في غرفة مظلمة لا ترى فيها إلا الشاشة الكبيرة التي انعكس ضوؤها على وجوه يعلوها الفزع، تسمع فقط صوت الموسيقى التصويرية التي صممت لتزيد عدد ضربات القلب فينبض معها معلناً ارتفاع نسبة الأدرينالين، ربما تنقلنا هذه الأجواء وهذه المشاعر إلى حكايات الجدات المرعبة التي كنا نسمعها في الطفولة ونحلم بأبطالها ونحن نغطي أعيننا ونغمض أعيينا بشدة لنهرب إلى النوم من خيالاتنا المرعبة، لكن البعض يفعلون العكس فيهربون من واقعهم المحبط ربما إلى متابعة الأفلام أو الألعاب التي تستثير هرمون "الأدرينالين" ليحظوا بالقليل من الإثارة في حياتهم الراكدة . لكل منهم رؤيته، و"الأدرينالين" هو بطل كل حكاية مرعبة نتعرف إليها في التحقيق التالي:
تجتمع ناجلة حمو ربة منزل، مع أبنائها الأربعة ليتشاركوا المتعة والإثارة في متابعة أفلام الرعب، رغم أن زوجها لا يستسيغ متابعة هذا النوع من الأفلام ليتهمها بين الحين والآخر بأنها هي من جذب الأبناء لاعتيادها، حيث يسوؤه الأمر إلا أنه اعتاده مع الزمن، وتقول: من شدة ولعنا بهذه الأفلام جلسنا ذات مرة في النهار وقمنا بتعتيم المنزل ليتسنى لنا الاستمتاع بفيلم أحضره ابني يومها، وكان جديداً وشيقاً حينها، ولهذا لم نشأ الانتظار حتى يحين الليل لنتابعه كما جرت العادة، وتوضح ناجلة أنها لم تجد أي أثار سلبية كي توقف الاستمتاع بهذه الأفلام، ولكنها تشير إلى أن ابنتها الصغرى التي لا تنضم إليهم عادة فهي لاتزال في عامها الثاني عشر أصرت ذات مرة على مشاهدة أحد الأفلام، وتأثرت بالأمر لفترة حيث سيطر عليها الخوف ولم تعد تستطيع الدخول إلى الحمام وحدها لفترة لا بأس بها، إلى أن تجاوزت الأمر مع الوقت .
ولشدة تأثر أختها بأفلام الرعب التي تتابعها استطاعت أن تتقمص إحدى الحالات الصعبة (الصرع ) لترفض خاطبها بطريقة كوميدية وتخيفه منها كما تقول فرح بلقاس ربة منزل، وتقول : نستمتع أنا وأختي بمشاهدة أفلام الرعب كثيراً، لكنني لا أستطيع أن أتابعها وحدي لأنني أشعر بالخوف، يجب أن أكون برفقة أحد، وعادة أحب أن أتابع هذه الأفلام في السينما لأعيش اللحظة بكل قوتها حيث المؤثرات الصوتية والشاشة الكبيرة، وبالذات مع خاصية 3D التي تجعلني أشعر بأنني في قلب الحدث .
أما إسلام وحيد محاسب، فيجتمع مع أصدقائه ليستمتعوا بمتابعة هذه الأفلام التي تهرب منها زوجته عادة، وعن الأجواء الخاصة بهذا النوع من الأفلام، يقول: يجب أن تكون الغرفة مظلمة، وقد بدلت شاشتي القديمة بشاشة كبيرة جداً لتكون أكثر وضوحاً وإثارة، إضافة إلى المسرح المنزلي الذي وزعته في زوايا الغرفة لنكون أكثر تفاعلاً مع الفيلم، ويشير إسلام إلى أن قصة الفيلم هي أكثر ما يركز عليه عندما يختار الفيلم الذي سوف يتابعه، فالأفلام القائمة على الإبهار البصري لا تعتبر من النوعية الجيدة ولا توجد الكثير من الإثارة .
ولا يتوقف الأمر عند متابعة أفلام الرعب فقط عند عمر الأحمد موظف في شركة تمويل، فهو من هواة السينما عموماً، ولكنه يعطي أفلام الرعب أهمية خاصة عادة كما يهتم بمشاعر الرعب التي يختبرها مع زوجته في بعض أنواع الألعاب الكبيرة، وفي بعض الأماكن التي تتوافر فيها مثل مغارة الرعب الموجودة في أحد المراكز التجارية، ويقول: السينما ثقافة بحد ذاتها، ولكل نوع من الأفلام خصوصيته، فبعض الأفلام تأتي خصوصيتها من الإيحاء الإيجابي الذي تحمله، أما أفلام الرعب فتأتي خصوصيتها من قدرتها على إثارة هرمون "الأدرينالين" لدى الإنسان الذي يصاحب حالة الخوف .
وتشاركه الرأي هدى مبارك موظفة حكومية، مشيرة إلى أنها منذ أن كانت صغيرة كانت تستهويها الألعاب المخيفة كالقطار السريع الذي صمم بطريقة تجعله قادراً على إثارة الخوف داخل من يركبه، خصوصاً مع الحركة غير المنتظمة التي يسير بها، وعن المقالب المرعبة التي تفاجئ بها أفراد عائلتها تقول: كنت أحب كثيراً أن أرتدي القناع المرعب لأخيف أخي وأختي، خصوصاً عندما أعتم الغرفة وأختبئ خلف الباب لأفاجئهما بتقمص الشخصيات المرعبة بالصوت والحركات، وكنت أستمتع أيضاً بتأليف القصص المخيفة عندما أجتمع مع أبناء العائلة لأشعرهم بالذعر الذي أشعر به معهم .
ومن التراث نجد الكثير من القصص المرعبة التي تسكن ذاكرة كل منا مع حكايات الجدات أو الخالات ربما، كما تقول قمر رضوان موظفة: أذكر أن خالتي كانت الشخصية الأكثر إثارة بالنسبة إلى جميع أبناء العائلة، فقد كانت تروي لنا الحكايات المرعبة عندما كنا نثير الكثير من الضجيج لتتحكم بنا، لكننا كنا نصدقها كل مرة، ورغم الخوف الذي يتملكنا كنا نشعر بلذة "الأدرينالين" وهو يخترق أجسادنا مع الخوف، ونحن مجتمعون مع بعضنا بعضاً حد الالتصاق خوفاً من أن تقفز شخصيات خالتي الخيالية عبر النافذة لتخطفنا وتطير .
من جهته يرجع الدكتور موسى شلال أستاذ علم الاجتماع في جامعة الإمارات، الميل إلى مشاهدة هذا النوع من الأفلام إلى التنشئة الاجتماعية التي تنعكس في سلوكيات أفراد المجتمع، مشيراً إلى تأثير الإعلام في عملية التنشئة الاجتماعية، ومبيناً أن الميل إلى مشاعر الرعب والعنف يأتي نتيجة التأثر بما تمر به المنطقة العربية من حروب ومشاكل، وعن دور الإعلام في الترويج لهذه الحالة، يقول: تركز الأخبار عادة على صور الموت والقتل والحروب، وأنا لا أشير إلى المرحلة الآنية فقط، فمنذ حرب العراق بدأ المشاهد يعتاد تكرار مشاهد العنف والقتل على الشاشة بشكل تدريجي، وهذا انعكس على مدى تقبله هذا النوع من الصور، بينما كانت القنوات الإخبارية قديماً تقدم مشاهد الموت بطريقة خجولة، وتنبه مسبقاً أنها سوف تبث بعض المشاهد التي لا تناسب المشاهدين الصغار ليحترس الآباء من أن يرى أبناؤهم ما لا يناسب أعمارهم من عنف، لكن اليوم للأسف أصبح الأمر طبيعياً واعتاد المشاهد العربي للأسف متابعة مشاهد الموت بكثير من الحيادية وهو يتنقل بين محطات التلفزيون، كما اعتاد تكرار هذا النوع من الأخبار على مدى الأعوام الماضية .
ويوافقه الرأي الدكتور جاسم محمد المرزوقي استشاري الإرشاد النفسي والتربوي، مشيراً إلى أن الإعلام لعب دوراً كبيراً في توجيه المشاهد العربي نحو هذا النوع من الأفلام، من خلال الترويج لها، ويوضح أن ميل الأشخاص للاستمتاع بمتابعة هذا النوع من الأفلام يدل على رغبتهم في الهروب من الواقع للبحث عما هو جديد فيها، حيث إن البعض لا يجدون المتعة إلا في المشاهد التي تثير لديهم حس الإثارة والاستمتاع وتحرض هرمون "الأدرينالين" .
بحثاً عن متعة هرمون "الأدرينالين"
"هواة الرعب" هاربون من الواقع
7 مارس 2014 01:42 صباحًا
|
آخر تحديث:
7 مارس 01:42 2014
شارك
تحقيق: زكية كردي