هذا السؤال طرحه أحد الإخوة قبل أيام إثر مشاهدته لأحد الطائفين وهو يقف على جهاز صغير يشبه جهاز التزحلق على الجليد.
والسؤال يجرّنا إلى أن نذكر الحكم الفقهي للطواف وأقوال العلماء في طواف الماشي والراكب والمحمول.
الطواف سواء كان طواف الإفاضة أو طواف القدوم أو طواف الوداع ينبغي للطائف أن يؤديه مشياً على الأقدام، لأن من شروطه أن يؤدى مشياً للقادر عليه، والطواف بالبيت صلاة كما ورد في بعض الأحاديث فالصلاة لا تؤدى قاعداً إلا لعذر، وهكذا الطواف وهكذا السعي إذ الأصل فيهما المشي.
أما حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي طاف بالبيت وهو على بعير، وحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أشتكي، فقال: طوفي وأنت راكبة) (رواه البخاري).
فقد قال ابن حجر إن سبب طواف الرسول صلى الله عليه وسلم راكباً أنه كان عن شكوى، استناداً إلى ما رواه أبو داوود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قدم مكة وهو يشتكي فطاف على راحلته، وفي رواية مسلم أنه طاف على راحلته ليراه الناس وليسألوه، وطاف في حجة الوداع على راحلته وكان يستلم الحجر بمحجنه ليراه الناس.
وكذلك أم سلمة لما اشتكت من علة أجاز لها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تطوف راكبة، ولذلك قال النووي: قال أصحابنا: الأفضل أن يطوف ماشياً ولا يركب إلا لعذر من مرض ونحوه، أو كان يحتاج إلى ظهوره ليستفتى ويقتدى به، فإن كان لغير عذر جاز بلا كراهة لكنه خلاف الأولى عند الشافعية.
وقد شدد مالك وأبو حنيفة فقالا: إن طاف راكباً لعذر أجزأ ولا شيء عليه وإن كان لغير عذر فعليه دم، وقالا بأنه يعيد الطواف ما دام بمكة، فإن رجع إلى أهله فعليه دم.
ويفصل الدسوقي في حاشيته قائلاً: «المشي في كل من الطواف والسعي واجب على القادر عليه ولا دم على عاجز أو سعى راكباً أو محمولاً.
وأما القادر فإذا طاف أو سعى محمولاً أو راكباً فإنه يؤمر بإعادته ماشياً ما دام بمكة ولا يجبر بدم حينئذ، وإن رجع إلى بلده فلا يؤمر بالعودة ويلزمه دم، وإن رجع وأعاده ماشياً سقط عنه الدم».
ثم يقول: «هذا في الطواف الواجب، وأما الطواف غير الواجب فالمشي فيه سنة ولا دم على تارك المشي فيه».
وقال ابن قدامة من الحنابلة: «لا نعلم خلافاً في صحة طواف الراكب إذا كان لعذر» إلى أن قال: وأما الطواف راكباً أو محمولاً لغير عذر فمفهوم كلام الخرقي أنه لا يجزئ وهذه هي إحدى الروايات عن أحمد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف بالبيت صلاة)، فلم يجز فعلها راكباً لغير عذر كالصلاة.
أقول: وإنني مع من قال بأن الركوب رخصة للمعذور فلا يركب إلا لعذر، وفي الوقت نفسه أنا مع الإمام النووي الذي قال: الأولى أن يطوف ماشياً لأنه إذا ركب ربما زاحم الناس وآذاهم، هذا إذا ركب العربة مثلاً.
أما ما رأيته من أنه يركب عجلة أو جهازاً يشبه عجلة التزحلق على الجليد، وسرعته أكثر من سرعة الطائفين فهو يزاحم الناس أولاً، ثم إن طوافه يخلو من الخشوع وفعله يتنافى مع وقار المكان، لأن ما يركبه ملعبة وليس مركبة.
والدين ينبغي ألا يتحول إلى لعب ولهو لأنه يفقد ما شرعت من أجله العبادة، ومن المعلوم أن الله ليس في حاجة إلى أعمالنا الظاهرة قدر ما هو يريد أن يختبر ضمائرنا، فالحاج إذا رفث في الحج، والصائم إذا لم يدع قول الزور، والمصلي إذا لم يخشع قلبه، فإن ما يظهره من أعمال لا تقربه إلى الله، وفي الحديث أن «الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».