تساؤلات كثيرة ملأى بالحيرة يرددها الآباء والأمهات في أحاديثهم وجلساتهم مع الأصدقاء، وبخاصة أولئك الذين تتراوح أعمار أبنائهم ما بين الثانية والرابعة، ومازال أطفالهم ينامون في أسرّتهم اعتقاداً منهم أن هذا التصرف يبقيهم أكثر قرباً إلى أبنائهم ويشبعهم بالعواطف التي يحتاجون إليها . وزادت التساؤلات خصوصاً بعد انتشار نظريات التربية الحديثة، والتي تدعو بدورها إلى وجوب تساهل الوالدين بهذا الأمر والاستجابة إلى فطرتهم وغريزتهم في تربية أبنائهم، وترى النظريات أنه لا مانع من أن ينام الطفل في سرير والديه إلى أن يصبح مستعداً للانتقال إلى غرفته الخاصة من دون أن تحدد عمراً معيناً له . وتعد هذه النظريات مغايرة لكل النظريات التي تشدد على ضرورة أن ينام الطفل في سرير مستقل وفي غرفته الخاصة في عمر مبكر جداً .
نيرمين جنيدي، مدرسة فنون جميلة وأم لولدين، تقول: أرى أنه يجب أن يعتاد الطفل على النوم في سرير منذ البداية، وأنا أقول هذا بعد تجربة عانيتها مع ابني الذي اعتاد على النوم إلى جانبي في السرير، نظراً لاضطرار والده للسفر لفترات طويلة، فقد كنت أتساهل بالأمر، لكن للأسف وجدت أن هذا يجعل الطفل يعتاد على الاتكالية ويصبح عرضة للخوف .
وتضيف: ابني صار يشعر بالخوف عندما أصمم على أن ينام في غرفته، فأجده يقف على باب غرفتي عند الفجر وهو يبكي خائفاً، ويقول إنه يرى أشباحاً في الغرفة ويتخيل وحوشاً تتحرك على السقف، فأشعر بالذنب وأستسلم بسهولة أمام دموعه لأحتضنه وأدعه ينام إلى جانبي مجدداً .
والمشكلة أن الطفل كلما كبر في السن يزداد تعلقه بالأبوين ويصبح من الصعب أن يقتنع بضرورة النوم في سرير منفصل وفي غرفة أخرى، وابني مايزال حتى الآن يكره أن ينام بعيداً عني مع أنه يبلغ أحد عشر عاماً .
أما منصور عجلان، المختص في بيع الألعاب التعليمية للأطفال، فيرى أنه في الفترة الأولى يكون نوم الطفل في سرير الأب والأم ممتعاً بالنسبة إليهما، وبالنسبة إلى الطفل فهو يشعر بالأمان وبقربه من أمه خصوصاً . ويقول: أعتقد أن حنان الأم أيضاً يتأثر بقربها من طفلها الرضيع حيث تكون أكثر تواصلاً معه وحناناً، وهذا يجعل الطفل ينمو من الناحية العاطفية بشكل أفضل . أما عندما يكمل الطفل عامه الأول فيجب أن يتهيأ الأهل لنقله بشكل تدريجي إلى غرفة أخرى ينام فيها حتى يعتاد الأمر، كأن ينام الطفل في مكان معين وبعدها ينقلانه إلى غرفته وهو نائم أو أن ينام إلى جانب الأم ثم تقوم بنقله إلى غرفته .
وأنا أب لثلاثة أطفال ولم أجد صعوبة في نقل أي منهم إلى غرفتهم الخاصة، لأن انتقالهم في عمر مبكر يكون أسهل حسب اعتقادي .
خلود عمر تتحدث عن تجربتها مع ابنتها الوحيدة قائلة: أشعر بالسعادة عندما تنام في حضني، وخصوصاً عندما تقبلني وتطلب مني أن أبقى بقربها، حينها أشعر بمشاعر الأمومة تفيض في قلبي .
وزوجي أيضاً يشعر بالسعادة لنومها إلى جانبنا فهو متعلق بها جداً، خصوصاً أنها ابنتنا الوحيدة . أما بالنسبة إلى انتقال الطفل للنوم في غرفته الخاصة فأعتقد أن عمر سنتين هو الأنسب، لكنني مازلت غير مهيأة للانتقال إلى هذه الخطوة عملياً مع أن ابنتي الآن لديها ثلاث سنوات وبضعة أشهر، ولكنني أخاف عليها كثيراً ولم أستطع أن أدعها تنام في غرفتها وحدها، إضافة إلى أنها أيضاً لم تستسغ أمر الانتقال إلى النوم في غرفتها، ولكنها بدأت تنام في سرير إلى جانبنا منذ ستة أشهر تقريباً، وهذه خطوة انتقالية ربما، وبدأت منذ فترة أدعها تشعر بالانتماء لغرفتها وتحبها .
ويرى عزمي عدلي من خلال تجربته أن الطفل يجب أن ينام في سريره الخاص، وفي غرفة مستقلة، ويقول: هذا ما فعلناه مع ابنتي ذات الثلاث سنوات، فقد عودناها أن تنام في سريرها منذ البداية، ولكنها في بعض الأحيان تصحو في الليل وتقصد سريرنا عندما تشعر بالخوف أو عندما يخطر لها أن تنام إلى جوارنا، وعندها أعرف أني لن أنام فهي كثيرة الحركة أثناء النوم إضافة إلى أنها لا تجب الأغطية، وعلى هذا النحو أذهب إلى عملي في الصباح معكراً بسبب نومها إلى جانبي .
سعد الصالح لديه ابن في الرابعة، يحدثنا عن تجربته قائلاً: يجب أن ينام الطفل مع والديه ليكتفي من عاطفتهما، وليشبع حاجته إلى الحنان والأمان بقربهما، مما يجعله ينضج عاطفياً ويصبح أكثر ارتباطاً بأبويه، خصوصاً عندما يكون الأب والأم منشغلين في العمل، مما يجعله محروماً من حضورهما أغلب الوقت، ولهذا أظن أن نومه قربهما يعوضه عن هذا الغياب . وأما بالنسبة إلى انتقال الطفل إلى غرفته الخاصة، فأرى أنه في مرحلة دخول المدرسة أو الحضانة سيكون مهيّأً للشعور بالاستقلالية، وعندها سوف يدرك معنى أن تكون له حياته الخاصة بعيداً عن رعاية والديه المباشرة .
د . علي الحرجان، استشاري الطب النفسي في الشارقة، يقول: بحسب علم النفس وبحسب خبرتي طبيباً نفسياً يجب أن يعتاد الطفل منذ البداية على النوم في سريره الخاص، ويجب ألا ينام في سرير الأب والأم نهائياً .
ليس هناك مانع من أن يوضع سرير الطفل في الفترة الأولى في غرفة الأب والأم، على أن ينتقل إلى غرفته الخاصة أو غرفة أخرى مع اخوته حسب إمكانات العائلة في السنة الثانية من العمر، فهذا يجعله يعتاد على الاستقلالية ويعتاد النوم وحده ليطرد كل عوامل الخوف والقلق التي يعانيها الأطفال عادة .
للأسف البعض من الناس لمحبتهم الزائدة بالطفل يجعلونه ينام إلى جانبهم في السرير، وبالتالي يصبح ذلك نظاماً بالنسبة إليه، فيجد صعوبة أن ينتقل إلى نظام آخر ويعتاد النوم في سريره وفي غرفته، ووقتها يجد الأهل صعوبة في إقناعه بالانتقال والعيش وحده .
ويضيف: هناك الكثير من الحالات التي تأتينا إلى العيادة لعلاج هذه المشكلة، حيث يبلغ الطفل خمس سنوات أو ست ويجد صعوبة في الانتقال إلى غرفته، إذ تنمو لديه الأفكار الخطأ كالخوف وكره الظلام، أو يتخيل بعض الأفكار الخرافية، فهو إذاً يرفض في لاشعوره هذا الانتقال ويشعر بالرعب من الفكرة ذاتها، وهنا ألقي اللوم على الأهل فهذه تعد أنانية منهم، كونهم يريدون الاستمتاع بنوم الطفل إلى جانبهم ومداعبته متجاهلين الأضرار النفسية التي يتسببون له بها .
ويدعو الأهل منذ البداية إلى أن يتمالكوا أنفسهم ويسيطروا على عاطفتهم حتى يبعدوا هذه الفكرة ويتصرفوا كما تقتضي مصلحة الطفل، لوقايته من المشكلات النفسية المترتبة على نومه إلى جوارهم، ويساعدوه للحصول على شخصية سليمة ومستقبلة ومتوازنة .
أما الخبير التربوي د . علي الدوري، فيقول: يجب أن ينام الطفل في سريره الخاص من الأيام الأولى، ولا بأس في أن يكون سريره في غرفة الأب والأم حتى عمر سنة، وبعد السنة حتى عمر عامين كحد أقصى يجب أن ينتقل الطفل للنوم في غرفة منفصلة .
ويوضح أن علمي النفس والاجتماع يؤكدان أن ما يراه الطفل أو يشعر به يبقى في ذاكرته فترات طويلة، لذلك ينبغي ألا يبقى الطفل في سرير الزوجية، وعلى الأهل أخذ الحيطة والحذر من أن يرى أو يسمع شيئاً عن علاقتهما الخاصة، مشيراً إلى أن هذا أكثر ما يؤذي الطفل من الناحية النفسية، إضافة إلى أنه سيكون معرضاً أكثر للشعور بخلافاتهما .
بالنسبة إلى طريقة نقل الطفل المعتاد على النوم في غرفة أبويه إلى غرفته الخاصة، يرى الدوري أن هذا يحتاج إلى صبر من الأم، إذ ليس هناك تعديل بالإجبار، وأن عليها أن تتبع معه الأساليب الدبلوماسية وتبقى إلى جانبه تحكي له حكايات ما قبل النوم وتعطيه الأمان حتى ينام . ويقول: قد يستغرق الأمر أسبوعين أو أكثر إلى أن يعتاد الطفل غرفته، وقد يصحو الطفل ليلاً ويعود إلى سرير أبويه، وهنا يجب أن تتحلى الأم بالصبر وتعود لتحمله إلى غرفته وتبقى إلى جانبه حتى يغفو حتى وإن استغرق وقتاً حتى يطمئن إلى بقائها بجانبه .
ومحاولة وضع الطفل تحت الأمر الواقع كتركه في غرفته وإقفال الباب عليه، أو استخدام الإكراه بالانتقال إلى غرفته تؤتي نتائج عكسية وتجعل الطفل يتمرد ويجعل الأمر أكثر سوءاً .
ويرى د . طارق سلامة، طبيب الأطفال في مركز #187;دبليو ويلسون#171; في الشارقة، أن نوم الطفل في سرير الأب والأم قد يكون جيداً من الناحية النفسية له، حيث يشعر بالحنان والأمان بقربه من والديه، لكن من الناحية الطبية هذا الأمر مرفوض لأنه يعرضه للعديد من المخاطر . ويقول: يخشى بالدرجة الأولى من تقلب الأب أو الأم في السرير أثناء النوم وهذا ما لا يحتمله جسد الطفل الصغير، فقد يضغط على صدره أو يتعرض للاختناق بسبب المفارش، لهذا أرى أن الطفل يجب أن ينام في سريره الخاص منذ البداية .
اختلاف
د . وليام سيرز، طبيب أطفال في مدينة دانا بوينت، وهو مؤلف كتاب #187;نوم الطفل#171; الذي يعده دليلاً كاملاً لنوم هانئ وليلة مريحة لجميع أفراد الأسرة، يقول: #187;أفضل مكان لنوم الطفل الرضيع هو حيث ينام أبواه . وأظهرت دراسة أنه من الأفضل للرضع أن يكونوا قريبين من الأم بحيث تستطيع استشعارهم كلما رغبت في ذلك، ولا أعتقد أن تقاسم السرير هو أمر يناسب جميع الآباء والأطفال الرضع، بل قد يكون قليل المخاطر لدى البعض، وكثيرها لدى آخرين، لكنه يبقى ذا منافع جمة على الرضيع على المستوى العاطفي#171; .
في المقابل، تقول د . ماريان فلينجر، مساعدة خاصة متخصصة في متلازمات موت الرضع الفجائي في المعهد الوطني #187;يونيس كينيدي شرايفر#171; لصحة الطفل والتطور الإنساني: #187;لا يوجد دليل علمي يفيد أن تقاسم السرير بين الأبوين والرضيع ممارسة آمنة، بل الدليل يشير إلى أنه يزيد مخاطر موت الرضيع الفجائي، ويزيد أيضاً مخاطر اختناقه بسبب استلقاء أحد الأبوين عليه من دون شعور منه في مرحلة الاستغراق في النوم، خصوصاً إن كان يعاني أحدهما أو كلاهما السمنة، أو بسبب انحشار الرضيع ما بين الوسائد أو بسبب ثقل شراشف السرير#171; . وكانت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال حذرت الآباء سنة 2005 من مخاطر النوم مع الرضيع على السرير نفسه . وقال خبراء حينها إن مخاطره قد تزيد احتمالات تعرض الرضيع للوفاة سواء عن طريق الاختناق، أو بسبب متلازمة موت الرضيع الفجائي .
قواعد السلامة عند نوم الطفل الرضيع في سرير الوالدين
1- يجب إزالة أي غطاء سميك عن السرير قبل وضع الطفل فيه، كي لا يتعرض للاختناق .
2- في حال كان أحد الوالدين يتناول دواء معيناً يفضل عندها ترك الطفل ينام في سريره، حتى لو كان الدواء لا يسبب النعاس، فالكثير من الأدوية تجعل متناولها يغفو بعمق بحيث لا يستيقظ بسهولة عند حصول أي شيء .
3- على الأم ألا تنام إلى جانب طفلها في حال كانت مرهقة جداً، لأن التعب الزائد قد ينسيها وجود صغيرها في السرير .
4- يفضل اختيار مهد يمكن وصله بسرير الأهل .
5- يفضل أن ينام الطفل إلى جانب والدته وليس والده، فهي الأكثر قدرة على العناية به ليلاً .