لا شك أن تذكر الماضي جزء أساسي من الوجود الإنساني، وبدون عمل الذاكرة بالطريقة الصحيحة، لن يستطيع الإنسان قيادة السيارة إلى عمله، أو التحدث بطريقة مفهومة مع أطفاله، ولاحتى تصفح كتاب . وخلال المئة عام الماضية، استطاع علماء النفس ابتكار تقنيات متقدمة لدراسة القدرة على تذكر الماضي واسترجاع الأحداث بدقة عالية من الناحية العلمية، تنوعت ما بين الاختبارات المعملية المباشرة التي تقيس القدرة على تذكر قائمة طويلة من المفردات، وبين أساليب تصوير الدماغ الحديثة . وأصبح جلياً من الدراسات العديدة التي أجريت بهذا الخصوص، أن ذاكرة الإنسان تحوي الكثير من العناصر المختلفة .
بحسب مجلة نيوساينتست العلمية يوجد ثلاثة أنواع ثانوية للذاكرة، هي الحسية، والقصيرة الأجل، والطويلة الأجل . كما يمكن تصنيف الذاكرة أيضا حسب نوعية المعلومات وطرق استرجاعها .
والذاكرة الحسية هي المناط بها تسجيل كل لحظة في حياة الكائن الحي من خلال أعضائه الحسية كالعين، والأذن، وإعادة إرسالها إلى الجهاز العصبي حيث تتم معالجتها . وتحتفظ الذاكرة الحسية بهذه المعلومات للحظات معدودة .
وكان العالم الألماني جوهان سيغنر من الأوائل الذين حاولوا اكتشاف أسرار الذاكرة في القرن الثامن عشر، وأكمل مسيرته بعد مئة عام، عالم النفس الأمريكي جورج سبيرلنغ، الذي درس قدرة الأشخاص على تذكر صفوف من الحروف الأبجدية أثناء مرورها بسرعة خاطفة على شاشة عرض، فوجد أن تذكرنا للأحداث البصرية العابرة فيما يعرف باسم الذاكرة الأيقونية، يستمر لفترة زمنية لا تتجاوز مئات من الميلمتر ثانية .
وبعد فترة أجرى العلماء دراسات حول الذاكرة السمعية، وتوصلوا إلى أننا نحتفظ برد فعل حول ما نسمعه لعدة ثوان . (يذكر أن الذاكرة السمعية تضعف لدى الأطفال الذين يعانون من تأخر القدرة على الكلام) .
ويعتقد العلماء بأن الأحداث التي يراها الإنسان أو يسمعها تخزن في مناطق الحس والإدراك بالمخ في صورة أنماط عابرة من النشاط الكهربي . وعندما يتبدد هذا النشاط الكهربي، تتلاشى الذاكرة أيضا، وأثناء استمرار عبور هذه الأنماط، فإنها تزود المخ بمعلومات مفصلة حول التجربة الحسية التي تعرض لها الإنسان، ويستخلص منها قدر من المعلومات ترسل إلى الذاكرة قصيرة الأجل ليتم معالجتها فيما بعد .
وتختلف ذاكرة الإنسان عن الدي في دي، وعن قرص الكمبيوتر الصلب، فذاكرتنا لا تعيد الخبرات السابقة بالصورة التي حدثت بها نفسها، ولكن هناك أجزاء من المعلومات تلتصق بالمخ، في حين تتلاشى أجزاء أخرى أو تتشوه . وخلال العقود القليلة الماضية، توصل الباحثون إلى تفهم جيد للعوامل التي تؤثر في محتوى الذاكرة .
ومن الممكن، بحسب العلماء تضليل الذاكرة، فمثلاً، إذا حدث وشاهدت حادثاً مرورياً، وسئلت فيما بعد هل توقفت السيارة قبل الشجرة أم بعدها؟ فمن المحتمل جداً إدخال صورة شجرة إلى الذاكرة، حتى وان لم تكن هناك شجرة ضمن مشهد الحادث .
ويدلل ذلك على أنه عند محاولتنا استرجاع حدث ما، فإننا نعيد معالجة المعلومات، ومن الممكن حدوث خطأ أثناء المعالجة .
وتوصلت اليزابيث لوفتاس وزملاؤها في جامعة كاليفورنيا في غيرفين إلى أن للذاكرة المضللة تأثيرات كبيرة في الأوساط القضائية، إذ أثبتت تجارب كثيرة أنه يمكن تشويه الشهادات التي يدلي بها الشهود في القضايا المختلفة باستخدام أسئلة مضللة . وعلى الجانب الإيجابي، توصلت أبحاثهم إلى قدرة أجهزة الشرطة والمحامين والقضاة على صياغة السؤال بطريقة تضمن الحصول على إجابات موثوقة .
وترتبط الذاكرة المستعادة والذاكرة الزائفة بالتأثير المضلل للذاكرة .
قاد فريق من الباحثين في جامعة واشنطن في سانت لويس بولاية ميسوري، بقيادة هنري رويديجر وكاثلين مكديرموت، بحثاً توصلوا من خلاله إلى سهولة تشكل الذاكرة الزائفة . إذ يمكن تشجيع الفرد على تذكر شيء مرتبط معناه بسلسلة من الأشياء لم يكن هو ضمنها . فالمعلومات المضللة يمكنها تشكيل ذاكرة للأحداث الشخصية التي يعتقد الفرد اعتقاداً راسخاً أنها حدثت له في وقت ما في الماضي بالرغم من أنها لم تحدث قط .
وفي إحدى التجارب الشهيرة، أقنعت لوفتاس المشاركين أنهم قد رأوا إحدى شخصيات ديزني بغ بيرني في ديزني لاند، بالرغم من أن ما رأوه في الحقيقة كانت شخصية مختلفة تماماً .
ومحاولة استرجاع الذكريات المكبوتة من مريض مستلق على أريكة الطبيب النفسي تؤدي إلى جعله يسترجع أحداثاً خيالية . وبحسب العلماء فهناك عوامل تشفير ومعالجة كثيرة مهمة تؤثر في قدرتنا على التذكر، منها طريقة معالجتنا للمعلومات أثناء تشفيرها .
وفي السبعينات وصف فيرجس كريك وروبرت لوكهارت من جامعة تورنتو في كندا مستويات مختلفة لمعالجة البيانات، أبسطها المعالجات السطحية التي تتعامل مع الخصائص الفيزيقية للشيء المراد تذكره، وأكثرها تعقيداً تلك المعالجات العميقة التي تحاول سبر غور الأشياء لاستكشاف تفاصيلها الدقيقة .
فإذا طلب إليك مثلاً، دراسة قائمة من المفردات، ثم سئلت تعريفاً لكل مفردة حسبما درست، فاحتمال تذكرك للقائمة هنا أكبر من احتمال تذكرك لعدد حروف العلة في كل كلمة فيها . ويثبت ذلك أن المعالجة العميقة تساعد الذاكرة، علاوة على أنها تؤكد حقيقة أننا عناصر ايجابية في عملية التذكر .
كما يمكن أن يؤثر السياق أو البيئة المحيطة في الذاكرة، فعلى سبيل المثال، أثبتت إحدى الدراسات الشهيرة التي طلب فيها إلى مجموعة من الغواصين تذكر أحداث مروا بها على الشاطئ وتحت سطح الماء . ثم طلب إليهم تذكر المعلومات نفسها في وقت لاحق، ولكن مع تغيير البيئة المحيطة بهم . وثبت أن عملية التذكر لديهم كانت أفضل عندما عقدت جلسات التعلم والاختبار في بيئة مماثلة، إذ تذكروا معلومات حصلوها تحت الماء عندما سئلوا تحت الماء، كما تذكروا جيداً معلومات عن وجودهم على اليابسة عندما عقد الاختبار على اليابسة .
ويمكن أن تؤثر الحالة البدنية والنفسية في جودة عملية التذكر، ولهذا أهميته بالنسبة للطلاب، فإذا راجع الطالب دروسه وهو في حالة من الهدوء، ثم فوجئ بتعرضه لموقف مزعج أثار فيه القلق أثناء خضوعه للاختبار، فلن يتمكن من تذكر المعلومات جيداً، إذا ما قورن بطالب راجع دروسه في هدوء لايقل عن الهدوء الذي ساد مكان الاختبار .
تبقى أحداث معينة لصيقة في ذاكرتنا لسنوات عدة، إذا كانت هذه الإحداث غير عادية أو مرتبطة بعواطف قوية، مثل اغتيال الرئيس الأمريكي جون كيندي في ،1963 ومصرع الاميرة ديانا في ،1997 وأحداث الحادي عشر من سبتمبر . ويمكن أن يتذكر الفرد المكان الذي وجد فيه، والأشخاص الذين التقاهم عند سماع هذه الأخبار، ولو بعد عشرات السنين . وهذه هي الذاكرة الفلاشية .
الذاكرة التعزيزية
وهناك ظاهرة أخرى تسمى التذكر المعزز، وتشير إلى ثراء الذكريات التي تتشكل لدينا وتخزن في أدمغتنا في فترة ما بين المراهقة ومرحلة البلوغ المبكرة . فعندما نكبر نتذكر أحداثاً مررنا بها في تلك المرحلة أفضل من أي مرحلة أخرى من حياتنا، سواء كانت قبل هذه المرحلة أو بعدها . ويعزو العلماء ذلك إلى أهمية الأحداث والخبرات العاطفية التي يمر بها الحدث خلال تلك المرحلة، كأن يتزوج مثلاً، أو يصبح أباً، إضافة إلى الأحداث المصيرية مثل العثور على عمل لأول مرة، أو التخرج في الجامعة .
وتثير الذاكرة الفلاشية والذاكرة التعزيزية جدلاً واسعاً بين العلماء، ففريق منهم يقول إن المعلومات التفصيلية التي نسترجعها من الذاكرة الفلاشية ربما نكون قد استقيناها من معلوماتنا العامة عن الحدث، فربما نستعيد صورة للحادث المروري الذي أودى بحياة الأميرة ديانا، بسبب رؤيته مراراً عبر وسائل الإعلام منذ 1997 .
هل يمكن تحسين عملية التذكر؟
كثيراً ما تخذلنا الذاكرة، فننسى حقائق مهمة من حين إلى آخر . لكن في أخطر حالات فقدان الذاكرة ينسى الفرد أحداثاً تعرض لها في الماضي القريب، بصرف النظر عن قوة هذه الأحداث وأهميتها في حياته . وربما يساعد الفهم الجيد لفشل الذاكرة الباحثين في تكوين فكرة عن الطريقة التي تتكون بها الذكريات لدينا، وكيفية استردادها . ولايستطيع أي منا تطوير الآلة البيولوجية المختصة بالذاكرة، بالرغم من سهولة تدميرها بطرق عدة عبر إصابة ما مثلاً . وهناك مجموعة من العقاقير تعرف بالعقاقير الذكية والمواد الكيميائية العصبية التي قيل إنها تحسن وظائف الدوائر العصبية المسؤولة عن الذاكرة . وبالرغم من أن بعض هذه المواد اثبت فاعليته في مساعدة المرضى الذين يعانون من مشكلات في الذاكرة بسبب تلف دماغي أو الإصابة بمرض ما، فإن آثارها على الأصحاء غير مضمونة العواقب بالمرة .
ويؤكد الاختصاصيون أن استخدام الذاكرة بالطريقة الأمثل يتم باتباع نمط حياتي سليم صحياً، والحرص على تناول الأطعمة الصحية، وتعلم فنون الاستذكار، المعروفة من آلاف السنوات، التي تعتمد أغلبيتها في الأساس على مبدأي التقليل او التفصيل، فشفرة التقليل تخفض كم المعلومات المفترض استرجاعها (عبر أوائل حروف الكلمات وهي الطريقة المتبعة مع الأطفال لتساعدهم في تذكر الألوان وقوس قزح) . اما شفرة التفصيل تزيد كم المعلومات المطلوب الاحتفاظ بها ربما من خلال عبارة جذابة .
فإذا كان لنمط الحياة الصحي والغذاء الجيد آثار إيجابية في عملية التذكر، فلماذا ننسى إذن؟
يشير العلماء إلى أن أي ذاكرة تحتاج للقيام بأشياء ثلاثة بحرفية عالية: تشفير المعلومات، ثم قولبتها في شكل ثابت ومستقر، وأخيراً تخزينها بأمانة وبطريقة يسهل استرجاعها عند الحاجة، وتخطي أي من هذه المراحل يؤدي إلى النسيان .
إذن فقلة التركيز أو عدم الانتباه، من الممكن أن يؤديا إلى فشل في الذاكرة عند مرحلة التشفير، بينما مشكلات تخزين المعلومات بسبب إصابة ما بالمخ، يمكن أن تؤدي إلى فقدان المعلومات المشفرة . كما يمكن أن تصاب الذاكرة بتشوش نتيجة تداخل المعلومات المخزنة ربما بسبب تخزينها في تجمعات عصبية متداخلة .
وغالباً ما يحدث فشل في عملية التذكر بسبب خلل في لوغاريتمات البحث في الدماغ، ما يؤدي إلى مشكلات في التمييز بين الإشارات العصبية . وفي بعض الأحيان نفشل في تذكر اسم شخص ما عند لقائه، ونتذكره بعدها بساعات .