الأصل في القتل العمد ألا يرث القاتل شيئاً من ميراث المقتول، لأن الميراث نعمة، والقتل أنكر الجنايات وأفظعها، فمن تعدى على مورثه بالقتل، لم يجز أن نكافئه على جريمته، لا من ماله ولا من ديته .

- والله سبحانه وتعالى قال في آية: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً (الآية رقم 32 من سورة المائدة) .

- وقال في آية أخرى عندما ذكر المتصفين بالإيمان الخاص: ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق (الآية رقم 68 من سورة الفرقان) .

- وفي القاتل العمد قال عليه الصلاة والسلام: ليس لقاتل ميراث (رواه أحمد) .

وفي حديث آخر: من قتل قتيلاً فإنه لا يرث، وإن لم يكن له وارث غيره (رواه أحمد) .

- وقد فصلت المذاهب الفقهية المعتمدة في ميراث القاتل، فقالت الحنفية إن القتل المانع من الإرث هو الذي يجب فيه القصاص أو الكفارة مع الدية، ويريدون بذلك القتل العمد .

واستثنوا من هذه القاعدة قتل الوالد لولده عمداً، فإنه لا قصاص فيه لكنه يحرم من الميراث لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا يقاد الوالد بالولد (رواه أحمد والترمذي) .

- والقتل الخطأ عند الحنفية تجب فيه الدية مع الكفارة لكنه لا يمنع الميراث .

- وذهب المالكية إلى أن القتل المانع من الإرث هو العمد أو شبه العمد، والمعروف عن المالكية أنهم لا يوجد عندهم القتل شبه العمد، إلا في حالة واحدة وهي أن يقتل الأب ولده بغير الذبح، كأن يرميه بسيف أو رصاصة فيصيبه فيقتله .

وفي هذه الحالة لا يقتص من الأب لأنه لم يتعمد ولكنه أشبه بالتعمد، ففيه دية مغلظة، وحجة المالكية الحديث الذي رواه مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في قصة المدلجي الذي رمى ولده بسيف فأطن ساقه، فنزف فمات، فجاء عمر فأخرج مئة من الإبل، ودعا أخا القتيل وقال: لا يرث القاتل شيئاً .

- أما القتل الخطأ عندهم فلا يمنع الإرث أو بالأحرى أنه لا يمنع الإرث من أصل المال، وإن كان يمنع القاتل من الإرث من الدية .

- والشافعية قالوا إن القتل عمداً كان أو شبه عمد أو خطأ، فإنه مانع للإرث، لأن في كل ذلك مظنة لاستعجال الإرث، لذا لا بد أن يعاقب القاتل بحرمانه .

- أما الحنابلة فالظاهر أنهم وافقوا الشافعية فقالوا إن القتل مانع للإرث حتى لو كان خطأ محضاً، واستدلوا بالحديث الوارد: ليس للقاتل من الميراث شيء (رواه النسائي والدارقطني) .

لكن أعترض على هذا الرأي لعدة أسباب: لضعف الحديث أولاً، ولأن الشخص قد يكون له ولدان: عاق وبار، فيطلب الأب مثلاً من ابنه البار أن يأخذه في السيارة إلى العمرة، فتنقلب بهما السيارة فيموت الأب .

فإذا حكمنا على الولد البار بأنه قتل أباه، وليس له حق في الإرث انفرد عندئذٍ العاق بالميراث، وإذا قلنا إنه قتله خطأ فلا يحرم من الميراث، وهذا هو الصحيح، والله تعالى أعلم .

لذلك فإن المذهب المالكي هو الأصح على الرأي الآخر عند الحنابلة، حيث إنهم فرقوا بين القتل العمد والقتل الخطأ .

- وعلى هذا فإن الرأي الراجح عند الحنابلة كما ورد في الشرح الممتع على زاد المستقنع - المجلد الحادي عشر، باب ميراث القاتل أنه إذا تعمد الوارث قتل مورّثه فإنه لا يرث، وإن كان خطأ فإنه يرث، لكن من المال وليس من الدية، لأن الحديث قال: إنه يرث من تلاد ماله (رواه ابن ماجه) أما الدية فإنها غرم عليه .