تتزايد يوماً بعد يوم الكشوفات المتعلقة بعلم البيولوجيا وما يتصل به من تكوينات الجسد الإنساني وخصائصه وصولاً إلى الانقلابات العلمية الهائلة التي أحدثتها الكشوفات الأخيرة في مجال الجينات الوراثية والحمض النووي، وما يمكن أن يستتبع ذلك من وقوف على أسرار الحياة وتحكم بمسار الجسد وسيطرة على أمراضه وانحرافاته. ومع ذلك فلم يكن علينا أن ننتظر هذه الكشوفات لكي نتبين، على صعيد الشعر والإبداع، المدى الذي يمكن أن تلعبه العناصر الوراثية في تحديد هوية البشر ومواهبهم وميولهم الأدبية أو العلمية. وإذا لم يكن أثر الجينات الوراثية ثابتاً وحاسماً في مجالات الشعر والفن فإن ما يمكن أن يعوض عن ذلك هو المناخ الأسري الذي يعيش في كنفه أبناء المبدعين، بحيث تدفعهم مواهب آبائهم المتوقدة وأحاديثهم اليومية والمؤلفات الكثيرة المرتبة فوق رفوف مكتباتهم إلى اكتساب ملكة التذوق الأدبي والتعلق الاستثنائي بالفنون والآداب، حتى إذا لم يصل الأمر إذا إلى خانة الفعل الإبداعي نفسه.
إلا أن السؤال الأكثر الحاحاً في هذا المجال هو المتعلق بالوراثة الإبداعية وبخاصة في مجال الشعر، لاسيما في ضوء الحقائق التاريخية التي تظهر لنا العديد من الحالات التي يتقاسم فيها الأب مع واحد من أبنائه، أو أكثر ربما الموهبة ذاتها والنشاط الإبداعي إياه. فثمة موسيقيون أنجبوا أبناء تحولوا بدورهم إلى موسيقيين، وثمة رسامون وروائيون ومسرحيون وشعراء فعلوا الشيء ذاته. وهو أمر مبرر وطبيعي باعتبار أن الطفل ذا القابليات الفطرية الهائلة، يجد نفسه وسط أجواء الفن والأدب منذ نعومة أظفاره ويتشرب بشكل يومي تلك المناخات والمفردات والعوالم التي تنحفر كالوشم على صفحة ذاكرته ومسام روحه. لكن اللافت رغم ذلك هو أن العباقرة الكبار نادراً ما أنجبوا عباقرة كباراً مثلهم، في حين أن بعض أصحاب المواهب الصغيرة يمكن أن ينجبوا مواهب لامعة وفريدة. إذ كثيراً ما نسمع بأن والد هذا الرسام أو ذاك كان رساماً بدوره ولكن موهبته كانت شحيحة وشديدة التواضع، والأمر نفسه يصح على سائر الفنون. كأن قدر الأب والابن ألا يكون كلاهما كبيراً واستثنائياً، بل أن يقتصر أمر التفرد على أحدهما من دون الآخر.
على صعيد الشعر العربي أول ما يتبادر إلى ذهن القارىء المتابع هو حالة زهير بن أبي سلمى وابنه كعب. فالأب كما يعلم الجميع هو أحد القامات العالية في الشعر الجاهلي. وهو أحد أصحاب المعلقات وشاعر الدأب والكد والمهارات الفنية الذي سميت قصائده بالحوليات، كون كل واحدة منها كانت تستغرق عاماً كاملاً من جهد الشاعر وعنائه. ولم يكن كعب بن زهير شاعراً هامشياً بأي حال، خاصة وأن قصيدته اللامية المعروفة في مدح الرسول فتحت أمامه طريق الشهرة الواسعة وكشفت عن جوانب مهمة من موهبته الشعرية. وإذا كان كعب لا يرقى رغم علو باعه إلى المستوى الفني الذي بلغه والده زهير، فإن حالتهما مع ذلك تظل استثنائية وشبه يتيمة إذا ما قيست بأحوال شعراء مماثلين في العصور اللاحقة. إذ من النادر أن نعثر، في مجال الشعر على سبيل المثال، على شاعرين كبيرين أحدهما ابن للآخر، بل إن واحداً منهما فقط هو الذي يتمتع بهذه الميزة.
تحضرني في هذا الإطار تجربة الشاعرين اللبنانيين رشيد وأمين نخلة. فالأب رشيد، رغم موهبته الواضحة ورغم كونه مؤلف النشيد الوطني اللبناني، ظل شاعراً متواضعاً أو لنقل متوسط الموهبة، خاصة وأنه حصر معظم شعره في نطاق الزجل والمحكية اللبنانية. بينما استطاع الابن أمين أن يحلق عالياً في مجالي الشعر والنثر. فهو صاحب جماليات رفيعة وأناقة تعبيرية موشحة بالنمنمة والتطريز الأسلوبي بحيث بات يعد واحداً من أبرز مؤسسي المدرسة اللبنانية الجمالية في الشعر والنثر. هناك حالة أخرى لا تعرفها سوى القلة النادرة وهي تلك المتصلة بحسين شوقي نجل أمير الشعراء المعروف أحمد شوقي. فحسين بدوره كان شاعراً مطبوعاً كما يروي بنفسه في الكتاب الذي وضعه عن سيرة أبيه وعلاقته بعائلته وبالشعر والناس، وهو بعنوان أبي شوقي. واللافت هنا هو ما ذكره حسين عن مرافقته لأبيه ولحافظ إبراهيم في رحلة إلى الهرم وعن ارتجاله بطلب من حافظ شطراً أول من مطلع قال فيه: أيا هرمي مصرٍ سلام عليكما. وإذ عجز عن اكمال البيت سارع حافظ إلى القول سلام مشوق منذ خمس إليكما، وهو يشير بذلك إلى السنوات الخمس التي قضاها شوقي مع عائلته في المنفى. إلا أن تلك الموهبة الخام وئدت بعد ذلك بسبب شعور حسين بعجزه المفرط عن مجاراة أبيه ومحاذاة عالمه الشعري المتنوع والرحب.
الأمر نفسه تكرر مع الشاعر اللبناني الأخطل الصغير ونجله عبد الله. فقد وجد هذا الأخير نفسه في كنف شاعر مرهف وأنيق ووارف القامة. ورغم أنه أحس بأعراض الموهبة المماثلة في داخله فقد تردد كثيراً في إصدار مجموعة شعرية لم يدفعها إلى المطبعة إلا بشق النفس. والطريف في الأمر أن عبد الله الأخطل أفصح بشكل لا لبس فيه عن مأزق الشاعر الناشىء الذي يعيش في كنف شاعر كبير فبدأ قصيدته الرثائية التي كتبها بعد رحيل أبيه بالقول:
لم يخلف شاعر في الأرض شاعر. وهو يقصد بالطبع لا الموهبة العادية أو الخام في حد ذاتها، بل الموهبة المتفردة والخلاقة. وقد يكون في كلامه شيء من تواضع الابن أمام أبيه ولكن فيه أيضاً الكثير من الصحة التي تؤكدها وقائع التاريخ.