إعداد: إبراهيم باهو
تتعدد أسرار البحار والمحيطات، ويقف الإنسان عاجزاً عن اكتشاف أعماقها السحيقة المملوءة بالكنوز والظواهر الحيوية التي لطالما تعجبنا منها ووقفنا مذهولين أمام رؤية أجزاء ضئيلة مما تختزنه من عجائب، من هنا يحاول العلماء دوماً وبشتى الوسائل المتاحة فك شيفرة الأعماق السحيقة لها، وآخر ما توصلوا إليه هو عثورهم على تيارات مائية في مضيق البوسفور الذي يصل البحر الأسود ببحر مرمرة بين آسيا وأوروبا، جارية في قاع البحر ومشكلة قناة شبيهة بالضبط كتلك الأنهار التي تجري على اليابسة .
ويقول العلماء بحسب مجلة نيوساينتست "واعتماداً على دراسة بريطانية أجريت عام 2010 أكدت أن النهر الغامض له مصارف ومنحدرات ويصل عرضه في بعض المناطق إلى 1 كيلومتر، ويقدرون أنه لو كان موجوداً على سطح الأرض لأصبح سادس أكبر نهر في العالم من حيث كمية الماء الجارية فيه، بعد الأمازون والغانج والكونغو واليانغتسي وأورينوكو" .
وعلى الرغم من هذا فإن الأشخاص الذين يعبرون البحر الأسود لا يدركون وجود نهر عملاق يجري تحتهم ويبلغ طوله نحو 70 كيلومتراً قبل أن يصل إلى مناطق منحدرة ومساقط مائية تشبه المصب النهري على اليابسة .
حتى الآن لم تتم تسمية النهر الغامض الذي عثر عليه العلماء منذ بضع سنوات، إلا أنه يبدو ظاهرة محيرة وسراً من الأسرار الدفينة في قاع المحيطات والبحار، ويقول العلماء إنه يوجد في الأعماق السحيقة عدد لا يحصى من الأنهر، بعضها تبلغ مسافاتها آلاف الكيلومترات وأعماقها بالمئات وعرضها بالعشرات .
النهر المكتشف في أعماق البحر الأسود يقارب عمقه في بعض المناطق 3 أمتار ونصف، وتتخلل مجراه مناطق منحدرة يسرع فيها التيار، شبيهة بمثيلاتها على الأرض، ويقول علماء البحار والمحيطات إن الاكتشاف سهل عليهم وضع تفسيرات لكيفية تمكن الأحياء من مواصلة البقاء في المناطق العميقة، بعيداً عن المياه الغنية بالعناصر الغذائية التي لا تتوافر إلا في المناطق القريبة من اليابسة .
يعد النهر بمثابة شرايين البحر، لما له دور في نقل الرواسب والعناصر الغذائية والأوكسجين والنيتروجين اللازم لاستمرار الأحياء في الأعماق السحيقة .
تبدو آليه عمل هذه الأنهر الخفية غامضاً، ولا يستطيع العلماء إجراء دراسة مستفيضة لهذه الظواهر الطبيعية، بسبب عدم قدرة الأقمار الصناعية والرادارات الوصول إلى قاع البحر ومراقبته، لذلك يستعينون بالغواصات الصغيرة الروبوتية، وهو ما قام به مجموعة من العلماء من جامعة ليدز في بريطانيا في دراستهم لظاهرة النهر في البحر الأسود .
وجدت المجموعة أن النهر ذو مياه عالية الملوحة يجري داخل قناة ممتدة في قاع البحر الأسود صانعاً بذلك لنفسه ضفافاً وسهولاً رسوبية بالضبط مثلما تفعل أنهار اليابسة .
ويقول د . دان بارسونز من مدرسة الأرض والبيئة التابعة لنفس الجامعة: "الماء الذي يجري في تلك القنوات أعلى كثافة من مياه البحر المحيطة به لأن تركيز الملح فيه أعلى، ولأنه يحمل كميات كبيرة من الرواسب معه، وهو يمضي في جريانه على امتداد الرف البحري حتى يسقط في هاوية السهل العميق، مثلما يفعل النهر الأرضي" .
النهر الذي اكتشفه د . بارسونز وزملاؤه، منبعه مياه عالية الملوحة تتسرب من البحر الأبيض المتوسط وتنفذ عبر مضيق البوسفور إلى البحر الأسود حيث الماء أقل ملوحة، هذا الفرق يجعل الماء الآتي من البحر الأبيض قادراً على الجريان كأي نهر على قاع البحر، شاقاً بذلك لنفسه قناة ذات ضفاف .
ويعتقد الدكتور بارسونز أن البيانات التي حصلوا عليها من بحثهم ستكون لها أهميتها أيضاً بالنسبة لشركات النفط التي تسعى للتنقيب في المناطق التي تتواجد فيها مثل هذه الأنهار .
ويعتبر هذا النهر الوحيد الفعال الذي اكتشف تحت البحر إلى اليوم، على الرغم من أنه كانت لدى العلماء منذ وقت طويل ظنون باحتمال وجود مثل هذه الأنهار، من خلال الكشف الذي كانوا يقومون به "كالمسح بالموجات فوق الصوتية" لقيعان البحار، والتي كانت تثبت وجود قنوات تمتد وتتعرج في كثير من بحار العالم ومحيطاته، إلا أنهم لم يتمكنوا من العثور قبل على قناة فيها تيار ماء جارٍ .
وجد د . بارسونز أن نهر البحر الأسود المذكور يجري بسرعة تبلغ 5 .6 كيلومتر في الساعة تقريباً وبمعدل حجم 22 ألف متر مكعب في كل ثانية، أي 350 ضعفاً لما يجري في نهر التايمز، و10 أضعاف ما يجري في نهر الراين، أكبر أنهار قارة أوروبا .
ويقول العالم بارسونز: "إنها المرة الأولى التي نتمكن بها من إثبات أن ثمة تياراً يجري عبر نظام القنوات الطبيعية" .