ظلت القصيدة على مدى سنوات طويلة هي العمود الفقري للغناء، بل إن هذا الأخير أكسبها جماهيرية واسعة، بل واقترب بالشعر نفسه من البسطاء . في السنوات الأخيرة تراجعت القصيدة المغناة لأسباب عدة منها ما يتعلق بأوضاع الثقافة بصفة عامة، وما يرتبط بالمشهد الشعري على وجه الخصوص مثل انتشار قصيدة النثر وتركيز الشعر على الهموم الفردية واليومية، ما يضع موضوع القصيدة المغناة على بساط البحث ويكسبها أهمية ما تشهده العديد من أقطار الوطن العربي من أحداث مؤثرة دفعت الشباب في ميادين وساحات التحرير إلى ترديد قصائد مغناة تنتمي إلى زمن آخر . وفي هذا التحقيق حاولنا الاقتراب من أسباب غياب القصيدة المغناة والملاحظ أن كل المشاركين بآرائهم هنا أكدوا أن الغنائية روح الشعر العربي والذي لا يمكنه النهوض والازدهار مرة أخرى من دونها .
يقول الشاعر عبدالله الهدية: تسيدت القصيدة الفصحى الحراك الغنائي بكل مشاهده وكانت حاضرة منذ بزوغ شمس الشعر عند العرب بأنغام بحورها المتعددة وبطرائق تقديمها للمتلقي واستمر ديدن تسيدها هذا بأشكاله المختلفة وإن توارت بطريقة أو بأخرى في عهد صدر الإسلام، إلا أنها سرعان ما استعادت توهجها في العصر العباسي الذي يعد علامة فارقة في ازدهارها من حيث براعة الشعراء في تجديدها وحداثتها بأغلب معطياتها، وكذلك كان الحال من خلال الموشحات الأندلسية حيث تناغمت وتراقصت أبياتها مع إيقاع الدفوف وأنغام أوتار العود والقانون ثم استمر الحال بين مد وجزر إلى قبيل عهد تحرر الأقطار العربية من براثن الاستعمار، حيث بدأت القصيدة العربية تأخذ منحى آخر في تحفيز الهمم وبث الحماس في نفوس أبناء الوطن فجاءت من جانب أنشودة الله أكبر فوق كيد المعتدي وما كان على شاكلتها من الأناشيد الحماسية، إضافة إلى كلمات السلام الوطني لكل قطر عربي هذا من جهة ومن جهة أخرى تم تلحين وغناء أجمل القصائد العربية القديمة التي كتبها على سبيل الذكر لا الحصر أبو فراس الحمداني بأغراضها الغزلية والحماسية والدينية والوجدانية من قبل عمالقة الطرب العربي تماشياً مع قصائد أحمد شوقي والهادي آدم والأمير عبدالله الفيصل وغيرهم وقد تقبل الذوق العربي هذه الأغاني بشغف شديد وانتشرت بين أبناء الوطن .
وهنا لا بد من الإشارة إلى ما ساد في الخليج العربي من خلال توظيف القصائد الفصحى القديمة والحديثة في الغناء أو اختيار الأبيات العذبة الجميلة من أمّات القصائد الفصحى الخالدة وتقديمها بأسلوب فن الموال واستمر الحال هذا إلى أن قضى رواد الغناء من ملحنين ومطربين نحْبهم وأصبح عدد من يغني القصيدة الفصحى لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ومع هذا حظيت هذه القصائد المغناة وما زالت تحظى بالقبول والانتشار بين مكونات أطياف الشعب العربي من مائه إلى مائه لكونها تمثل اللغة الأم ولأهمية مثل هذه القصائد الأغاني يجب أن نلتفت ونهتم ليس لأنها تعد عاملاً من عوامل حفظ اللغة العربية من الضياع فحسب، بل لأنها أيضاً وسيلة من وسائل الاتصال مع الأمم الأخرى والتي تبين جمال لغتنا ووحدة لساننا فما أجمل القصيدة العربية الفصحى حين تغنى، وما أجمل الأناشيد العربية بكلماتها الفصيحة الحماسية والوجدانية وما أجمل الأوبريتات الوطنية بلغتنا الأم فيا معشر الشعراء والملحنين والمغنين رددوا إننا عرب نحنُّ ونتوق إلى جمال لغتنا وعذوبة قصيدها حين يغنى بلسان عربي فصيح فلا تحرمونا من هذا تحت ذريعة من يقول إن الشعر الشعبي والمحكي والنبطي أسرع في الوصول إلى المستمع، فقط أسألكم ألم تصلنا أغنية أنشودة المطر أو أحن إلى خبز أمي أو أنا وليلى بكل سهولة؟
ويرى الناقد الدكتور صالح هويدي أن القصيدة المغناة هي نزوع قديم لدى الشاعر نحو إكساب نصه بعداً إضافياً وتأثيراً مضاعفاً، وانتشاراً اجتماعياً، إذ هي محصلة مزج بين فنيين؛ الشعر والغناء .
لقد عرف العرب طريقهم إلى غناء القصيدة منذ جاهليتهم، وعرف منهم شعراء، أبرزهم الأعشى الذي كان يتغنى بشعره، حتى عرف بلقب (صنّاجة العرب) .
إن المزية التي يمنحها الغناء للشعر أنه يمتد لشرائح اجتماعية أكبر، فميل النفوس إلى الطرب أكثر من ميلها إلى الشعر؛ لأن الشعر يظل فن النخبة .
ولم يكن الشعر العاطفي أو الوجداني وحده فرس الرهان الوحيد، إذ ظهر ارتباط الشعر الوطني والسياسي في العصر الحديث، منذ دخول المجتمعات العربية معترك السياسة في مرحلة الهيمنة الاستعمارية حتى يومنا هذا . ولا تزال الأجيال الستينية والخمسينية تتحرق شوقاً لسماع تلك النماذج الشعرية الوطنية التي تغنى بها مطربون عرب، أمثال: محمد عبد الوهاب، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وسعاد محمد وسواهم .
ومثلما رافق الغناء القصيدة السياسية تماشياً مع مرحلة الكفاح الثوري ومشاعر التحرر من الاستعمار في العصر الحديث، رافق الغناء القصيدة العاطفية التي خف دورها عما كانت تؤديه من قبل في حناجر عشرات المطربين، لأسباب عدة لا مجال لاستعراضها هنا . فقد كانت طبيعة العصر ونمط تفكير الإنسان وقربه من فطرته وتصوراته من الحب والعاطفة، وبساطة الحياة، كان ذلك كله وراء تشجيع هذا اللون . لكن هذا النوع من الفن خفت حدته وانشغال الناس به، سواء ما يتصل بالقصيدة السياسية أو القصيدة العاطفية، من جراء الهزائم والإحباطات التي عاشها المواطن العربي، والتحولات التي شهدتها حياته من الطور الرومانسي إلى الطور الواقعي، حتى إننا اليوم نشهد جيلاً له مفاهيمه الخاصة ومعاييره المختلفة تماما عن معايير رجل الأربعينات والخمسينات .
لكن لأن العاطفة عنصر أصيل في الإنسان ونبع داخلي لا يكف أو ينضب، وجدنا ظهور جيل جديد من المطربين الذين حاولوا أن يعيدوا الاعتبار للقصيدة المغناة بعد أن انسحبت من المشهد الفني العربي، وإن كانوا أفراداً قلائل . وهو أمر يرجع إلى أن ما يتحكم في انتشار الأغنية في هذه المرحلة إنما هو إيقاع العصر البعيد عن روح الرومانتيكية التقليدية، إلى جانب عدم تدقيق المطربين أو حرصهم على غناء الشعر والسعي لانتقائه، بعد بزوغ أسماء من مثل: ناظم الغزالي وسعاد محمد ومحرم فؤاد ونجاة الصغيرة والتلباني وعلية التونسية وهاني شاكر الذين شكلوا امتداداً للجيل السابق، كما ظهر بعدهم لطيفة وكاظم الساهر وصابر الرباعي وشيرين وسواهم .
إن الشعراء الذين يكتبون القصيدة العاطفية لا يقارنون بمن سبقهم، كما أن المطربين اختلفت ثقافتهم وأذواقهم عن أقرانهم السابقين، ما حصر القصيدة المغناة في إطار ضيق . لكني أتوقع ربيعاً جديداً للأغنية العاطفية سيبدأ يوماً بعد أن يمضي بنا الزمن بعيداً عن حياة مادية قاحلة فظة، ليعود فيها المرء إلى طبيعته الصافية وعاطفته التي ستظل تميز البشر عن سواهم .
وتقول الشاعرة شيخة المطيري: يقف الفنان وتقف معه القصيدة لا تعرف من منهما يغني الآخر، مسرح يعزفك أو تعزفه، نسيم من قصيدة تنام بصوت يرسلها لك فيتوقف كل شيء للحظات ثم تعود لتلتقط ما تبقى من أنفاسك وتجري . هكذا كان مسرح الغناء الشعري، هكذا كانت القصيدة وهي تُغنّى .
لا أظن أن القصيدة بحاجة لأن تغنى، ولكن الغناء بحاجة إلى كلام جميل وقصيدة ترفع من مستوى الذوق الفني، فالشعر سيظل أغنيتنا الأولى والدائمة والتي لا تحتاج وسيطاً يوصلها إلينا .
ومع تحفظي في موضوع الغناء واستخدام المعازف فيه، إلا أنني أرى، ومن دون شك، أن الذوق العربي السليم بحاجة إلى الاستماع والاستمتاع بالقصائد المغناة . كالتي صدحت بها أم كلثوم ونجاة الصغيرة وفيروز . لأن الغناء شأنه شأن كل أمور الحياة التي بدأنا نفقد الطعم الأصيل فيها، أصبحت الحياة السريعة الباردة المتغيرة تحتاج شيئاً يجري معها ومع متطلباتها . وهذا لا يعني عدم وجود من يعرف بحق كيف يختار أدوات رسالته كفنان . فإننا نجد بعض المطربين مثل كاظم الساهر وماجدة الرومي قد انتهجا هذا النهج وبرعا فيه .
ومن وجود تلكم النماذج التي شوهت معنى الغناء، أصبحنا نحتاج حقاً إلى أن نعود للقصيدة المغناة . ولا أقول أيضاً إنها قد غابت، ولكن لعلها قد غُيّبَتْ . وهي تحتاج إلى إنقاذ سريع من أصحاب الأذواق الفنية الراقية .
ثم إن القصيدة المغناة يجتمع عليها كل العرب باختلاف لهجاتهم وتعدد مفرداتهم الخاصة . وفيها روح الثقافة الشعرية العربية .
أما الذي يجعل القصيدة تغنى، فلأن الشعر العربي أساساً يعتمد على الوزن والموسيقى، ومن هنا تستطيع أن تعرف القصيدة فإن لم تستطع تلحينها فلا علاقة لها بالشعر . وإن الشعر العربي شعر غنائي بطبيعته .
وأنا حقيقة أتمنى أن تتجه الأناشيد الدينية لاختيار عيون الشعر العربي لإنشادها، هكذا يستمر الشعر منشداً بيننا .
الناقد عزت عمر يقول: مما لاشكّ فيه أن يرتبط النص الشعري بعاطفة الشاعر المنحازة للكلمة أكثر من انحيازها للحن والأداء الغنائي، فالكلمة لديه هي الأساس الذي يجسد المعاني والخيال وإن كان ثمة وزن للنصّ فإن التناغم ما بين العناصر الصوتية والمعاني قد يخلق حالة من الطرب اللطيف لدى المتلقّي . غير أن الموسيقيين يستطيعون النفاد إلى إيقاعات النصّ الخفية وإقامة ترابط تفاعلي ما بينها وبين اللحن وأداء المغني فيرتقي بالنص إلى مستوى جديد يسمّى الشعر المغنى والضائي ويتميز عن الشعر الغنائي بأن تصاحبه الآلات الموسيقية، ومن هنا فإن الشعر المغنى لا يشترط أن يكون عاطفياً رومانسياً فقد يكون رثاءً أو غناء دينياً كالأذكار والتواشيح أو يكون غناء وطنياً كما في التعاون الرائع ما بين مارسيل خليفة ومحمود درويش على سبيل المثال، وغير هذه الأنماط مما نعرفه من قوالب لحنية ترتبط بالأبحر الشعرية من جهة، والإيقاع الكامن في المفردة اللفظية أو من تشابك لفظتين متضادتين أو متجانستين أو من تكرارهما من جهة ثانية .
مازال التركيز في عالم الشعر المغنّى على الشعر العامي الذي يستند عادة إلى تراث وجداني شعبي حاضر في الذاكرة، غير أن الشعر الفصيح أرقى من حيث المعنى ومن حيث الخيال، ومن ناحية ثانية هو مفهوم في كل البلاد العربية وتستجيب له الذاكرة الجمعية، التي تأسّست على الربط ما بين الغناء والشعر منذ أيام حداء الإبل في العصر الجاهلي، والتأسيس النظري الذي تمّ في العصر العباسي، وفي هذا الصدد يذكر شوقي ضيف أن المجتمع العباسي لم يكن يُعنى بفنّ كما كان يُعنى بالغناء والموسيقا، ويتّضح ذلك من كثرة الكتب المترجمة في الفن الموسيقي على نحو ما يتضح في أوائل ترجمة إسحاق الموصلي في كتاب الأغاني وكذلك ما ساقه منها كتاب الفهرست لابن النديم، غير أن العرب لم يلبثوا أن شرعوا في التأليف ومنهم الفيلسوف الكنديّ والفيلسوف الفارابي في مصنّفه كتاب الموسيقى الكبير، غير أن كتاب الأغاني اشتمل على اثنى عشر ألف صوت والحديث في هذا المجال يطول كثيراً، نظراً لاشتمال المكتبة العربية على أعداد هائلة من الكتب ومقترحات التطوير والتجديد .
في العصر الحديث ساعدت الإذاعة على انتشار القصائد المغناة وبخاصة مع المطربين الكبار والمحلنين العظام، ويذكر كثيرون أن محمد عبد الوهاب قال لنزار قباني: قصائدك ملحنة فكيف ألحن ما هو ملحّن، ومنذ ذلك الوقت لحن الملحنون أشعار نزار وغناها المغنون وكل على طريقته، وكذلك غنّت أم كلثوم لكبار شعراء عصرها، ومن جانبها أغنت فيروز المكتبة الموسيقية العربية بعدد كبير من القصائد والموشحات والأندلسيات وهكذا مروراً بكاظم الساهر وماجدة الرومي إضافة إلى كثيرين غيرهم .
وتقول الشاعرة والتشكيلية وفاء خازندار: كلمات الأغاني في كل أنحاء العالم لا تقوم على القصائد بشكل كبير، فالكلمات المغناة يجب أن تكون بسيطة، بها القليل من الشعر لذلك كتابة كلمات الأغاني هي فن مستقل له أسسه في الكتابة تختلف عن كتابة القصيدة، وعلى ذلك، فالشعر الغنائي وإن افتقد أحياناً إلى العمق، فإنه يجد العوض عن ذلك في مخاطبة القلب والوجدان والجمهور الواسع من الناس، ويكفيه ذلك بالطبع، ولكن من وجهة نظري فإن الأساس في الأغنية الأصيلة هو الكلمات ثم اللحن وأداء المطرب .
الأغنية تقتحم آذان المستمعين على اختلاف ثقافاتهم واهتماماتهم واستعدادهم النفسي، عكس الشعر الذي يفهمه ويتذوقه من يتأمل في الكون والحياة وبه نفس شاعر، وأحياناً يفقد التلحين القصيدة قيمتها، وقد يكون غناء وتلحين قصيدة ما سببا لشهرة كاتبها لكنها تساوي بين الجيد والرديء ربما لو قُيمت على أساس الانتشار .
وقد يضر هذا بقيمة المطرب أو الشاعر كأن يطغى الصوت على الكلمة، فيقال إن المطرب نجح بسبب كلمات القصائد أو الشاعر أُشتهر بسبب صوت المطرب .
وربما كان الشاعر السوري نزار قباني والشاعر الفلسطيني محمود درويش والشاعر العراقي كريم العراقي هم أكثر حظاً وطلباً عند المطربين في عصرنا الحالي فنجد أن قصائدهم مُلحنة وتحمل موسيقا داخلية، وقد اشتهروا عربيا وأحب الناس كلماتهم حتى فاقت أسماؤهم شهرة على من غنى لهم لأن سلاسة الكلمات حملت اللحن معها إلى الجمهور، ونجاح تلك الأغاني يفتح الباب أكثر على الاستمرارية بغناء القصائد .
ولا ننسى أن غناء القصائد يحتاج لخامة صوت نقية وقوية ونفس طويل مثل أصوات فيروز وأم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، ووديع الصافي وغيرهم من العمالقة، والقصائد المغناة بأصواتهم تعدّ إرثاً أصيلاً لعالم الغناء ومن الأغاني الخالدة في وجدان من يسمعها، وهناك من يكتب القصائد ومن حرصه عليها بأن لا يفقدها اللحن قيمتها يلحنها بنفسه وقد يؤديها بصوته أيضاً حتى لو أداها مطرب آخر وهناك نماذج كثيرة على ذلك .
اليوم الأصوات القوية التي تستطيع أداء القصائد وتوصيلها للمستمع بسلاسة وعذوبة أصبحت قليلة أو ربما لم تعد مقياساً للنجاح في ظل الأغاني الخفيفة التي نسمعها اليوم ثم تذهب أدراج الرياح فقد انقلب الهرم وأصبح الشكل الجميل ثم اللحن السريع ولا يهم الصوت والكلمات .
يقول الشاعر قاسم سعودي: إن ضعف العلاقة الوجدانية بين المتلقي والقصائد المغناة ثورية، وطنية، إنسانية، ترجع بالأساس إلى تراجع صدق الكلمة وتأرجحها بين نزيف الواقع ومخيال الآمال الكاذبة، إضافة إلى تراجع الجوانب الحسية وانجذابها إلى اللاجدوى التي تنخر مفاصل الثقافة العربية والملتقى العربي المغلوب على أمره، وخصوصاً مع توافر البيئة المتاحة لإنتاج أزمات فكرية وحضارية ومجتمعية تنعكس بالأساس على المنتج الشعري المأزوم أصلاً من حيث حجم التعاطي والتناغم والتأثير، وتراجعه المخيف على صعيد السيولة الإبداعية والحسية والجمالية .
ثمة شعور بالخسارة والفقد واللامبالاة، يطغى بعنف على حنجرة الكائن المتشح بالقلق والنفور من المنتج الغنائي على صعيد القصيدة، وقد لا ينعكس هذا بالتأكيد على الحصيلة الوجدانية التي تتمتع بها القصائد المغناة لفيروز وغيرها من الإيقونات العربية، التي تتمتع بحساسية متجددة تتفاعل مع المتلقي العربي في كل الظروف التي يعيشها، وربما ترجع أسباب تراجع العلاقة مع القصيدة المغناة إلى القيمة الحقيقية للقصائد، وما تحمله من أبعاد أيديولوجية نفعية نافرة ومشاعر سلبية مغلقة لا تستطيع ملاطفة الكائن العربي المغلوب على أمره .
نحن أمام علاقة تضيق وتنفرج حسب معطيات الشخصية العربية، والحساسية الجديدة التي تنمو وتنجذب وتتدفق أمام سيول ومنعطفات التخلف والشر التي تحاصر مشاعرنا وأحلامنا وتطلعاتنا في العيش النبيل، إن الذائقة الجديدة تبقى متوترة وشفافة وعنيدة ومبهجة وسلبية في الوقت نفسه، وهذا ينعكس بالتالي على الكثير من منابع القصيدة المغناة وظروفها وحقيقتها المرة المسكونة بالغربة الداخلية للذات العربية المحاصرة .
ويشير الشاعر سيد حجاب إلى أنه في المراحل التاريخية الأكثر اشتعالا منذ الستينيات إلى أواخر السبعينيات، كان شعراء الأغنية مثل الأبنودي صلاح جاهين فؤاد حداد، يمثلون صوت المجموع، وبعد ذلك تراجع هذا الصوت وتراجع دور الشعراء بعد أن توارى دور الثقافة بالكامل، فأصبحت هامشا لا جزءا من نسيج الحياة، ولأن الشعر هو أكثر الفنون اقترابا من الجماهير، فقد طاله ما طال الثقافة، فتباعد عن الجماهير، ولم تعد له المكانة ذاتها في الذائقة الجمالية للمصريين والعرب الآن .
وربط حجاب بين القصيدة الغنائية وطبيعة النظام السياسي، مؤكدا أنه في عهد النظام السابق ابتعد الشعر الغنائي عن نبض الناس، ولذلك اختفت القصيدة الغنائية، ولم يجد شباب الثورة في ميدان التحرير سوى أغانٍ كتبها الأبنودي، صلاح جاهين، فؤاد حداد، سيد حجاب، وبدأوا يرددونها في الميدان، بل في مصر كلها لأنهم لم يجدوا سوى هذه الأغاني، التي تقدم طرحا سياسيا واجتماعيا، من خلال الربط بين الذاتي والموضوعي والتاريخي والسياسي، وهذا الطرح كان جزءا من التكوين الخاص للشخصية الشعرية المنفتحة ثقافيا على كل المعارف الإنسانية . وأضاف حجاب: الثورة المصرية لم تفرز مطربيها وشعراءها بعد، ولكني أتوقع أن تشهد الفترة المقبلة صعودا حقيقيا في أسهم القصيدة الغنائية .
إذا كان الشاعر الكبير سيد حجاب قد ربط بين تراجع القصيدة الغنائية واضمحلال دور الثقافة فإن الدكتور عبدالمنعم تليمة كان له رأي آخر، حيث قال تليمة: الأصل في الشعر أن يغنى، قبل التدوين والمطبعة والتسجيل، وثبت علميا أن الشعر أقدم من النثر، فأول ما مارس الإنسان اللغة، وأول ما كتب كتابة لها معنى، كتب شعرا، وأول الأشعار عندنا وعند الصينيين والهنود واليونانيين كانت لا تلقى، بل تنشد، والأعشى الشاعر الكبير كان يسمى بصناجة العرب، أي مطرب العرب، وهو في الأصل كان شاعرا، وبعد ذلك أصبح الغناء وسيلة الشعراء الكبار إلى الخلود، فكان أحمد شوقي يرجو عبدالوهاب رجاء كي يغني من أشعاره، وكان يقول له، العالم العربي سيعرفني من خلال صوتك، وكان يسعد جدا عندما تغني له أم كلثوم، حتى عندما مدحها في قصيدة غنتها أيضا، كما أن الشعراء الكبار مثل بيرم التونسي فؤاد حداد الأبنودي صلاح جاهين سيد حجاب، لم يطمئنوا إلى أشعارهم، إلا إذا غنيت، حتى إن نزار قباني كان يبكي فعلا بكاء الحب والنشوى، عندما غنى له عبد الوهاب ونجاة قصيدته الرائعة أيظن .
وبسؤاله عن حال القصيدة المغناة الآن تحدث تليمة عن ظاهرة جديدة تجلت بين شباب الثورة المصرية، موضحا أنها صنعت صحوة فنية في الغناء والشعر والموسيقا، فأصبح كل مطرب شاب يتعرف إلى شاعر شاب وموسيقي شاب أيضاً، وهي ظاهرة جديدة ستؤدي إلى ازدهار القصيدة في الفترة المقبلة، كما أشار تليمة إلى أن غناء الأشعار أو القصائد يتوقف أيضا على مدى ثقافة المطرب، مستدلا على ذلك بالمطرب محمد منير، الذي أخذ الكثير من القصائد من دواوين الشعراء مثل عبدالرحيم منصور .
أما الشاعر عبدالمنعم رمضان فيقول: لا أعتقد بنهاية أي شيء، الأشياء تغيب لتظهر ثانية، فإذا كانت القصيدة الأغنية أو القصيدة التي تغنى غير موجودة الآن، فهذا لا يعني أنها انتهت، بل نحن في مصر على سبيل المثال كنا محاطين بأسباب كثيرة أدت إلى غيابها، ففي عهد عبد الناصر كان هناك طرح أيديولوجي واضح وسليم، وهذا الطرح كان لا بد أن يتجلى في أشكال فنية، لكي يصوغ أيديولوجية البشر جميعا في مصر، ومنها الغناء فكان تكليفا من رأس السلطة: اصنعوا أغاني ليرددها الناس، اصنعوا أفلاما ليراها الناس، وكانت وزارة الثقافة خادمة النظام، تقوم بهذه المهمة، أما في فترة السادات فقد توقف الاهتمام كثيرا بالثقافة نفسها، وتركت مرمية على قارعة الطريق، وفي فترة الرئيس السابق حسني مبارك تم إهمال وتجريف كل شيء، وبالتالي لم تغب الأغنية وحسب، بل غاب كل شيء، وبالتالي أصبحنا شعبا بلا ذائقة، ونحن لم نخرج بعد من نظام مبارك، ولذلك فإن القصيدة الأغنية ليست الآن .
أشار رمضان إلى أن الفن يمر بموجات، ثورة وراء ثورة، وهذه الموجة الجديدة التي نمر بها هي قصيدة النثر، التي تتحدث عن الجسد والأشياء الخاصة بالشخص وهمومه .
ويؤكد أن قصيدة النثر غير مهيأة لأن تكون مغناة، لكنها أيضاً لن تكون نهاية المطاف في الشعر، فالدورات التي تعاد، تعود فيها الأشياء القديمة، مسلحة بإحساس جديد، مشيراً إلى أن هذا ما يحدث دائماً . ويتمنى رمضان أن يعود زمن القصيدة الأغنية في الفترة المقبلة، متذكراً ما كان يحدث في ميدان التحرير، وقت الثورة المصرية حيث قال: الشباب في ميدان التحرير لم يجدوا سوى أغانٍ لعبد الحليم حافظ وشادية ومحمد عبدالوهاب، لأنهم يفتقدون هذه الأغاني، فطوال فترة مبارك انعزل الفرد عن جماعته، أصبحنا أنانيين، والأغنية ليست بنت الشعور الفردي القاطع الحاسم، بل تحتاج إلى جماعة .
وللشاعر زين العابدين فؤاد رأي مختلف عن الآراء السابقة، حيث قال: إن الغنائية في الشعر تتوقف على قدرات الشاعر، فإذا كان الشاعر يمتلك إمكانات كبيرة، ولا يهمل التركيب الدرامي للقصيدة على حساب الوزن والقافية، الذي سيجعل القصيدة مغناة بشكل جيد، فهنا القصيدة المغناة أو القصيدة الأغنية يصبح تأثيرها أقوى في المتلقي، ويرددها الجمهور بسهولة، أما إذا كانت إمكانات الشاعر ضعيفة، أي أنه يهتم بالوزن والقافية على حساب الفكرة العامة للقصيدة، فهذا سيخلق قصيدة ضعيفة فنيا وخالية من أي تركيب درامي . كما ذكر فؤاد أيضاً أن الغنائية داخل القصيدة تكون مطلوبة أحيانا، حسب بناء القصيدة، فالصورة تولد صورة أخرى، وهذا ما يخلق الغنائية في الشعر، ويجعل القصيدة أغنية . القصيدة المغناة لن تموت، فهناك الكثير من القصائد المغناة، في وقتنا هذا، والثورة المصرية أفرزت الكثير من الشعراء الشبان الذين لحنت أغانيهم وتغنى بها المطربون بشكل رائع .
أما الشاعرة الغنائية كوثر مصطفى فتؤكد أنه لا وجود حقيقيا اليوم للقصيدة الغنائية، لكن في الوقت نفسه لا نستطيع أن نقول إن زمن القصيدة الأغنية انتهى، فهذا الأمر يرجع إلى أسباب عدة، منها أن مجموعة المبدعين والقائمين على صناعة الأغنية هم الذين أنهوا زمن القصيدة الأغنية، ولذلك فالزمن الذي انتهى هو زمن منتج القصيدة الأغنية، لا زمن القصيدة الغنائية نفسها، لأن المنتج هو المتحكم الرئيسي في الغناء في هذا الوقت، فالمسألة التجارية هي التي تتحكم في الأمر .
كما أشارت الشاعرة إلى وجود الكثير من الأغاني التي ترقى إلى مستوى القصيدة، وتتسم بالبساطة .