"رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا انك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفارا" (سورة نوح: الآيتان 26-27) .
أن تفقد الأمل فى إصلاح أهل الأرض وهدايتهم، بل لا تنتظر أن يأتى من ذريتهم من يكون فيه الخير والصلاح، غضب وإحباط ما بعده إحباط، هذه حال نوح عليه السلام، فبعد دعوة استمرت ما يقرب من ألف سنة، لم تفلح معهم سبل الدعوة والإصلاح بل يزدادون كفرا وعنادا وسخرية مما توعدهم به من عذاب، ولم يكن هناك بد من الوقوف لهم والقضاء عليهم وكيف يكون السبيل إلى ذلك وهو وحيد لا يملك، سوى اللجوء إلى القادر الجبار، والدعاء لنصرة الحق على الباطل؟ وكان القبول .
عبد شكور
يقول ابن كثير فى كتابه "قصص الأنبياء": "ولد سيدنا نوح عليه السلام بعد وفاة آدم بمئة وست وعشرين سنة فيما "ذكره ابن جرير"، وهو أول الرسل إلى الأرض وكان أطول الأنبياء عمراً، وهو ثانى من تنشق عنه الأرض يوم البعث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم" . وقال ابن ماجه، عن أبي فراس، إنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "صام نوح الدهر إلا يوم عيد الفطر وعيد الأضحى" . وقد شب نوح عليه السلام على فطرة التدين بداخله، فعلى الرغم من أن والده لم يكن من المتدينين، إلا أن نوحاً لم يجبر على الركوع أو السجود للأصنام التي كان يعبدها قومه وهذا لعصمة الأنبياء، حتى في طفولتهم أو مراحل شبابهم . فكان نوح عليه السلام إذا استيقظ أو نام أو شرب أو أكل أو لبس ملابسه أو خرج أو دخل يشكر الله ويحمده ويذكر نعمته عليه ولهذا قال الله تعالى عن نوح "إنه كان عبداً شكورا" (سورة الإسراء: الآية 3) .
قوم مجرمون
ويقول صفوت جودة أحمد في كتاب "الأنبياء في القرآن الكريم": "أرسل الله تعالى نوحاً عليه السلام لقومه يدعوهم إلى عبادة الله وأنه لا شريك له في الملك وينذرهم بأن من يخالفه ويعصي أمره الذي أرسله الله به يتوعده بعذاب عظيم وأليم" .
ذكر نوح قومه بآيات الله في الكون ورغبهم في الإيمان بالله وأن الثواب في الدنيا والآخرة لمن أطاع الله ورسله، لكنهم أصروا على تكذيبه، بل وهددوه بالرجم إذا لم يكف عما يدعوهم إليه، وأخذوا يعذبونه ويضربونه كلما دعاهم إلى أمر من أوامر الله عز وجل .
بقي النبى الكريم نوح يؤذى ويعذب من قومه ولا يدعو عليهم، بل يدعو لهم بالهداية ويأمل فيهم وفى أبنائهم الخير والصلاح . ولبث نوح في دعواه داعياً ومذكراً وناصحاً لهم ، لكنهم جيلاً بعد الآخر كذبوه وعذبوه وعصوه في كل ما دعا إليه من عند الله، ثم بدأ ينذرهم بعذاب الله وإنزاله بهم، فأصروا على كفرهم، فكرر عليهم دعوة الإيمان . فضاقوا به وازدادوا في عنادهم وتحديهم له .
واستمر نوح عليه السلام يدعو قومه إلى عبادة الله وحده وترك الشرك مدة طويلة جداَ، ويدل على ذلك ما جاء في قوله تعالى "ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً" . (سورة العنكبوت الآية 14)، ولم يزد عدد المؤمنين بدعوته في تلك المدة وإنما ازداد عدد الكافرين المعاندين له والساخطين عليه والمناوئين له .
إصرار على الكفر
ظل نوح عليه السلام يدعو قومه يحدوه أمل بأن يهتدوا . . ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي فى كتاب "قصص الأنبياء"، حزن نوح عليه السلام أشد الحزن على جحود قومه وعنادهم في مخالفته لما يدعوهم إليه وإيذائهم له وإرهابهم للضعفاء من أتباعه حتى لا يؤمنوا بدعوته، غير أنه لم يفقد الأمل في هدايتهم وظل يدعو قومه ويجادلهم بأقوى الأدلة المقنعة بعظمة الله وجلاله، لكن قوم نوح كانوا أشد عليه من الأمم اللاحقة، كانوا أظلم الناس وأكثرهم تمرداً وكفراً وعصياناً، وكذبوه وقالوا إنه مجنون . وبعد أن ملوا من جدال نوح عليه السلام طلبوا أن ينزل بهم العذاب الذى أنذرهم به، وقد استبطأوا مجيء هذا العذاب نظراً لطول المدة التى عاش بينهم فيها نوح عليه السلام وطلبوا منه أن يأتيهم بالعذاب الذي توعدهم به إن كان صادقاً في أمره . وكأنهم - بهذا القول - قد أخرجوا نوحاً مخرج من بيده أن يأتي بالعذاب، وهذه مسألة لا يملكها نوح بل هي ملك لله سبحانه وتعالى . ولذلك نبههم نوح عليه السلام إلى أن الحق سبحانه هو الذي يقدر للعذاب آوانا، ويقدر لكل تعذيب ميلاداً، وهم لن يعجزوا الله تعالى ولن يفلتوا منه، لأنه لا توجد قوة فى الكون يمكن أن تمنع مشيئة الله تعالى .
نهاية عادلة
ضاق بهم نوح عليه السلام واشتكى إلى الله وطلب منه آن يفصل في أمرهم وقد أخبر الله نوحاً بأنه لن يؤمن به من قومه سوى نفر قليل، وأمره بألا يحزن "وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون" (سورة هود الآية 36) وعلم نوح أنه لا فائدة من دعوتهم إلى الهدى ولا حتى من بقائهم على الأرض أحياء لأنهم سيعملون في نشر الكفر في نسلهم ونسل نسلهم .
وبعد ألف عام إلا خمسين من جدال نوح عليه السلام لقومه، توجه إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء عليهم وطلب من الله أن يبيدهم . فقد دعاهم إلى الإيمان زماناً طويلاً فلم يستجيبوا: "وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا، إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً" (سورة نوح: الآيتان 26-27) . وهكذا دعا سيدنا نوح عليهم دعاء غضب فلبى الله دعوته وأجاب طلبه وأهلك الكافرين، قال تعالى "ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم، ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا، إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين" (سورة الأنبياء: الآيتان ،76 77) .