في ظل ضعف الدولة العباسية اجتاح الصليبيون العالم الإسلامي، واحتلوا بيت المقدس، وأجزاء كبيرة من الشام، وما لبثت راية الجهاد حتى ارتفعت من جديد من أجل تحرير الشام من براثن الصليبيين على يد شخصيات كتبت اسمها في التاريخ، أبرزهم القائد صلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، وسيف الدين قطز، والمنصور قلاوون ونجلاه، وكان نور الدين محمود، ابن عماد الدين زنكي، مؤسس الدولة الزنكية، من أعظم قادة المسلمين الذين حاربوا الصليبيين في الشام، ووقفوا أمام الدولة الفاطمية في مصر، ووصفه المؤرخون بأنه أعدل وأعظم الحكام المسلمين بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز.
وُلِدَ نور الدين محمود في يوم الأحد 17 شوال سنة 511ه الموافق 1118م بحلب، وهو الابن الثاني لعماد الدين زنكي، وقد نشأ في كفالة والده صاحب حلب والموصل وغيرهما، تعلم القرآن والفروسية والرمي، وحكم حلب بعد وفاة والده، وقام بتوسيع إمارته بشكل تدريجي، ورث عن أبيه مشروع محاربة الصليبيين.
اعتنى نور الدين بمصالح الرعية، فأسقط ما كان يؤخذ من المكوس، وأعطى عرب البادية إقطاعيات لئلا يتعرضوا للحجاج، وقام بتحصين بلاد الشام وبنى الأسوار على مدنها، وبنى مدارس كثيرة منها العادلية والنورية ودار الحديث، ويعتبر نور الدين أول من بنى مدرسة للحديث، وقام ببناء الجامع النوري بالموصل، وبنى الخانات في الطرق.
توحيد الصف والهدف
وكان متواضعاً مهيباً وقوراً، يكرم العلماء، وكان فقيهاً على المذهب الحنفي، فكان يجلس في كل أسبوع أربعة أيام يحضر الفقهاء عنده، ويأمر بإزالة الحجاب حتى يصل إليه من يشاء، ويسأل الفقهاء عمّا يُشكل عليه، ووقف نور الدين كتباً كثيرة ليقرأها الناس، وقال عنه ابن الأثير: «طالعت تواريخ الملوك المتقدمين قبل الإسلام وفيه إلى يومنا هذا، فلم أرَ بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبدالعزيز أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين، ولا أكثر تحرياً للعدل والإنصاف منه. قد قصر ليله ونهاره على عدل ينشره، وجهاد يتجهز له، ومظلمة يزيلها، وعبادة يقوم بها، وإحسان يوليه، وإنعام يسديه، فنور الدين رحمه الله لم يأبه بأبهة الحكم والسلطان ولم يتقاضَ راتباً من بيت مال المسلمين، وإنما كان يأكل ويلبس هو وأهله من ماله الخاص، ولم يكن له بيت يسكنه، وإنما كان مقامه في غرفة في قلعة قد اشتراها من ماله، يحل فيها عندما يعود من ساحة الجهاد».
كان نور الدين محمود وهو في الثلاثين من عمره واضح الرؤية والهدف منذ أن تسلم الحكم حتى يوم وفاته، إذ كان عليه واجب الجهاد لتحرير الأرض من الصليبيين المعتدين وعلى رأسها بيت المقدس، وأدرك أنه يجب أن يعمل أولاً على توحيد بلاد الشام ومصر وكان التوحيد في نظره يتضمن توحيد الصف والهدف في آن واحد، فأما توحيد الصف فهو جمع بلاد الشام ومصر في إطار سلطة سياسية واحدة، وأما توحيد الهدف فهو جمع المسلمين تحت راية مذهب واحد هو مذهب أهل السنة.
معركة «حارم»
وكان صادق الإخلاص لله في حربه على الصليبيين وجهاده في نصرة الإسلام والمسلمين، ويروى أنه عندما التقت قوات نور الدين في «حارم» بالصليبيين الذين كانوا يفوقونهم عُدة وعدداً، انفرد نور الدين رحمه الله تحت«تل حارم»، وسجد لربه عز وجل، ومرّغ وجهه، وتضرع وقال: «يا رب هؤلاء عبيدك وهم أولياؤك، وهؤلاء عبيدك وهم أعداؤك، فانصر أولياءك على أعدائك، أيش فضول محمود في الوسط؟)، ويقول أبو شامة: (يشير نور الدين هنا إلى أنك يا رب إن نصرت المسلمين فدينك نصرت، فلا تمنعهم النصر بسبب محمود إن كان غير مستحق للنصر، وانتهت المعركة بنصر حاسم للمسلمين.
وكان نور الدين قد استهل حكمه بالقيام ببعض الهجمات على إمارة أنطاكية الصليبية، واستولى على عدة قلاع في شمال الشام، ثم قضى على محاولة (جوسلين الثاني) لاستعادة الرها التي فتحها عماد الدين زنكي، وكانت هزيمة الصليبيين في الرّها أشد من هزيمتهم الأولى، وهزم الحملة الصليبية الثانية في سنة 1147م بزعامة لويس السابع وكونراد الثالث، ثم تمكن من ضم دمشق إلى ملكه، ثم أرسل صلاح الدين الأيوبي وأسد الدين شيركوه، إلى مصر، لضمها إليه، وتولى شيركوه، الوزارة للخليفة العاضد آخر الخلفاء الفاطميين، على أنه لم يلبث أن توفي بعد شهرين فخلفه في الوزارة صلاح الدين الأيوبي، ونجح في إقامة الأمن واستتباب الأمور وتثبيت أقدامه في البلاد، وجاءت الفرصة المناسبة لإسقاط دولة الفاطميين.
دوي هائل
وبنجاح نور الدين في ضم مصر إلى جبهة الكفاح، يكون قد حقق الحلقة الأخيرة من حلقات الجبهة الإسلامية تمهيداً للضربة القاضية، وكان لدخول مصر تحت حكم دولة نور الدين محمود دويٌّ هائل، لا في مملكة بيت المقدس وحدها بل في الغرب الأوروبي كله، وارتفعت الأصوات لإرسال حملة جديدة تعيد للصليبيين في الشام هيبتهم وسلطانهم، وتوجه لمصر ضربات قوية، غير أن حملتهم على مصر لم تحقق أهدافها ليقظة صلاح الدين في مصر.
استطاع نور الدين أن يبني جبهة داخلية قوية متماسكة، ومجتمعاً يسوده قيم العدل والمساواة، ويقوم على أسسٍ من شرع الله، وله في ذلك أقوال مأثورة منها: «إن الله خلق الخلق وشرع لهم شريعة وهو أعلم بما يصلحهم، ولو علم أن في الشريعة زيادة في المصلحة لشرعها لنا فلا حاجة بنا إلى الزيادة على ما شرعه الله تعالى، فمن زاد فقد زعم أن الشريعة ناقصة، فهو يكملها بزيادته، وهذا من الجرأة على الله وعلى ما شرعه، والعقول المظلمة لا تهتدي، والله سبحانه يهدينا وإياك إلى صراط مستقيم».
كانت قضيته الأولى تحرير ديار المسلمين من دنس الفرنجة المحتلين لأراضي المسلمين، وكان يردد على مسامع المحيطين به: «إني لأستحي من الله تعالى أن يراني مبتسماً والمسلمون محاصرون بالفرنج». أسس نور الدين مجتمعاً قاعدته الإيمان بالله وهدفه الجهاد في سبيل الله، ووسيلته حشد قوى المسلمين جميعها لقتال أعداء الدين، وحقق الكثير من الانتصارات، وظل يقاتل في سبيل الله حتى جمعوا الغبار الذي اجتمع له في المعارك من ثيابه، ومن خوذه، وملابسه وعلى فرسه؛ وصنعوا منه لبنة جعلت عند رأسه في القبر، وتوسدها رضي الله عنه وأرضاه.