هوس “السيلفي” صورة إطارها الخطر

صنفه علماء النفس الأمريكيون على أنه اضطراب عقلي
02:36 صباحا
قراءة 7 دقائق
تحقيق: محمد حمدي شاكر
ظاهرة اجتاحت العالم بأكمله وأصبحت هوساً لكل فئات المجتمع العامة وحتى رؤساء الدول والنجوم والمشاهير، الذين يحرصون عليها في كل وقت خصوصاً بعد انتهاء أعمالهم الفنية أو أثناء إجازاتهم الخاصة .
موضة أو هوس أو كما صنفته بعض الدول الأجنبية أنه مرض نفسي وهوس شاركت فيه كل فئات ومؤسسات المجتمع الفردية والجماعية، فهو صورة يلتقطها الشخص وحده أو بمشاركة أصدقائه عن طريق كاميرا التليفون المحمول الأمامية .
ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في انتشار تلك الصيحة على نطاق واسع وبسرعة شديدة، برغم أن البعض يرجع نشأتها إلى بدايات القرن العشرين، حيث كان المصورون الذين يلتقطون تلك الصور الشخصية يستعينون بمرايا . ويقال أيضاً إن أول صورة سيلفى في التاريخ للعالم روبرت كورنيليوس صورَها وهو يقف في الجزء الخلفي من متجر طلاء الفضة عام 1839 - فيلادلفيا .
مع اقتراب نهاية ،2013 عَدّ قاموس أكسفورد الإنجليزي المرجعي كلمة سيلفي هي كلمة العام وعرفها ب(الصورة الملتقطة ذاتياً بواسطة هاتف ذكي أو ويب كام وتنشر على موقع التواصل الاجتماعي)، لاعتمادها صورةً رئيسةً في ملفه الشخصي، أو لتسجيل حضوره في مكان معين، أو إلى جانب أشخاص معينين، أو حتى للتعبير عن حالة نفسية معينة يمر بها .
أخذت السيلفي انتشاراً واسعاً على مستوى العالم بعد صورة التقطتها إلين ديجينيريس في حفل توزيع الأوسكار السادس والثمانين، وجاءت بعدها كيم كاردشيان بعد أن التقطت ما يقارب 1200 صورة سيلفي لها أثناء رحلتها إلى تايلاند، وكذلك السيلفي الذي التقطه الرئيس الأمريكي مع رئيس وزراء ماليزيا نجيب رزاق ونشره على حسابه الخاص في تويتر، كل هذا جعل تلك الموضة تصل إلى الدول العربية لكبار الشخصيات السياسية والفنية والاجتماعية، ليصبح الحدث الأهم على الساحة الآن .
نعرض بعض الآراء العامة في "السيلفي" وسبب انتشارها بهذا الشكل، بجانب فكرة تصنيفها على أنها مرض نفسي، وبعض المواقف التي صادفت ملتقطي تلك الصور، بجانب آراء بعض الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين لتحليل الظاهرة، وسبب الإقبال عليها بهذا الشكل، والسبب وراء وقوع بعض الحوادث جراء استخدامها، حتى أن البعض أطلق عليه السيلفي القاتلة، فإلى تلك الآراء والتحليلات التي خرجنا بها من الشارع .
يقول سيف الشمري (بالقيادة العامة لشرطة أبوظبي): "منذ أيام قليلة كادت السيلفي تقضي على حياتي، حيث كنت أقوم بالتصوير أثناء القيادة وانشغلت عن الطريق لفترة وحدث تصادم لولا أن العناية الإلهية أنقذتني، وأحمد الله أن الأضرار كانت مادية فقط .
وأرى أن سبب انتشارها يرجع إلى التطور التكنولوجي الحادث من حولنا في كل شيء، وتوافر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير بين الشباب العرب، ولا أرى أنها تقليد بل بالعكس شيء جميل ولكن مع أن يأخذ الشخص احتياطه أثناء التصوير" .
ويضيف الشمري: "السيلفي وسيلة تساعد على استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والتي للأسف عكست مسماه وأصبحت تباعداً اجتماعياً" .
ورأى السيلفي في نهاية حديثه إدماناً لكنه في نفس الوقت ضد تصنيفها مرضاً نفسياً .
بشر الراشدي (الدفاع المدني) يقول: "ظاهرة جديدة على المجتمع العربي، وكل شيء جديد يسير الناس وراءه ويحبون تقليده، وأعتقد أنها أصبحت متداولة بسبب انتشار برنامج الصور الشهير الانستغرام، وبالتالي يحاول الشباب تصوير أنفسهم بأنفسهم، ويقومون بنشرها على حساباتهم الخاصة من دون الطلب من أحد أن يصورهم .
أما عن فكرة أنه مرض نفسي فهذا كلام غير معقول، كيف يكون التصوير أو تصوير الشخص لنفسه جنوناً؟ لست معك في هذا لكن في نفس الوقت من الممكن أن يكون مثل مواقع التواصل المختلفة التي يدمن عليها الشخص يومياً .
وينهي الراشدي كلامه: "برغم أنني أستخدم السيلفي بشكل مستمر فإنني والحمد لله لم أتضرر بسببه، خصوصاً أنني حذر ولا أخاطر بفكرة التصوير مع حيوانات وما شابه ذلك، أو التصوير في أماكن مرتفعة إلا إذا كانت مؤمنة" .
يقول هاني صلاح (محام): "أستخدم هذه الطريقة منذ أكثر من 4 أعوام تقريباً، ودائماً ما ألتقط صوراً بتلك الخاصية أنا وأصدقائي في رحلاتنا الخارجية وعلى شاطئ البحر، ولم أكن أتصور أن يأتي يوم تصبح فيه تلك الصور صيحة في عالم التصوير وتكون سبباً في قتل أشخاص، ولم أكن أعطي الموضوع أي اهتمام من قبل، أما الآن فقد أصبحت صور السيلفي مختلفة تماماً، خصوصاً أن الرؤساء يستخدمونه وكبار النجوم والمشاهير، لكن في نفس الوقت يجب أن نأخذ حذرنا عند التقاط تلك الصور، خصوصاً في الأماكن الخطرة حتى لا تكون سبباً في نهاية ملتقطها" .
يقول هشام أسعد (صاحب مكتب تأجير سيارات): "أنا من كارهي التصوير وأكره كل من يقوم بتلك الخاصية تحديداً، خصوصاً أنها تظهره بشكل مستفز، لأنها لقطة قريبة من الوجه بشكل كبير، وبالتالي يكون شكل ملتقط الصورة مستهجناً وغير مألوف، أضف إلى ذلك أننا نمشي ونسير مع الغرب في أي شيء ونقوم بتقليدهم في أي صيحة حتى لو كانت غير مناسبة لمجتمعنا وحياتنا العربية الشرقية" .
ويؤكد حسام ياسين (مدير علاقات عامة) كلام هشام حيث يؤكد: هذا تقليد أعمى بالفعل للغرب، ونحن كعرب نلهث وراء أي شيء وأي موضة خارجية، ونبحث عن التفاهات ونقوم بتقليدها، برغم أن الغرب لديه تقاليد أخرى جيد،ة لو نظرنا لها وأعطيناها اهتماماً فسنكون أقوى وأهم منهم بكثير، وهذا ما نراه أيضاً في "تحدي الثلج" الذي بدأ الكثير في تقليده، فالأولى أن نوفر تلك المياه بدلاً من ضياعها في تفاهات وأشياء غريبة لمجرد التقليد الأعمى فقط .
ويقول طارق مقدادي (باحث اجتماعي): "صور السلفي تعد أحد الأمراض الحديثة التي ترتبط بالعصر الذي نعيش فيه، وهي من الأمراض الوقتية التي تمر بفترة زمنية وتنتهي، وصنفها علماء النفس الأمريكيون على أنها اضطراب عقلي .
ويؤكد مقدادي أن النتائج المتوقعة لمثل هذه المشكلة تتلخص في بناء شخصية أنانية قائمة على عدم الاعتماد على الغير وهو من الطبيعي عندما يقوم بكل أعماله باستقلالية، فالصورة لا تلتقط إلا عن طريق التواصل مع الآخر، أصبحت باستقلالية كاملة، لذا فمن النتائج المتوقعة الفردانية، حيث يمكن للشخص إنجازها متفرداً مع نفسه، فلا يعتمد على غيره كذلك من النتائج الوحدة والعزلة حيث يعرف الآخرين بنفسه ووضعه ومكانه عن طريق هذه الصورة .
وكذلك وهم التواصل، فالشخص يوهم نفسه بأنه تواصل وتعرف واكتشف وأحب وخان وكره عن طريق هذه العلاقة الصورية، ويستطيع التعبير عن شعوره بتصوير حالته، والهوية الإلكترونية فهو يستطيع اختيار الزاوية والحالة التي يكون فيها جميلاً ولا يختار غيرها، ونتائج أخرى كثيرة ربما يختلف البعض على الزيادة والنقصان فيها .
من ناحية أخرى يؤكد مقدادي أن السيلفي مرض حسب التصنيف النفسي له، وإدمان حسب التصنيف الاجتماعي، خاصة عندما نرى الشخص أصبح يفرغ قدراته العقلية والمادية لالتقاط صورة خاصة ونقل حالته للآخرين .
يوضح مقدادي أسباب تقليد الشباب لهذا الموضوع قائلاً: "يرجع إلى فقدان القدوة الحقيقية لدينا، وسبب فقدان هذه القدوة يرجع إلى أن الشاب (المقلد) أصبح هذه الأيام يبحث عن قيم مختلفة عن المألوف لدى العرب، وبدأ يتنازل عن قيمه الشرقية والأسس الدينية والتقاليد العرفية، أما القدوة نفسها فلم تعد موجودة بالشكل الكبير، حيث تجد أن العديد من السياسين والفنانين والاقتصاديين أنفسهم يٌقَلِدون" .
يقول الاختصاصي النفسي وليد عبدالحميد: "ظاهرة يعبر الأشخاص من خلالها عن آرائهم، إلى جانب أنها تزيد من الثقة بالنفس لدى الشباب الذين يقبلون عليها" .
وأكد موضحاً: "سيلفي ظاهرة فردية متطرفة، في عصر التواصل الاجتماعي، ويقول من خلالها الشخص الذي يستخدمها سواء رجل أو امرأة "أنا في هذا المكان، في هذا الوقت، لست وحيداً، أنا اجتماعي" حيث يتضح له أن الذين يشاهدون صوره، يصيرون شركاء معه في وحدته وبالتالي، لا يجعلونه يشعر بأنه وحيد" .

تقليد أعمى ينتهي مع المراهقة

د .فاطمة الزهراء ساعي أستاذة علم النفس المساعدة بجامعة الإمارات: "السيلفي" مظهر من مظاهر التقليد الأعمى الذي نراه في هذه الأيام لدى شباب لا يرعاهم الآباء، والمعروف اندفاع المراهق إلى السلوكيات الجديدة والممنوعات لرفضه لكل ما هو قديم بما فيها الضوابط الاجتماعية .
وتكمل موضحة: "توصف فترة المراهقة بالعاصفة الهوجاء، حيث تصنع التغيرات البيولوجية والفيزيولوجية مشاعر نفسية تؤثر سلباً في نمو تقدير الذات -self esteem-، وأثبتت الدراسات وجود علاقة بين تقدير الذات والسلوك اليومي للفرد، حيث يساعد التقدير الذات الأكاديمي على التنبؤ بالأداء المدرسي، كما يرتبط بظهور القلق والاكتئاب وسلوك معارضة المجتمع .
كما أكدت بأنه لا يمكن تصنيف "السيلفي" على أنه مرض نفسي، وإنما يكشف هذا السلوك عن تقليد يرمي إلى تأكيد الذات الذي سرعان ما يختفي باجتياز مرحلة المراهقة، فللأمراض النفسية أعراض متعددة، ربما يكون ممن يقلدون هذه الموضة أشخاصاً يعانون من اضطراب ما، حيث لا يحدد المرض النفسي عرضاً وحداً .
وتضيف: "عدم الانتباه لما يحدث على الطريق، والتركيز في فكرة التصوير السيلفي سبب لحدوث كثير من حوادث السير .
وأضافت: لا يمكن تصنيفها بأنها نوع من الإدمان مثل الإنترنت وبعض الظواهر التي تحولت عند الإنسان والشخص العادي إلى إدمان لا يمكنه الاستغناء عن فعله كل يوم، لكننا من الممكن أن نوصفه بأنه من مظاهر تأكيد الذات عند الأشخاص .
وتختم بأن السيلفي وأي موضة جديدة تظهر في الغرب ونستعين بها نحن العرب، تعد عقدة قديمة لا يمكن أن يتم محوها من قاموس الإنسان العربي

تحذير من نهايات مؤلمة

حذرت الإدارة العامة لشرطة الشارقة مؤخراً سائقي المركبات الخاصة من خطورة استخدام السيلفي أثناء القيادة، وحددت مخالفة مرورية على كل من يقوم باستخدامها، خصوصاً بعد أن تسببت في كثير من حوادث الطرق بسبب انشغال السائقين بتصوير أنفسهم وعدم التركيز في الطريق .
يأتي هذا القرار أيضاً بعد سلسلة من الأحداث المؤلمة على مستوى العالم لبعض الشباب والمراهقين، كانت السيلفي سبباً في إنهاء حياتهم، وأبرز تلك الأمثلة الشاب المكسيكي أوسكار أوغويلار (21 عاماً) الذي انتشرت صوره على مواقع التواصل الاجتماعي مع قصته مع السيلفي والتي تتلخص في استعارته لمسدس من صديق، ليلتقط صورة وهو يضعه في رأسه من دون علم بأنه محشو بالرصاص، حيث ضغط عليه بدلاً من الضغط على زر التصوير وسرعان ما اخترقت الرصاصة رأسه .
الإيطالية إيزابيلا (16 عاماً) حيث حاولت التقاط سيلفي من قمة جبلية بجنوب إيطاليا، وبمجرد رجوعها خطوة للخلف سقطت من ارتفاع 18 متراً على بعض الصخور ما أدى لوفاتها على الفور .
الروسية التي أرادت التقاط سيلفي وخلفها القطار يمر فوق سكة حديدية، وبمجرد علمها أن القطار على وصول استعدت لالتقاط الصور، لكنها فقدت التوازن لتمسك بكابل كهربائي لأحد الأسلاك بقوة 1500 فولت لتتفحم فوراً في مشهد مأسوي وفي يدها التليفون .
في إسبانيا سقط أربع سيدات ورجل من شرفة منزل بسبب سيلفي ويقبعون حالياً بأحد المستشفيات بعد إصابتهم بكسور شديدة، إلى جانب أن واحدة منهم في حالة خطرة وتصارع الموت .
في كندا أحد الشباب كان يسير بسرعة جنونية على أحد الطرق السريعة، وإذا به يمسك بكاميرا جواله لالتقاط سيلفي وانشغاله عن الطريق فيقع الحادث الذي أدى وفاته .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"