د. عارف الشيخ

قال لي أحد الأصدقاء، وهو في ال 58 من عمره: لقد تزوجت بنتاً عمرها 13 سنة، وأنا مسرور بهذا الزواج، قلت: هل رضي أهلها بذلك؟ قال: إنها يتيمة وليس لها أب، تزوجتها من أمها، وقد أعطيت الأم شيئاً من المال فوافقت.
قلت: بئس ما فعلت. قال: أحرام في الشرع أن أتزوج صغيرة؟ ألم يعقد الرسول، صلى الله عليه وسلم، على عائشة، رضي الله عنها، وعمرها ست سنوات، ويدخل بها وعمرها تسع سنوات؟
قلت له: لا تقس نفسك بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا تقس زوجتك بعائشة رضي الله عنها، لأن البون شاسع، والزمن غير الزمن.
نعم، الإسلام لم يحرم نكاح الصغيرة التي تطيق الوطء، وعمر التسع سنوات في بعض البلاد تبلغ فيه البنت، لكن هدف الزواج ليس الوطء فقط، أو ليس جسماً فقط، بل تبادل شعور أيضاً.
والنكاح يراد منه تكوين أسرة، فإذا لم تتوافر فيه الكفاءة العاطفية والعقلية والنفسية والتعليمية، وغيرها من الكفاءات، فلا تكفي الكفاءة الجسمية فقط.
فشتّان بين رجل قارب الستين من عمره، وبنت في بداية العقد الثاني من عمرها، أي في عمر ال 10 أوال 13 أو حتى ال 18 الذي هو بداية سن الرشد.
صحيح أن ولي أمر البكر له حق إجبار البنت على النكاح، لكن شريطة ألا يظلمها ويراعي مصلحتها لا مصلحته، وأن يزوجها من كفء، فلو زوّجها وهي في ال 13 أو ال 15 من عمرها، من رجل في عمر 40 أو ستين، فلا يعد ذلك الرجل بكفء لها، ولو كان متديّناً.
يقول الإمام النووي: «واعلم أن الشافعي وأصحابه قالوا: يُستحب ألا يزوج الأب والجد بنته البكر حتى تبلغ ويستأذنها، لكيلا يوقعها في أسر الزوج، وهي كارهة»، (انظر شرح مسلم ج9 ص 206).
ويقول ابن شبرمة: «لا يجوز أن يزوج الصغيرة التي لم تبلغ أبداً، لأننا إن قلنا بشرط رضاها فرضاها غير معتبر، وإذا قلنا بأن البالغة لا تجبر، فإن غير البالغة من باب أْولى ألا تجبر. وقد قال ابن تيمية بأن هذا هو الصواب».
ولو افترضنا في بعض الحالات أن من مصلحة الصغيرة أن تتزوج من رجل كبير في السن، فإن ذلك ليس من خلال إغرائها بالمال، فالمال ليس كل شيء، والعاطفة جانب مهم في المرأة، لأنها إذا لم تستقر عاطفياً، وفكّر الرجل في راحته فقط، فإنها ربّما تنحرف سلوكياً، أو تمرض نفسياً تحت ضغوط الرجل الذي لا يناسبها في مستوى التفكير ولا في مستوى العاطفة.
أقول: إن زواج الصغيرة ما دون سن البلوغ كما هو موجود في بعض البلاد، لا يجوز شرعاً إذا أريد منها الوطء فقط، لأنه من الثابت علمياً أن التي لم تبلغ جنسياً، مجرد الملاعبة يلحق بها أضراراً، لذلك فإن الله جعل للنكاح وقتاً معيناً، قال تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)، {النساء / 6).
يقول القرطبي: «بلغوا النكاح أي البلوغ، والنكاح يربط به الوطء، ولقد علمنا أنه لا دخول بها إلا بعد البلوغ».
لكن سامح الله بعض أولياء الأمور في بعض البلدان، فالواحد من هؤلاء يعد ابنته بضاعة، فيتجر بها كما يشاء، ولا يلتفت إلى كونها صغيرة، ويستغل حكم الشرع بجواز العقد عليها صغيرة، فيفسره حسب هواه، مستغلاً طفولة البنت التي لم تبلغ مبلغ النساء بعد.