يبشرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأجر وثواب الحج المبرور فيقول "العمرة إلى العمرة، كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، ويحثنا صلوات الله وسلامه عليه على الالتزام الأخلاقي والحرص على آداب الفريضة فيقول: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، كما يخبرنا عليه الصلاة والسلام بأهمية هذه الفريضة وحاجة المسلم إليها فيقول: "حجوا فإن الحج يغسل الذنوب كما يغسل الماء الدرن"، وفي حديث آخر يقول رسولنا الكريم: "الحجاج والعمار وفد الله إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم" .
هذه التوجيهات النبوية الشريفة تؤكد أن فريضة الحج ينبغي أن تكون نقطة تحول في حياة المسلم، وعليه أن يستثمرها ليتخلص من كل الذنوب والمعاصي التي لحقت به طوال حياته، فكيف يحقق المسلم هذه المكاسب من رحلته المباركة؟ وكيف يعود الحاج من رحلة العمر من دون ذنوب أو معاص؟
* ما الآداب التي ينبغي أن يحرص عليها طوال رحلته الإيمانية لكي يحظى بكامل الأجر والثواب؟
طرحنا هذه التساؤلات وغيرها مما يتعلق بفريضة الحج وآدابها وأخلاقياتها على عدد من كبار علماء الأزهر الشريف ليشرحوا لضيوف الرحمن طريق الطاعة والتوبة الصادقة، ليعودوا إلى أهلهم وديارهم - كما وعدهم رسولهم - كيوم ولدتهم أمهاتهم . . بلا ذنوب أو خطايا . . وفيما يلي نصائح وتوجيهات العلماء:
في البداية يؤكد مفتي مصر السابق عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر د . علي جمعة أن الحج المبرور يبدأ قبل أن تبدأ الرحلة المباركة من خلال تدبير نفقة الحج من مصادر حلال، ولذلك هو ينصح ضيوف الرحمن بالحرص على الحلال في كل نفقاتهم ومعاملاتهم وسلوكاتهم الشخصية، وتجنب كل ما فيه شبهة حرام، حتى يتقبل الله منهم عبادتهم وطاعتهم ويستجيب لدعائهم .

مفتاح إجابة الدعاء

ويضيف: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة"، فإذا كان الواجب على المسلم عموماً أن يكون طعامه حلالاً، بمعنى أن يكون مصدر دخله حلالاً ليس فيه شيء من الرشوة أو السرقة أو الاختلاس أو الاغتصاب أو التدليس أو الغش، فإن كل نفقة الحج ينبغي أن تكون من حلال، فلا فائدة من عبادة أنفق الإنسان عليها من مال حرام أو فيه شبهة حرام، فحرص المسلم على أن يكون طعامه من حلال- كما يؤكد د . جمعة - يجعله مقبول الدعاء إن شاء الله، أما إن سافر الإنسان بمال فيه شبهة أو جمعه من حرام أو ظلم الناس وأكل حقوقهم، فلا فائدة من سفره، وأولى به أن يعيد حقوق الناس أو يتخلص من هذا المال المشبوه بإنفاقه في وجوه الخير ويتوب إلى الله توبة صادقة .
أيضاً ينصح عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ضيوف الرحمن بتجنب الإسراف في النفقة خلال رحلة الحج، فهذه الفريضة من بين مقاصدها الشرعية تعميق قيمة المساواة بين المسلمين، فضلاً عن أن إنفاق المسلم في كل أحواله ينبغي أن يكون في اعتدال فلا إسراف ولا تقتير، والقرآن الكريم يقول في هذا الشأن: "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين"، ولذلك يجب على الحاج أن يتمتع بطيبات الطعام والشراب من دون إسراف، وعليه أن يتذكر دائماً أنه سافر وتحمل مشاق السفر والبعد عن الأهل والأحباب والأصحاب من أجل أداء عبادة، وليس من أجل الطعام والشراب والتسوق وغير ذلك مما ينشغل به كثير من ضيوف الرحمن .

فرصة للعصاة

* سألت مفتي مصر السابق: هل الحج يمحو كل الذنوب ويغسل جميع الخطايا؟
قال: أبواب الرحمة مفتوحة أمام كل المسلمين على تفاوت ذنوبهم ومعاصيهم خلال هذه الرحلة المباركة بشرط أن يكون الحاج مخلصاً في توبته عازماً على أن يتخلص من كل ما علق به من ذنوب وآثام، فالله سبحانه يقبل توبة المخلصين الجادين في التوبة من عباده، والمسلم الذي يرتكب معصية أو مخالفة شرعية ثم يتوجه إلى خالقه بتوبة صادقة يجد كل أبواب الرحمة والغفران مفتوحة له، لأن توبته اقترنت بالإخلاص والعزيمة على عدم العودة إلى المعاصي والذنوب مرة أخرى، أما الذين أدمنوا المعاصي ولا يكفون عنها فلا يفيدهم حج أو توبة، لأن توبتهم غير صادقة، وغير جادين مع أنفسهم ومع خالقهم الذي يعلم السرائر .
وينصح د . جمعة الحجاج بعدم التعسير على أنفسهم خلال أداء الفريضة طمعاً في المزيد من الأجر والثواب، مؤكداً أن منهج الإسلام يقوم على التيسير والرحمة والعفو في كل شيء سواء أكان ذلك في أمر يخص العبادات أم المعاملات، فالله سبحانه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ومن هنا لا يجوز للمسلم أن يحمل نفسه أكثر من طاقتها، وعلى كل حاج أن يعلم أن المشقة المصطنعة في الحج لا فائدة منها، لكن لو فرضت الظروف على الحاج أن يكافح ويجاهد ويبذل جهداً كبيراً لتحصيل طاعة فأجره وثوابه مضاعف إن شاء الله .
ومن هنا فإن الذين يعرضون حياتهم للخطر في رمي الجمرات وفي الصعود على جبل الرحمة، والذين يتركون السيارات المخصصة لنقلهم بين المشاعر، ويسيرون على الأقدام من دون حاجة لذلك، هؤلاء يخالفون ما أمر الله به وما وجهنا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالإسلام في كل عباداته ومعاملاته يقوم على اليسر ورفع الحرج، ولذلك ينبغي على كل حاج ألا يكلف نفسه فوق طاقتها في المال أو الجهد البدني، وعليه أن يحرص على راحة غيره، كما يحرص على راحة نفسه، وأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، فلا يؤذي أحداً ولا يضايق أحداً، والله سبحانه يقول: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"، وبالتالي لا يجوز لأحد أن يعرض حياته للهلاك بالصعود إلى قمم الجبال، أو مدافعة ضيوف الرحمن في رمي الجمرات، أو الإفاضة من عرفات، أو السعي، أو الطواف .

إخلاص النية لله

عالم السنة النبوية د . محمد الأحمدي أبو النور عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر ينصح كل مسلم يؤدي الفريضة بإخلاص النية لله في أداء المناسك حتى يكون حجه مبروراً، ويقول: رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرنا بأن الحج المبرور ثوابه الجنة، والحج المبرور - كما قال العلماء - هو الذي يتقبله الله عز وجل، ومن علامات القبول أن يرجع الحاج إلى أسرته وأهله وعشيرته خيراً مما كان ولا يعاود المعاصي، وبعض العلماء قالوا إن الحج المبرور هو الخالي من الرياء، أو هو الذي لا تعقبه معصية، وآخرون قالوا: الحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، وهو مأخوذ من البر وهو الطاعة، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بر الحج عندما قال: "الحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة"، فقال قولته الجامعة: "بر الحج إطعام الطعام وإفشاء السلام" .
ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس له جزاء إلا الجنة" أنه لا يقتصر على تكفير الذنوب وإنما يدخل صاحبه الجنة، وهذا فضل من الله عز وجل على عباده المخلصين في طاعتهم .
وإذا كان الحديث يبشر صاحب الحج المبرور بالجنة - كما يوضح د . أبو النور - فإنه يؤكد أن الله يغفر له ذنوبه فالمسلم لا يدخل الجنة إلا بعد أن يتخلص من ذنوبه وآثامه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه" .
ومن هنا يحث عضو هيئة كبار العلماء كل حاج على الالتزام بآداب وأخلاقيات فريضة الحج، فالمسلم الذي يترك أهله وعشيرته وينضم إلى قافلة ضيوف الرحمن مطالب بأن يتأدب بأدب الإسلام في كل معاملاته وسلوكه، فلا يغضب على أحد، ولا يشتم أحداً أو يسبه أو يسيء إليه، ولا يفعل أمراً من الأمور المحظورة في الحج والعمرة، وأن يكون حسن الخلق مع كل المحيطين به، وأن يتقرب إلى الله بالدعاء مخلصاً في كل الأماكن المقدسة، وأن يتجنب كل ما فيه ظلم أو إساءة للآخرين، لو حرص كل حاج على ذلك فسيغفر الله له كل ذنوبه وآثامه، وسيكون حجه مبروراً وذنبه مغفوراً إن شاء الله .

التزام التيسير

ويؤكد عضو هيئة كبار العلماء ضرورة أن يحرص الحاج طوال رحلته الإيمانية على منهج التيسير، وأن يبتعد عن المشقة المصطنعة في الحج، فهي لن تجلب له أجراً إضافياً .
ويضيف: كثير من الحجاج يعتقدون أن المشقة في الحج تجلب لهم المزيد من الأجر والثواب، ولذلك يحملون أنفسهم فوق طاقتهم ويحرصون على أداء سنن تعرضهم لمخاطر كثيرة، وهذا فهم خاطئ لتشريعات الإسلام ولذلك ننصح هؤلاء بالتيسير فدين الإسلام يسر لا عسر فيه، والله سبحانه وتعالى لا يلزم الإنسان بأمر فوق طاقته "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"، فالله سبحانه وتعالى كما أخبرنا في كتابه الكريم يريد بنا اليسر ولا يريد لنا العسر والمشقة، ومن مظاهر رحمته بعباده أنه لم يكلفهم ما لا يطيقون وهو القائل: "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج" والقائل: "يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً" .
ولذلك لا يجوز للحاج أو الصائم أو الذي يؤدي الصلاة أن يكلف نفسه فوق طاقته، وفي أمر الحج والعمرة سنن ومستحبات فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرص عليها صحابته اقتداء به، وهي أمور تجلب لمن يفعلها الأجر والثواب إذا كان قادراً عليها بشرط ألا يعرض نفسه أو الآخرين للخطر، وعندما أدى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وأدى بعض الأمور المستحبة وقال: "خذوا عني مناسككم"، لم يكن في الأماكن المقدسة هذا العدد الكبير من ضيوف الرحمن، ولم يكن هناك زحام كالذي نراه اليوم، ولو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش بيننا اليوم ويشاهد هذا الزحام الشديد على الحج لنهى عن كثير من الأمور غير الواجبة التي يفعلها الحاج .
لذلك فإن المطلوب من الحاج أن يحرص على أداء الأركان الأساسية للفريضة وأن يلتزم بالواجبات، أما السنن والمستحبات وهي معروفة وموضحة في الكتيبات التي يحملها ضيوف الرحمن، فالمسلم يفعل منها ما يستطيع وما تسمح به الظروف، ونظراً للمخاطر التي تصاحب أداء الفريضة هذا العام نتيجة انتشار أمراض وبائية خطرة، فعلى ضيوف الرحمن تجنب الزحام في رمي الجمرات وأن يأخذوا بآراء العلماء والفقهاء الذين قالوا بالرمي طوال ساعات الليل والنهار، وأيضاً في الطواف حول الكعبة ليس مطلوباً من المسلم أن يقبل الحجر الأسود وحرص البعض على ذلك يعرضه ويعرض الآخرين لمخاطر، وليس مطلوباً من المسلم أن يصعد الجبل المعروف بجبل الرحمة في عرفات، فعرفات كلها موقف ولا فضل فيها لمكان على آخر .
وأيضاً ليس مطلوباً من المسلم أن يبيت في مزدلفة بل المطلوب منه أن يمر عليها ويجمع منها الحصوات التي سيرمي بها الجمرات، ويجوز لكبار السن والمرضى أن يغادروا منطقة منى أيام التشريق ويبيتوا في مكة أو ضواحيها حرصاً على سلامتهم،
كل هذا يمكن أن يفعله الحاج من دون أن يؤثر ذلك في صحة حجه ولا في أجره وثوابه .

سلوكات مرفوضة

الفقيه د . حامد أبو طالب أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية يحذر الحجاج من بعض السلوكات التي تحرمهم من أجر وثواب الحج المبرور، ويقول: هناك سلوكات مرفوضة في الحج حذرنا منها القرآن الكريم، كما حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنها تنتهي إلى فساد الفريضة وفي مقدمتها "الفسوق" وهو: كل قول أو فعل خارج عن آداب الإسلام، وقيل: هو السباب مصداقاً للحديث الشريف "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، وقيل الفسوق هو "المعاصي"، والواقع أن الفسوق يتضمن هذه المعاني جميعها، فمن يريد حجاً مبروراً عليه أن يؤدي الفريضة على الكيفية التي أرادها الله، ملتزماً آدابها منتهياً عند محارمها، فما دام الحاج قد شرع في أداء المناسك، وتكبد المشاق فعليه أن يلتزم الآداب والأخلاق .
ويحذر أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر من الجدال الذي يؤدي إلى إفساد روح المودة بين المسلمين، مؤكداً أن الإسلام دين حوار وتفاهم وجدال بالحسنى، ومن بين أهداف رحلة الحج التلاقي بين المسلمين وتبادل المعارف والعلوم والخبرات والتحاور حول هموم الأمة ومشكلاتها، ولا يمكن أن يقر دين قام على الحوار والإقناع ومقارعة الحجة بالحجة رفض الحوار وإدانته، لكن لأن الحج فريضة من أبرز أهدافها تحقيق التلاقي والتضامن والتعاون بين المسلمين فإن الجدال والخلاف الذي ينتهي بالمتحاورين والمتجادلين إلى التشاحن مرفوض لأنه ضد أهداف الفريضة .