القاموس الأدبي العربي الراهن يشهد تراجعاً ملحوظاً لجماليات اللغة، في حقول الثقافة كافة، في الفكر النظري بتنا نقرأ مصطلحات ومفاهيم معرّبة تارة، وذات اشتقاقات غريبة وثقيلة على الأذن العربية تارة أخرى، أصبحنا نفتقد اللغة الحاملة للفكرة المهمة وتخترق وعي القارئ بغنائية سلسة وجذابة . الحال نفسه ينطبق على الرواية والقصة حيث الاهتمام بتقنيات السرد يتغول على حساب اللغة، الأمر لا يقتصر على اللغة العذبة فقط، ولكن أيضاً تلك التي تثير الدهشة والتأمل والانفعال ومن ثم البقاء في الذاكرة، وهي ظاهرة حاولنا الاقتراب منها في التحقيق التالي من خلال إدراكنا أن لسان حال ثقافتنا الراهنة ينحو باتجاه تأكيد اللغة كوسيلة وليست غاية .

** يرى الشاعر محمد خليفة بن حاضر التغيّر الحاصل في مستوى الأسلوب الأدبي المتمثل في غياب المفردة الأصيلة والصورة المجازية الرقراقة ناجماً عن تغيّر مستوى معرفة الأدباء باللغة العربية وأساليبها وطرق صناعة الخيال فيها، فقد كان المنفلوطي وطه حسين والرافعي يمتلكون ثقافة أدبية عريضة جمعت بين الأصيل والجديد، أولئك الكتّاب الخالدون في تاريخ الأدب العربي وقرأوا كتابه بعمق فاستخلصوا لب لغته وأسرار جمالياته الأسلوبية وتلفتوا إلى الأدب الغربي فنهلوا منه، فأهّلهم ذلك لأن يكتبوا بتلك الأساليب الراقية .

أما في الوقت الراهن فإن أغلبية من يمارسون الكتابة انقطعت صلتهم بالأدب العربي القديم وحتى الحديث في فترات عنفوانه أوائل القرن العشرين، فهم لا يعرفون شيئاً عنه ولا عن أساليبه، لذلك فمن أين لهم أن تكون أساليبهم ناصعة جميلة متدفقة اللغة آسرة الخيال كما كان أولئك، وكل ذلك نتيجة الوهن والضعف الذي أصاب أمتنا وانسحب على لغتها التي صارت عرضة لكل هجوم وعداء، وحملات شرسة من الآخر بهدف القضاء عليها لأن في ذلك القضاء على هويتنا، وأصبحنا نحن من شدة تلك الحملات نترفع عن لغتنا ونعدها شيئاً متخلفاً وخارج إطار العصر، وما نشاهده اليوم في مناهج التعليم من حضور للغة الأجنبية دليل كبير على هذا الواقع .

هذه الوضعية المزرية لمادة اللغة والأدب في مدارسنا وجامعاتنا لا يمكن أن تخرّج أديباً مبدعاً، اللهم إلا إذا عكف هذا الأديب على تكوين نفسه وتثقيفها بالمطالعة المكثّفة خارج إطار التعليم .

من الخطأ القول إن أدب اليوم يركز على الفكر من دون جماليات اللغة، لأن الخاصية الأولى للأدب هي جمالية اللغة، وفي جماليتها يكمن الفكر، وإذا تجرد الكلام من جمالية اللغة وركز على الفكرة فهو إما فلسفة أو تاريخ أو سياسة أو علوم أو أي مجال آخر، لكنه بالتأكيد ليس أدباً .

** يؤكد الدكتور محمد عبدالمطلب ضرورة التفريق بين الشعر والنثر، ويقول: اللغة في الشعر ليست وسيلة لأداء الفكرة، وإنما هي وسيلة وغاية في الوقت نفسه، لذلك نجد أن الشعر يقدم لنا اللغة في أجمل مستوياتها وتأتي الفكرة في الدرجة الثانية لا الأولى، لأن المبدأ النقدي العربي القديم يقول على لسان الجاحظ المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي، والمدني والقروي، إنما الشأن للصياغة فجمال الشعر في كيفية صياغة الفكرة ومن ثم نجد أن اللغة بكل جمالياتها موجودة في الشعر، أما في النثر سواء كان رواية أو قصة أو مسرحية أو خطابة أو رسائل فإن اللغة تكون وسيلة لتقديم الفكرة، ولذلك لا يهتم الكاتب بجماليات اللغة قدر اهتمامه بالفكرة التي تختمر في ذهنه والملاحظ أن كتاب الروايات والقصص عندما يحاولون التعمق في بعض الشخصيات فإن لغتهم تتحول إلى لغة شعرية جمالية أي أن اللغة تصبح وسيلة وغاية أيضاً، أما في وصف الوقائع والأحداث فإن اللغة السائدة هي اللغة المباشرة التي نسميها اللغة الإخبارية، أو الإعلامية، أما اللغة الأولى فنسيمها اللغة الجمالية، أو الإنشائية، أو الشعرية، ومع ذلك فإن السائد الآن في الخطاب الإعلامي لغة خليط يسميها القدماء لغة هجينة تجمع بين الصواب والخطأ، الجمال والقبح، وللأسف العناوين الرئيسة في كثير من الصحف تتعمد الخطأ اللغوي لأن صاحبها لا يعرف اللغة الصحيحة، وليس معنى هذا أني أريد أن أضيق على الكتابة باستخدام اللغة العربية القديمة إنما أنا أسمح بترك اللغة القديمة طالما أن احتياجات التعبير في حاجة إلى كلمات جديدة .

ويقول د .عبدالمطلب إذا وجد عندي القديم فأهلاً به، وإن لم يوجد فلنستحسن الكلمات، لقد قرأت مقالاً لأحد الصحفيين الكبار استخدم في عنوانه كلمة يطال، وهي كلمة بها خطأ لغوي فظيع، بينما بإمكانه أن يستخدم كلمة يطول، فلماذا يترك الكلمة الصحيحة، ويستخدم الخطأ، لو حاولنا حصر التعبيرات الخاطئة فهي بلا حصر، والمؤسف في ذلك أن هذه لم تكن لغة المصريين، لأنها أصح اللهجات العربية، وأقربها إلى الصحة، لكن من يتتبعون ما يأتينا من المغرب العربي يجدون أننا أصبحنا نتعامل مع كلمات كثيرة ليست لها أصول صحيحة في العربية ظناً منهم أن هذه هي الحداثة، مثل يتموقع، يتمظهر، يتموقف، ولكن هذا برأيي ركض وراء حداثة مغلوطة، مادامت تستخدم هذه اللغة المرذولة، زد على ذلك دخول كلمات قبيحة في اللغة الحاضرة، لا أستطيع حتى أن أذكرها، ويبدو أن رواية الخبز الحافي التي جاءت من المغرب جعلت معظم الكتاب يستخدمون الكلمات التي يجب ألا تستخدم في الكتابة الأدبية، أريد لهؤلاء الكتاب أن يعودوا إلى اللغة الصحيحة السهلة البسيطة، ولا أريد منهم العودة للغة المهجورة القديمة .

ويشير د .عبدالمطلب إلى أن الركض وراء الحداثة المغلوطة ليس هو فقط السبب في الانفصال القائم في كثير من الأعمال الأدبية بين اللغة والمعنى، التعليم أيضاً له يد في هذا . . كيف؟

يقول: للأسف يقدم لنا التعليم الآن أجيالاً لا تعرف اللغة الصحيحة، ولأول مرة في تاريخ العالم نجد دولة تجعل لغتها الرسمية غير لغتها الأم، لغتنا الأم هي العربية لكننا نرى في خريطة التعليم في مصر مدارس ألمانية، وإنجليزية، وأمريكية، كذلك الجامعات أصبح هناك الأمريكية والكندية والألمانية والفرنسية، وحتى الجامعات الحكومية تشهد افتتاح أقسام للغة الفرنسية، والإنجليزية .

التعليم الآن في مصر يضرب اللغة العربية في أعماقها، لقد كنت مسؤولاً لسنوات طويلة عن إحدى مدارس اللغات الكبرى وقدمت للوزارة بحثاً عن عملية هدم اللغة العربية في المدارس الابتدائية ذكرت فيه أن عدد الحصص في المدرسة الابتدائية 36 حصة للطفل والطفلة، منها 23 للغات الأجنبية سواء كانت لغة أو علوماً أو رياضيات، مقابل 13 حصة للغة العربية، إذاً اللغة الأجنبية في بلدنا هي اللغة الأولى، ومن ثم تتخرج أجيال كثيرة لغتها الأولى ليست العربية، وقد قمت أيضاً بالتدريس في القسم الفرنسي في كلية الآداب جامعة عين شمس، وقد رأيت المستوى العلمي للطلبة جيداً جداً، لكن الأداء التعبيري بالعربية عندهم غير صحيح .

** ويؤكد الدكتور يوسف نوفل، أستاذ النقد الأدبي في جامعة عين شمس، أن العلاقة العكسية بين اللغة والأفكار في الأعمال الأدبية إشكالية انشغل بها النقد والبلاغة منذ وقت بعيد، تم النظر إليها من خلال قضية بلاغية مشهورة هي قضية اللفظ والمعنى لكن القضية المطروحة الآن تفوق ما درسه السابقون تحت عنوان اللفظ والمعنى لأنها ترتبط بشيئين جوهريين: الأول هو الأفكار والقضايا التي يحملها النص، والشيء الثاني اللغة التي تغلف هذه القضايا والأفكار، ومن هذا المنطلق ينبغي ألا نفرق بين الداخل والخارج في النص المقروء أو المسموع، فلا يمكن تفضيل الأفكار على الألفاظ، لسبب بسيط جداً هو أنهما شيء واحد لا ينفصلان .

ويضيف: ليست المسألة أن الأفكار يضمها وعاء أو غلاف هو الألفاظ ولكن المسألة هي أن الطريق إلى توضيح الأفكار هو اللغة السليمة الصحيحة الجميلة وعلى هذا الأساس لا يمكن الفصل بين هذين الجانبين، أما واقع الأمر فإننا قد نجد أحياناً من يملك فكرة جيدة، أو يدافع عن قضية مهمة، لكن أداته إلى ذلك وطريقه إلى هدفه هذا يكون محفوفاً بالعثرات نتيجة العجز اللغوي، وهذا ما يؤكد مرة أخرى أن الفكرة الجيدة تقتضي لغة جيدة .

الفكرة مادامت واضحة في ذهن قائلها، فإنها تستدعي بالضرورة لغة ملائمة لها، إذاً اهتزاز اللغة يكون دائماً نتيجة اهتزاز الفكرة، بدليل أننا نجد السياسي حين يصوغ فكرته يلجأ إلى لغة معبّرة عن المعنى من أقصى الطريق وقدرته على الأفكار السياسية هدته إلى اللغة البسيطة التي توصل الفكرة للمتلقي، أما الأديب فلديه فكرة قد تكون أكثر رحابة فتحمل لغة أكثر جمالية وتصويراً فنياً وتخيلاً، وهذا كله يؤكد أن ضعف الفكرة يؤدي إلى ضعف اللغة، وليس معنى هذا أننا نحكم بالضعف على الإنتاج المقروء في زماننا، ولكن في الوقت نفسه نتفق أن هناك ظواهر فيها ضعف لغوي شديد في النصوص المتداولة في عصرنا، وبعيداً عن التعميم فإن العجز اللغوي لدى أمثال هؤلاء ناتج عن ضعف التكوين اللغوي والأدبي لديهم لأنه لو كان لديهم تأسيس لغوي جيد، فإن اللغة الجيدة تتبع الأفكار، بل إن اللغة بالفعل وعلى وجه اليقين تستدعي الأفكار كأن اللغة هي الهواء الذي يمكّن الطائر من التحليق، فإذا اختفى الهواء سقط الطائر، وهذا يعلل الأمثلة الصارخة التي نراها، وهذا كله يرجع إلى ضعف تدريس اللغة العربية منذ مرحلة ما قبل المدرسة .

** يقول د . منيف موسى: اللغة إنسان والإنسان يتطور، فاللغة إذاً تطور . واللغة هوية وشخصية، فهي تالياً هوية الإنسان وميزة شخصيته وحضوره .

ولكن هذا السؤال جوهري وملح، في ما يتعلق باللغة العربية من حيث هي اللسان الجامع لأمة قيل فيها: إنها أمة لسان، أي أمة لغة وشعر وأدب وبلاغة، ومن حيث إن هذه اللغة، لغة تواصل واتصال في مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة .

الاهتمام كما نلاحظ اليوم في استخدام اللغة ينصّب على الفكرة من دون سواها من عناصر الكتابة والتعبير، وتعود أسبابه إلى الاستخفاف باللغة، بما هو سائد من طرائق التعبير، ولا سيما في وسائل الإعلام المختلفة، إذ اللهجات المحلية في هذه الوسائل باتت تتحكم بلغة الإعلام، التي يجب أن تكون اللغة الكلاسيكية الفصحى . أو أقله، اللغة الثالثة الوسطى بين اللغة المحكية - المحكيات العامة، والفصحى . ثم إن ذلك يتبعه الاستخفاف بصاحب اللغة الذي هو الإنسان العربي الذي جنح إلى الرطانة بالتعبير بلغات أجنبية أو ببعض مفرداتها وتراكيبها كيفما كان، بعيداً عن القضايا العلمية والأبحاث الهادفة، ليظهر أنه متحدث مثقف وحضاري، وله نقول: إن الثوب المستعار لا يدفّئ . وعلى الرغم من هذا، لا يعفى الإنسان العربي من تعلّم لغات العالم من أجل التواصل الحضاري والإنساني، مثلما لا يعفى من إتقانه لغة الأم وإجادتها والمحافظة عليها . كما أن وسائل الإعلام تقدم ما يريده الجمهور، لا ما يجب أن يكون، وكأن مقولة اللغة وسيلة تفاهم قد طغت على كل انحراف عن أصول استخدام اللغة والتعبير بها .

اللغة غاية لا وسيلة، بها نفكر وبها نتفاهم . وإذا كان التفكير صحيحاً كانت اللغة صحيحة . والعكس صحيح أيضاً، ثم إن الذوق العام في مختلف الفنون ووسائل التعبير هو في هبوط مريع . فقد صار التعبير بهذه الفنون نتاجاً سريعاً خفيفاً لا يرتكز على أصول قواعد علم الجمال والجماليات في فلسفة الإبداع . فالحياة العامة بمختلف مفاهيمها وسلوكياتها قد طغت على هذه الفنون، ومنها اللغة، وإن تكنولوجيا التواصل قد أثّرت في استعمال اللغة فأبعدتها عن أصالتها وفنيتها وجمالها، وكأن عصر السندويش والجينز بات يتحكم في اللغة ورقيها في التواصل والكتابة والتعبير .

ومن ذلك أيضاً أن أساليب التربية والتعليم، والمناهج في المدارس والجامعات في ما يتعلق بلغتنا أضحت في مستويات خارجة على أصول طبيعة اللغة العربية باسم التقدم والتحديث، وأصبح ما يقدم من برامج تعليمية وطرائق تقديم اللغة في مدار أفقد الذوق الأدبي والفني والجمالي مقامه ومكوناته الجمالية والثقافية والأدبية . وبعد ذلك دخلت شريحة واسعة من الكتّاب والأدباء هذه اللعبة البهلوانية التحديثية، وبات همهم جماهيرية الناس من تصفيق وتطبيل وتزمير على حساب الفن العظيم وشرعة الكتابة والإنتاج . وغدا أمثال الرواد يعدون في نظر أجيال اليوم، من الماضي، متخلفين عن مواكبة العصر ومتطلباته . وصار كل ما هو إفرنجي برنجي قاعدة تأخذ بها أجيال ما يسمى شباب اليوم والعصر، حتى صار استخدام اللغة الصحيحة الراقية العالية درجة قديمة وموضوعاً أثرياً، وصار الخطأ صواباً عملاً بمقولة الخطأ الشائع، وهو صاحب التداول والاستعمال . كما أن هناك رأياً يقول إن اللغة العربية الفصحى ليست لغة عصرية مواكبة منجزات العصر فبات اختزالها ضرورة .

لذلك لا بد من إعادة ترميم ما تصدّع في عالم اللغة جمالياً وأدبياً ولغوياً وفنياً وتأهيل القيمين عليه وترويج المطالعة والتشجيع عليها . . وشعاري قول الشاعر الفرنسي أندريه شينيه لنكتب أفكاراً جديدة بلغة قديمة، أي كلاسيكية جميلة صارمة وصريحة، (أي عربية خالصة) وهذا من أجل اللغة العربية ومستقبلها وإنسانها .

** ويقول د . ربيعة أبو فاضل: الموضوع يتضمن ثلاثة محاور: تغليب الفكرة أو المضمون على جمالية اللغة أو الطريقة الكتابية، وفي ذلك استعادة نهج طه حسين ومعاصريه في التعبير عن ذواتهم وعالمهم، والمعنى أن حلاوة اللغة وطلاوتها وفصاحتها وبلاغتها، وإيجازها وإعجازها، تتراجع جميعاً، أمام مسائل الفكر والحياة التي تفرض نفسها على المثقف والأديب .

إن الإشكالية المطروحة برزت في عصر أبي تمام، وفي نقد الجاحظ وعبدالقادر الجرجاني، وفي كتابات سعيد عقل وأمين نخلة، وفي مناخات الشعر الصوفي والرمزي، وفي ظروف متنوعة، سواء في عالمنا العربي، أو في المساحات الأنكلوسكسونية والفرنسية . وليس صحيحاً أننا اليوم أمام تراجع جمالية الكتابة وطغيان الأفكار . . على أن ذلك قد يحصل في الأدب الضحل غير القابل للبقاء . وفي كل زمان كانت هناك نتاجات من دون إفادة أو زيادة، وتعاني السطحية والهشاشة، وكانت الأفكار المشرّعة والمشارعة تولّد لغتها التلقائية التي تفتقر إلى حرارة الاشتعال إزاء الإنسان والكون . وتتجلى بتساؤلات الأول وبتحولات الثاني . ولا يعقل أن يكون ثمة إنسان خلاق، يعاني ويختلف عن الآخرين، ويتوق إلى كمال المطلق فيه ويقع في تجربة الضحالة والتفكك وتعميق الهوة ما بين أفكار وصور ونفوس، وكلمات وحياة . إن الفكر الأصيل يتأبى عن لبس غير الأصيل، واللغة البهية هي ابنة التجربة النقية . ولئن كثر المتطفلون على الصحافة والأدب والفن، ففي زماننا أيضاً يسقط تجار الهيكل، ويطردون من بيت الجمال . . ولا يحط النحل على شفاههم أو أناملهم، نظراً إلى العقم واليباب .

إن وهن اللغة وانحسار جماليتها، ناتجان اليوم عن إفلاس الإنسان الحديث، إنسان التكنولوجيا والإنترنت والمخدرات والعصبيات والجرائم تجاه البيئة والحياة والفضاء . فهو مادي حتى أعماقه، ويعاني الانفصامات والتسوناميات، وعنف البراكين والحروب، وقد غدا مجنوناً لا يعرف الروح، ومريضاً لا يعرف العافية، وتخلى عن الصمت والسكينة والعزلة واللغة ومعها الجمال، والأحوال والمقامات والاشتعال والإشارات واللمع والأسرار، وهذه لا تتجدد وتشير وتقول في نفوس مريضة، وفي عقول لا تعقل، وقلوب لا تحّن . أما جيل طه حسين، فورث الوعظ الديني ونقله إلى الأدب بجمل طويلة عريضة رتيبة، لا علاقة لها بتجدّد الحياة، وما سمّي نهضة يومذاك، كان مجرد تكرير لتجليات بشار وأبي تمام، ولغنائيات عنترة والجتري، ومجرّد تقليد بارد لكتابات الجاحظ وأبي حيان التوحيدي، وبناء عليه يستحيل التعميم في هذا المقام، لأن تجربة اللغة القرآنية، ولغة نهج البلاغة، ولغة عبدالله العلايلي وأمين نخلة وفؤاد سليمان وجبران، يمكن أن تجد صدى جمالياً في كل عصر، لكن في أوساط النخبة، لأن الجمال ليس للعامة، ولأن لغة الجمال نادرة، وهي لا تحط عند كل عتبة، ولا تطرق أي باب . لا يُلبسها الأزرق والأبيض، ولا تبالي بالحبر الباهت والأصوات البليدة، وهي أيضاً وأيضاً لغة الدهشة أو الاندهاش، لكونها لا تحمّل الاثنين أعباء الماضي بل تتركهم يتشوفون الأزمنة الآتية، ويقرأون الغياب في فردوس لا يذوي ربيعه ولا ينطفئ نوره .

وبعد، يعاني جيلنا كثرة الكتّاب وقلة الكتابة . كثرة الهذر وقلة الإلهام . وذلك يجعلنا أمام أمرين: إما العودة إلى إيزيس وأوزيريس، وعشتروت وأدونيس، غلغامش والفينيق، لكي تمنحنا الأسطورة ما عجز الإنترنت عن تقديمه، أو الانتقال إلى بلد الميتافيزيق الجذاب، لماذا؟ الواقع الراهن، لا سيما في دنيا العرب، أنتج لدى كثيرين، هذيانات لا علاقة لها بالجمال، وواقع الغرب بات في وحل الانحطاط، وموت المواهب، واختناق القيم، وهذا الأمر يساعدنا على فهم الأسباب التي تجعل هوغو وبودلير وراسين ولامارتين وبليك وشيلي يرفضون التقمّص والعودة . وأتصوّر الآن أن أوزيريس وإنكيدو وأدونيس يرفضون بدورهم العودة إلى الحياة، كي لا يروا الحداثة والحداثويين، وكتابات جيل يفتقر إلى التخيّل والإيقاع، والنار والنور، والطيران، والماء والهواء!

** يقول الكاتب بدي ولد أبنو: لا يحتاج الموضوع إلى العودة إلى خلفيته الفلسفية واللسانية في ما يتعلق بعلاقة اللغة بالفكر وهي الخلفية التي طورتها حقول عدة معرفية كفلسفة اللغة والألسنية المقارنة وعلم النفس المعرفي وعلم النفس الاجتماعي والألسنية الاجتماعية . . إلخ .

فمنطوق السؤال كما يظهر يرتبط بإشكالية ما يسمى أدبية التعبير المكتوب خصوصاً بالنسبة للغة كالعربية التي ما تزال تعاني فجوة كبيرة بين مستواها الفصيح ومستوياتها العامية . ولم تنجح بعد في ردم الهوة بين المستويين لأسباب معروفة (مشكلات التعليم، والتربية، والأنماط الاقتصادية السائدة . . إلخ) .

طبعاً كل اللغات الحديثة تعاني أو تواجه تحدي وجود مثل هذه الفجوة ولكن مستوى ضخامتها أو تحجمها يعبّر دائماً عن الوضعية التربوية ومن ثم السياسية والاقتصادية لفضاء لسانيّ ما .

فضاء اللغة العربية بمشكلاته الخاصة (انتشار الأمية، تداخل العربية القديمة والحديثة . . .) ينجر عنه بالنسبة للتقنيات الإعلامية الجديدة بطبيعتها هي السرعة وملاحقة الحدث والغربة في التواصل مع أكبر عدد من الملايين بسرعة إلكترونية يقتضي نوعاً من ممارسة العنف اللغوي، وهو ما تدفع دائماً ثمنه الأطر الجمالية أو على الأقل تضطر للتأقلم معه عبر جماليات (يمكن أن نسميها جماليات الإس إم س والتويتر) وطبعاً كل اللغات بما فيها تلك التي تعاني أقل فجوة بين الفصيح والعامي وتلك التي حجمت الفجوة بين مستواها الفصيح ومستوياتها العامية إلى أقل درجة، أي تلك التي صححت عامياتها وعممت فصحاها (النموذج الأكثر تطرفاً في هذا الباب كما هو معروف منذ القرن الثامن عشر هو نموذج اللغة الفرنسية ثم تليها الإنجليزية، بينما تضم وضعية لغات أخرى كالألمانية والإسبانية والصينية وضعية شبيهة باللغة العربية من حيث علاقة الفصحى بالعامية) تواجه تحدياً شبيهاً، فأكثر الصحف الفرنسية والإنجليزية حرصاً على أناقة الأسلوب وسلامة اللغة بدأت تعاني سيلاً من الإدانات الأكاديمية وتكفي قراءة البريد اليومي لصحيفة مثل الديلي تلغراف البريطانية أو لوموند الفرنسية للاطلاع على مدى شكاوى الجمهور العتيق من انهيار مستوى جماليات اللغة وحتى إملاء الكلمات الذي أصبحت المقتضيات الإلكترونية أكثر نفوذاً فيه من مساطر المجامع اللغوية . إضافة لذلك عنصر خاص باللغة العربية، فالميدان الذي تتألق فيه اليوم العربية في العالم والذي يبقيها في حظيرة المنافسة اللغوية الدولية هو الميدان الإعلامي، خصوصاً ميدان الإعلام المرئي، فهي اللغة الثانية بعد الإنجليزية في الإعلام المرئي، وهذه الوضعية تمثل حالة استثنائية تاريخياً، لأن الفصحى (حالياً) بالنسبة للناطقين بالعربية هي لغة مكتوبة أكثر مما هي شفهية من حيث إن العاميات العربية هي التي تحتكر المستوى المنطوق على الأقل في مستوياته الدنيا .

** الشاعر محمد ولد الطالب يرى أن الأسباب في كون الاهتمام بالفكرة والتعاطي معها أصبح يتم على حساب جماليات اللغة ومفرداتها، أسباب عديدة ومتشابكة ومعقدة، ولعل من أكثرها وجاهة هو ما تعيشه الساحة العربية من ضعف في الذائقة، إضافة إلى طغيان الآلة والتكنولوجيا . فإذا كان هذا العصر يحمل سمة الاختزال في الأفكار لا الابتكار فليس من الغريب أن تختزل اللغة هي الأخرى . ويضيف: كما أن الظروف الاقتصادية المزرية للمجتمعات العربية التي فشلت نخبها في تحقيق مشروعها سببت قطيعة بينها وبين الجمال، فتغيرت مقاييس هذا الجمال حتى وصلت في بعض الأحيان إلى النقيض فأصبح القبح جمالاً والنفاق حنكة سياسية والجبن حكمة وشجاعة والبخل حسن تسيير وتدبير ورشاد .

ابتعاد

القاصة عائشة عبدالله أرجعت أسباب تغير اللغة في العصر الحديث إلى تغير المنظومة القيمية بشكل عام، فقديماً كانت الصالونات الأدبية مثلاً كما المساجلات الأدبية الهاجس الذي يشجع الأدباء على الالتقاء، فيبدعون ألواناً من الشعر والنثر الذي ما زلنا نستذكره إلى اليوم، كانت مساجلات طه حسين والمازني، وكان صالون مي زيادة، وكان الوطن العربي وقتها يهجس برومانسية طالت السياسة والاقتصاد والفكر وغيرها . ومن واقع تجربتها ومعايشتها للواقع الأدبي الراهن نوهت عائشة عبدالله بصورة كاريكاتورية تتعلق بكثير من الأدباء الذين يحضرون مثل هذه اللقاءات، ويتابعون في الوقت نفسه أمور البورصة وعدداً لا حصر له من الانشغالات المالية، مثل هذه الازدواجية التي تحصل الآن والتي هي سمة عصرية بامتياز، غيرت اللغة بكل تأكيد، فابتعدت عن الرومانسية والرشاقة، ذلك أنها اختلطت بالهاجس اليومي للناس فانعكست في كتاباتهم وإبداعاتهم المختلفة .

غياب

يرى الشاعر حسان عزت أنه على الرغم من وجود جانب كبير من الأهمية في مقولة الجاحظ التي أطلقها على الأفكار بأنها معروضة على قارعة الطريق، فإن جانباً آخر قد غاب عن الجاحظ وهو لا يقل أهمية عن الجانب الذي أدلى به، حيث إن من الأفكار العصية المرتفعة كالنجوم في السماء ليست متاحة إلا لأصحاب الفكر الوقاد، أو الذهن المشتعل، وإذا كانت الفكرة أشبه بالوميض، أو أشبه بالشيء المجرد فإن الصياغة المبدعة لها هي التي تعطيها الحياة والدم، وتسعى إلى تضافر المبنى مع المعنى، وتمكن النص من أن يكون فاعلاً ومؤثراً في من يتلقاه، ويمكن لمن يتلقاه أن يكون مبدعاً آخر له .

هواجس

يرى الكاتب الساخر أحمد أميري أن لغة العصر أصبحت أقرب إلى هاجس المال والإدارة وموضوعات مثل تحسين الأداء وجودة الاقتصاد، وهذا يبدو جلياً في الإمارات التي دخلت العصرنة بسرعة فائقة، حتى إن وسائل الإعلام سواء المقروءة أو المرئية صارت تخصص مساحات وبرامج لمثل هذه الموضوعات التي هيمنت على واقع الحال إلى درجة ملحوظة، ويرى أميري أن تأثر الكتابة الإبداعية بهذه الأجواء يعد أمراً طبيعياً، فالأدب من وجهة نظره هو انعكاس للواقع المعاش، لذا فإن تغير اللغة لتوائم العصر يجب ألا يكون مثار استهجان واستغراب أي مراقب حصيف لمثل هذه الظاهرة.