة مرتبطة بالآخر فإن المسكوت عنه يخبرنا أن مفكرنا هيمنت عليه فكرة الوعي بالذات من خلال الآخر، أي كل ما يوافق الآخر في تراثنا والآخر المثقف العلمي العقلاني تحديداً.
في هذا السياق نزعت أية جمالية عن ظواهر مثل الصعلكة والفتوة في تراثنا واعطينا الظهر لجماليات التراث الصوفي والهرمسي وشخصيات مثل جحا وهنا نخرج بملاحظتين: الأولي تمظهرت في إجراء قطيعة معرفية مع هذا النوع من التراث بوصفه لا علمياً أو لا عقلانياً، وأعتقد أنه لولا احتفاء الغرب بألف ليلة وليلة وعمر الخيام وجلال الدين الرومي لتم التبرؤ منهم أيضا، وهذه القطيعة أنهت اهتمام أدبيات النصف الأول من القرن العشرين بهذه المجالات حيث كتب العقاد عن جحا وأحمد أمين عن الصعلكة والفتوة.. الخ. الملاحظة الثانية تتمثل في التعامل وربما لأول مرة مع الثقافة بعقلية حدية: إما النهضة أو التخلف، العقل أو الظلام، وأصبح للعقل شروطه وشخصياته كتالوجه والذي يمثل الخروج عليه جريمة ثقافية لا تغتفر. تيارات الثبات في مقابل تيارات التحول أدونيس، التراث العالم في مقابل التراث الشعبي والهرمسي الجابري التعامل العلمي مع التراث في مقابل تعامل لا علمي أركون ونصر أبو زيد، النخبة في مقابل العوام حسن حنفي.
بداية الطابع الإشكالي
ولكن متى بدأت المسألة التراثية في خطابنا المعاصر تأخذ هذا الطابع الإشكالي وربما العجائبي؟ يطلق ألبرت حوراني فى كتابه تاريخ الشعوب العربية على المرحلة اللاحقة لنكسة 1967 مرحلة الأرواح المضطربة ويقول كان من شأن أحداث 1967 وعملية التغيير التي تلتها أن تكثف من اضطرابات الروح، ذلك الإحساس بأن العالم قد انقلب، فهزيمة 1967 لم ينظر إليها كمجرد هزيمة عسكرية ولكن كحكم أخلاقي يتضمن أن هناك خطأ ما في المجتمع العربي والقيم التي يؤمن بها، نفس المعنى يذهب إليه جورج طرابيشي، فالعرب هذه المرة لم يستيقظوا على دوي المدافع النابوليونية وانما على قصف الطائرات الإسرائيلية. سيكتب بعد الحدث دراسات من قبيل النقد الذاتي بعد الهزيمة، الهزيمة والإيديولوجيا المهزومة، وفيما بعد خروج العرب من التاريخ وسيؤرخ للنظام الثقافي العربي، مع التحفظ على المصطلح، بالهزائم: الحملة الفرنسية ،1967 حرب الخليج الثانية، سقوط بغداد. وستطرح أسئلة من قبيل هل توجد فلسفة عربية ؟ هل يوجد علم اجتماع عربي؟ سيصل جلد الذات إلى مداه الأقصى حتى أننا ربما نلمح مذاقا استشراقيا عند البعض.
وخلال هذه الأجواء المأزومة طرحت قضية التراث، ولهواة المماثلة والمقارنة مع الغرب يمكن ملاحظة أن النهضة الأوروبية طرحت فكرة إحياء تراثها اليوناني في ظروف مغايرة تماما، كانت أوروبا في بداية خروجها من العصور الوسطى وبداية مدها الاستعماري مما وفر مناخا مختلفا للتعاطي مع التراث، ولذلك تحولت المسألة عند البعض إلى شوفينية التمني، فبعد سنوات طويلة من التعامل مع التراث يخبرنا الجابري أنه لا أمل في نهوض الذات إلا بزوال الآخر، أما حسن حنفي فلا يكتفي بكتالوج لشروط النهوض أو التبشير به، بل يؤكد أن الغرب في مرحلة الأفول وأن النهضة العربية بدأت تؤتي ثمارها، يقول حنفي في آخر مقالاته في مجلة الدوحة القطرية وقمنا نحن بدور الأستاذ وأوروبا بدور التلميذ مرتين في العصر الإسلامي الأول وفي النهضة الحالية للمسلمين، وفي المرة الثانية مازلنا في بدايتها كيف يمكن التعاطي مع هذه الآراء؟
عصاب جماعي
عندما توجهت خيرة العقول العربية إلى التراث قام جورج طرابيشي بتوصيف هذه الحالة على أساس أنها عصاب جماعي أصاب المثقفين العرب، وقام هو نفسه بالوقوع في فتنة هذا العصاب حيث أمضى سنوات في كتابة مشروع من أربعة أجزاء يرد فيه على طروحات الجابري في نقد العقل العربي المكون بدوره من أربعة أجزاء، في هذا السياق نقول إن محمود إسماعيل أمضى عشرين عاما في كتابة سوسيولوجيا الفكر الإسلامي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل دخلت العقول العربية المهاجرة في هذا السباق:عبدالله العروي، محمد أركون، هشام شرابي. وخيضت معارك واستخدمت مناهج وأدوات، أي صنعت ثقافة كاملة تستمد أصولها وفصولها من التراث.
اكتشف هؤلاء وغيرهم أنه لا خلاص للوطن العربي ولا أمل في نهوضه إلا بتثوير التراث أو البحث عن العقلانية في ثناياه وهى مصطلحات متوافرة بكثرة في هذا الخطاب، أي أنه لا أمل في الثورة أو العقل إلا من خلال التراث مع إهدار كامل لحركية المجتمع العربي المعاصر وأطره المرجعية وقواه الفاعلة.
والآن لندخل في حضرة هذا الفاتن الخلاب المسمى التراث، نلاحظ انه نتيجة لضبابية المصطلح وسحريته المشار إليها سابقا هناك غموض مماثل في أدبيات الدرجة الثانية أو ما يطلق عليه أدبيات التحليل اللاحق، والتي توقفت امام الأدبيات الاساسية في هذا الحقل، وهي ادبيات لم تأت من النقاد وحسب بل من الأسماء المشتغلة على التراث أيضا وأهتمت أدبيات التحليل اللاحق برسم خريطة للمشتغلين في هذا الحقل، فمن حيث التوزيع الإيديولوجي هناك الرؤية الماركسية للتراث، الرؤية القومية، الإسلاموية والعلمية، ومن حيث الأدوات والمناهج سنجد المنهج الفينومينولوجي ويمثله أدونيس وحسن حنفي، المنهج المادي الجدلي عند صادق جلال العظم، الطيب تيزيني، حسين مروه، ومحمود إسماعيل، الإبستمولوجي عند الجابري، منهج التفكيكية الألسنية عند أركون، الوضعي عند زكي نجيب محمود، العلمي عند نصر أبو زيد. وهناك من يصف كل هذا الزخم بالقراءة هربا من صرامة علمية قد تكون غائبة عن هذه الاعمال، فجابر عصفور على سبيل المثال يوزع الأسماء السابقة على أنواع متعددة من القراءات، ففي كتابه قراءة التراث النقدي هناك: القراءة التنويرية، القراءة التثويرية والانتقائية وغيرها.
التلفيقية والعلموية
أما ما يسترعي الانتباه في هذه التقسيمات فهو ادعاء البعض بالعلموية في التعامل مع التراث ووصف الآخرين بالتلفيقية والتلوين والاستخدام النفعي كما نرى كما نرى في دراسة لنصر أبو زيد بعنوان التراث بين التأويل والتلوين ونفس الحال نجدها عند الرؤي الماركسية إذ تصر على أن منهجها هو الوحيد الذي يستحق وصفه بالعلموية في التعامل مع التراث. ولعل هذا يستدعي سؤالا ساذجا حول امكانية الحسم القاطع في الانسانيات، خاصة وأن المثقف يتعامل معها بوصفها تلبية لحاجات اجتماعية ملحة بمعنى أن حاجات جيل ومجتمع طه حسين من التراث تختلف بالتأكيد عن حاجات جيل ومجتمع الجابري، ورؤيتنا للتراث لابد أن تختلف بالتأكيد عن رؤية الأجيال القادمة، ونحن نستطرد في هذه النقطة لأن المثقف المعاصر أطلق توصيف اللاعلموية أيضا على كل الإسهامات السابقة، فمنذ الطهطاوي وخير الدين التونسي وحتى صاحب نقد العقل العربي يرى الجابري أن التعامل مع التراث تم بذهنية المقتطفات ، اما كل التيارات التي حاولت تثوير التراث أو البحث فيه عن التنوير فهي تيارات تلوينية مسيسة وفق نصر أبو زيد.
بعد هذا الاستعراض السريع للمصطلح وخلفيته التاريخية وقواه الفاعلة وكل الزخم والتخبط الناتج عنه نعود مرة أخرى إلى التوظيف المعرفي للتراث. أي القيم والتيارات التي تم الإعلاء من شأنها وكأن الأخذ بابداعاتها سيحل كافة إشكاليات الوطن العربي، لا يخلو عمل من أعمال الأسماء السابقة من اسم المعتزلة بوصفه البوابة الملكية للحرية الفكرية ويتم السكوت عن أو تبرير اضطهادهم لأحمد بن حنبل ونفس الحال بالنسبة لوقوف هذه الأعمال مع ابن رشد ضد الغزالي أو ابن رشد في مقابل ابن سينا، والمجال لا يقتصر فحسب على الأصول والفلسفة وما امتد الى المراوحة والمقارنة بين الشورى الإسلامية والديمقراطية بل إن مصطلحات مثل اليمين واليسار انتقلت بخلفياتها وتجلياتها إلى التراث وأصبح المثقف العربي مطالبا بتحديد الانتماء ليس إلى الحاضر فحسب وإنما إلى الماضي أيضا. لقد انقلبت الهوية وابتلع الماضي الحاضر فأصبح الحداثي مبشرا بكل ما هو ماضوي بل إنه يمارس عقلانيته وديمقراطيته على أرض التراث، وتحولت المعرفة إلى إيديولوجيا، أما غياب الديمقراطية والحرية والعقلانية عن الواقع العربي المعاصر فيبرر دائما بالعودة أيضا إلى التراث، فهناك تيارات تراثية أخرى أسكتت المعتزلة وأوقفت أفكار ابن رشد وابن خلدون.. الخ. إذن فنحن أمام مثقف يبحث عن قيمة ما في التراث وأيضا عن أسباب غياب هذه القيمة فى التراث، هو مثقف تراثي بامتياز يدير ظهره للواقع ذلك الذى يبدو مفرغا من أي شيء، ومنظومة مماثلة يمكن تتبعها فى سياق آخر تؤكد أن كافة إشكالياتنا تسبب فيها آخر متربص بنا، أي أن مشاكل المجتمع العربي تعود إما إلى التراث أو الآخر وبينهما مجتمع لطيف أو مفعول به دائماً.
تأزم سياسي
البحث في التراث والولع به لم يكن دائماً من أجل تلبية احتياجات النهضة بل تم توظيف التراث إيديولوجيا، مع الاخذ في الاعتبار أن التوظيف المعرفي لم يخلُ بدوره من الإيديولوجيا، ولنستمع هذه المرة إلى صوت نسائي برز في دراسات هذا الحقل، تقول فاطمة المرنيسي في مفتتح كتاب السلطانات المنسيات: إن جهلنا بالماضي يستخدم ضدنا، فليكن رد فعلنا هو قراءة الماضي. لقد حشدت المرنيسي كافة مصادرها التراثية لتدعم فكرة أن الإسلام لا يمنع تولي المرأة شؤون الحكم، امتلأ الكتاب بحجج فقهية وشواهد تاريخية. ونفس التوجه السابق سنجده في خطاب امتد لعقدين من الزمن في مصر بين القوي الإسلاموية والعلمانية، لقد استند فرج فودة وخليل عبدالكريم وسناء المصري ورفعت السعيد وعشرات غيرهم إلى سلطة التراث في جدلهم مع التيارات المتشددة، أصبحت السياسة تمارس على أرضية التراث وعبر سلطته فيما عرف بحرب النصوص، ويلاحظ أن التراث تحول إلى الحصن الذي يحتمي به المثقف ليؤكد فكرته أو يدافع عن نفسه ويقول من خلاله إنه مهما شطحت في آرائي فهناك من السلف من ذهب أبعد مني. ولذا تم في هذا السياق البحث عن التيارات المهمشة تراثيا والخارجة على السياق والاحتفاء بها.
سلطة التراث والهرب إليه واستخداماته الإيديولوجية ربما لا نجدها في ثقافة أخرى باستثناء العربية وإلقاء نظرة متمعنة على أي عمل ورد ذكره في هذا العرض تؤكد هذا المعني. في الجزء الرابع من مشروع نقد العقل العربي لمحمد عابد الجابري نتوقف أمام مصطلح غريب وعجائبي وهو عنوان الكتاب نفسه العقل الأخلاقي العربي، ووضع العنوان الفرعي مضمون الدراسة على النحو التالي دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية ويعتبر الموضوع جديدا على الذائقة العربية، فلا يوجد تنظير عربي لفلسفة الاخلاق ولكن الكتاب يدور بأكمله حول التأزم السياسي العربي المعاصر عبر إسقاطات تراثية أو من خلال سلطة التراث.
يقسم الجابري الموروثات المؤثرة في نظم القيم العربية إلى خمسة: الموروث الفارسي، الموروث اليوناني ، الموروث الصوفي، الموروث العربي، والموروث الإسلامي. تهيمن على كل قطاع قيمة بارزة هي على التوالي: أخلاق الطاعة، أخلاق السعادة وحقوق المواطن، أخلاق الفناء وهجر العالم، أخلاق المروءة، وأخلاق المصلحة التي هي أساس الحكم. ونستشعر من الكتاب مزجاً توفيقياً بين القيم اليونانية والعربية والإسلامية على مستوى التمني والنوايا الصالحة، بينما يؤكد المؤلف أن الموجود على الارض يتمثل في حقيقة قيم الطاعة والهرب من الدنيا والسبب يرجعه الجابري إلى خطيئة أصلية تمكنت من أرواحنا كما حدث في المسيحية وتتمثل في أحداث الفتنة الكبري والتى على خلفيتها نشأ القمع - الطاعة والهرب من الفاعلية في الحياة، ولا نجاة للعرب إلا بدفن أبيهم أردشير وهي دراسة لا يمكن اعتبارها تدور في أفق الاخلاق بأية حال فضلا عن نتائجها الكابوسية.
بدأت الدراسات التراثية في البحث عن أسباب التراجع الحضاري الذي يعيشه الوطن العربي وانتهت بعد أربعة عقود من البحث المضني إلى تحميلنا وزر خطيئة لم نرتكبها، بدأت للخروج من نفق التخلف وانتهت بنسبية ثقافية ذات مسحة استشراقية. بدأت من أجل الإسهام في حل إشكالياتنا المزمنة فإذا بها تدير ظهرها للواقع وتسقطه من حساباتها وتبدع لنفسها سلطة وعالماً وقيماً لا تمت لحياتنا بصلة، والأكثر مدعاة للأسف أن هذا الخطاب لم يحقق أي تراكم على الصعيد الأكاديمي وإنما يستهلك مقولاته ويعيد اجترارها وتدويرها من دون أن يجرؤ على مراجعة منطلقاته المعرفية وأسسه النظرية.
منطلقات وتجليات
في بداية حقبة السبعينات من القرن الماضي تحول المفتون بالغرب زكي نجيب محمود من التبشير بالوضعية المنطقية إلى التراث فكتب في سنوات قليلة المعقول واللامعقول في تراثنا العربي وتجديد الفكر العربي وفي الكتابين كان هناك بحث محموم عن العقل والعلم والحرية في تراثنا، أي عن النهضة بتعبيرات التأسيس في ثقافتنا الحديثة أو عن الحداثة بتعبيرنا الحالي، ووضع محمود في كتابيه هذين معظم منطلقات التعامل مع التراث وتجلياته وإشكالياته فيما بعد: المعقول في مقابل اللامعقول، التقدم وشروطه في مقابل التخلف وأسبابه.
أرواح مضطربة
متى بدأت المسألة التراثية في خطابنا المعاصر تأخذ هذا الطابع الإشكالي وربما العجائبي؟ يطلق ألبرت حوراني فى كتابه تاريخ الشعوب العربية على المرحلة اللاحقة لنكسة 1967 مرحلة الأرواح المضطربة ويقول كان من شأن أحداث 1967 وعملية التغيير التي تلتها أن تكثف من اضطرابات الروح، ذلك الإحساس بأن العالم قد انقلب، فهزيمة 1967 لم ينظر إليها كمجرد هزيمة عسكرية ولكن كحكم أخلاقي يتضمن أن هناك خطأ ما في المجتمع العربي والقيم التي يؤمن بها، نفس المعنى يذهب إليه جورج طرابيشي، فالعرب هذه المرة لم يستيقظوا على دوي المدافع النابوليونية وانما على قصف الطائرات الإسرائيلية.