د . عارف الشيخ
قلنا في المقال السابق إن نكاح الأقارب كان ولايزال مشروعاً في الأديان السابقة، لاسيما الأديان غير السماوية، وإن اختلفت الأمم في درجة التعاطي مع تلك المشروعية .
- أما الإسلام فاختلفت نظرته للنكاح عموماً، وللهدف منه، لذلك فإنه حرم نكاح المحارم بالاتفاق، أما نكاح الأقارب ففيه تفصيل .
ففي شأن المحارم قال تعالى: "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلك أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما اسمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليماً حكيماً" (الآيتان ،23 24 من سورة النساء) .
وقال تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف" (الآية 22 من سورة النساء) .
- يلاحظ على الآيات أنها وضحت العلاقة بين الرجال والنساء، فمرة داخلة في الممنوع لأنها مَحرم بفتح الميم، ومرة أخرى تدخل في الممنوع لأنها مُحرّم بضم الميم وتشديد الراء .
فالأم والجدة والبنت وبنت الابن، والأخت وبنت الأخت وبنت الأخ هؤلاء من الرضاعة، والربيبة، وزوجة الابن بمجرد العقد، وأم الزوجة بمجرد العقد، وزوجة الأب يحرمن .
هؤلاء يحرم الزواج منهن إلى الأبد، لأنهن محارم إلى الأبد، ونكاح المحارم في الإسلام محرّم بالاتفاق .
- أما الجمع بين الأختين أو الجمع بين المرأة وعمتها أو الجمع بينها وبين خالتها، فلا يصح، لا لأنهن محارم، بل لأنهن محرّمات عليه لقيد وهو الجمع بينهن، ولكن يجوز أن يتزوج أخت زوجته إذا طلق الزوجة مثلاً .
- ويقول الدكتور محمد علي البار: "إن الزواج من الأقارب من الدرجة الأولى، أي الأب مع البنت أو الأم مع الابن، والأخ مع الأخت، محرّم لأنهم يشتركون في نصف الموروث الجينومي، واحتمال وراثة أي جين بنسبة 50%" .
- ونكاح العمّ مع بنت أخيه أو الخال مع بنت أخته، يؤدي إلى الاشتراك في ربع الموروث الجينوبي، ونسبة الإصابة تصل إلى 5 إلى 15% .
- أما نكاح الرجل من بنت العم وبنت العمة وبنت الخال وبنت الخالة، فيؤدي إلى الاشتراك الجينومي بنسبة 8/1 (الثمن)، وتصل نسبة الإصابة بالمرض الوراثي إن وجد إلى 3 أو 5% .
- ومن هنا فإن الله تعالى حرّم نكاح الأقارب من الدرجة الأولى والثانية مطلقاً، وأباح ما بعد ذلك، لأن نسبة الخطورة قليلة، وكلما ابتعدت القرابة أكثر قلّت نسبة الخطورة أكثر، ولذلك من السنة الزواج من غير الأقارب إذا أردت النجابة والسلامة .
- وربما استثني نكاح ما بعد الدرجة الثانية، للمحافظة على التلاحم الأسري والعشائري في المجتمع، وقد تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها، وهي بنت عمته أميمة، وزوّج فاطمة ابنته رضي الله تعالى عنها من ابن عمه علي بن أبي طالب كرّم الله تعالى وجهه ._