حوار: زكية كردي
فنانة بملامح شامية عريقة، وتفاصيل تحكي ذاكرة التاريخ لتقدمها بفساتين تجمع ما بين الفخامة والفن مبرهنة في كل قطعة تبتكرها أنها ولدت لتبدع بطريقتها الخاصة وبأسلوب تخلص فيه لآلاف السنين التي حملتها روحها من دمشق، لتثمر أعمالاً وتصاميم فريدة في مدينة الحياة دبي . "هويدا البريدي" مصممة أزياء استطاعت أن تصنع هويتها الخاصة لتحظى بثقة نجوم الفن في العالم العربي، وتثبت وجودها بجدارة في عالم تصميم الأزياء الذي لا تقف طموحاتها فيه عند حد .
ما أحدث ما قدمته في عالم تصميم الأزياء؟
- عرض في هايتوس بلندن، وكنت سعيدة بعرض تصاميمي في هذا الصرح فهو بناء عريق وقديم جداً ومن المعروف عني شغفي بالتاريخ والحضارات وكل ما يتعلق بها، لهذا أحببت المكان فأطلقت اسمه على المجموعة التي عرضتها فيه، وكانت عبارة عن تصاميم لشتاء 2013 أقيم في نهاية الصيف الماضي، كما صممت فساتين بعض الفنانات لعرض السجادة الحمراء في مهرجان دبي السينمائي الذي أقيم مؤخراً، منهن ميساء مغربي ونسرين طافش وديمة الجندي ويسرا، ولكن للأسف حصل عائق ما ولم تستطع يسرا ارتداء فستانها، فأخذته معها لترتديه في مناسبة أخرى .
هل تظهر علاقتك مع الأشياء القديمة في تصاميمك؟
- حبي للقديم يظهر بقوة في كل ما أقوم به لهذا أطلقوا علي "مصممة القصور الراقية" وهذا لا يعني أني لا أتعامل إلا مع العائلات الملكية، بل يدل على ميلي للموديلات القديمة المأخوذة من الحضارات الماضية وتصاميمي المستوحاة من العصر الثامن عشر في أوروبا وروسيا وأمريكا بشكل خاص لأني أحبه بشدة بكل مكوناته، ولكنني رغم هذا متمسكة جداً في كل قطعة أقوم بتصميمها بإظهار هويتي العربية ولمستي السورية بشكل خاص، فأثر الحضارة يبقى واضحاً ورئيسياً في تصاميمي .
لمن يعود الفضل في كونك مصممة أزياء ناجحة؟
- لسوريا لأني أعتبر نفسي مصممة أزياء موهوبة، فأنا أؤمن أني بحصولي على هذه الموهبة لأني ابنة أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، فلا يمكن ألا تترك نشأتي في دمشق أثراً في نفسي، أو ألا أتأثر بجدرانها التي عمرت منذ آلاف السنين، وهذه البيئة التي تربيت فيها وأنا أرى الحضارة تحكي تفاصيلها في كل زاوية فيها، كل هذا كان كفيلاً بتوفير مساحة فنية كبيرة في شخصيتي، لهذا أؤمن بأن الله منحني الموهبة لأني ابنة مدينة دمشق، لكن شهرتي وتطوري في تصميم الأزياء يعود الفضل فيهما إلى دبي التي احتضنتني ومنحتني الفرصة لأقدم أفضل ما عندي وأضع بصمتي في عالم الأزياء .
ما السبب في تحول دبي إلى عاصمة لمصممي الأزياء العرب وحتى الأجانب؟
- دبي تجذب الجميع وليس مصممي الأزياء فقط، أما بالنسبة إليّ فأقيم بها منذ سبع عشرة سنة، وسبب اختياري لها هو افتقادي للاهتمام بموهبتي في بلدي الأم، بينما كانت دبي تحتضن المواهب المميزة أياً كانت وترعاها، إضافة إلى أنها مدينة مفعمة بالحياة، فمنذ اللحظة التي وصلت فيها إليها شعرت بعلاقة حب تربطني بها، حتى تحولت عبر السنين إلى نوع من الانتماء لأشعر بأنها وطني الثاني .
هل تعتقدين أن علاقة مصمم الأزياء مع نجوم الفن تُعد بمثابة جواز سفر له إلى عالم الشهرة؟
- بالتأكيد يحتاج مصمم الأزياء إلى من يقدمه للعالم ولكن ما كان يمكن أن يقصدني الفنانات ما لم أثبت وجودي على الساحة الفنية بابتعادي عن التقليد، وامتناعي عن مجاملة الآخرين من أجل الربح المادي على حساب العمل، سبب نجاحي أني مصممة أزياء ولست تاجرة، فأنا أعشق هذه المهنة وأتعامل معها باحترام وأحاول أن أتميز، ولهذا استطعت أن أصنع لنفسي هوية خاصة بحيث يستطيع الناس التعرف إلى تصاميمي في أي مناسبة من خلال ملامح الأزياء التي تعبر عني .
إلى أي حد ساهم قربك من العالم الفني في صنع نجاحك؟
- النجمات والإعلام لهما دور كبير في نجاحي فبدونهما لن أستطيع أن الحصول على الشهرة، فهناك الكثير من الفنانين والمصممين الذي يمتلكون الموهبة الحقيقية ولكنهم ظلوا مغمورين لأنهم لم يجدوا من يسلط الضوء عليهم، لهذا أعتبر نفسي محظوظة بحصولي على هذا الدعم سواء من الفنانين أو من الإعلام، الذي لم أحصل عليه إلا بعد الكثير من الجهد والعمل الشاق .
من مِن الفنانات تتعامل معكِ بشكل دائم تقريباً؟
- ميساء مغربي تجمعني بها صداقة قوية، والآن أتعامل مع الفنانة نسرين طافش وأشعر بسعادة في التعامل معها لا لمجرد أنها فنانة جميلة تقدم تصاميمي وحسب، بل لأنها إنسانة متناسقة ومريحة إلى أبعد حد، ومن مصر أتعامل مع د . هالة سرحان وهي صديقة مقربة مني أيضاً والفنانة يسرا، وهناك الكثير من الفنانات مثل شذا حسون وسيرين عبدالنور، وغيرهن، ولكن المقيمات في دبي تعاملي معهن بصفة مستمرة عادة، حيث أن ضيق الوقت يمنعني أحياناً من تلبية الطلبات العاجلة لبعضهن لأني لا أحب أن أغامر بتقديم فستان لست راضية عنه .
كيف تحافظين على قدرتكِ في التجدد والعطاء في موديلاتك؟
- السفر يوحي لي كثيراً، عندما كنت أشعر بعدم القدرة على العطاء وتقديم الجديد أقصد الشام لأتمشى في سوق مدحت باشا والحميدية والحريقة وأتأمل الحارات القديمة، مسلّمة نفسي لسحرها، لأن هذه الأماكن تمتلك سراً يغسل روحي ويجعلني أشعر بأني إنسانة جديدة، كما تمدني بمخزون جديد من الطاقة الإبداعية، وأحياناً الضغط النفسي يجعلني أبدع، فأنا أتذكر أن أفضل قطعة قمت بتصميمها في حياتي كلها أنتجتها وأنا أبكي طوال الوقت، لأن والدي كان مريضاً في المستشفى حينها، وأحياناً يفقدنا الحزن القدرة على القيام بالأشياء التي نقوم بها عادة فعندما أكون محبطة أشعر وكأنني لم أصمم فستاناً في حياتي .
ما أحدث أعمالك؟
- أحضر الآن لمجموعة أزياء جديدة للصيف المقبل أنوي عرضها في معرض هيوتس الذي دعيت له مؤخراً، ولكني لم أتخذ قراري بالذهاب، فأنا أتعامل مع التصميم كفن محكوم بمزاجي الإبداعي . أحب المنافسة كثيراً، ولا أقبل أن أدخلها مع من هم أقل مني موهبة، لأني لا أنافس لأربح بل أعمل لأربح، فأشعر بأني حصلت عليها باستحقاق، وأرفض تلك المنافسات غير المتكافئة كما أرفض الشعور بأن الفوز يأتيني على طبق من فضة .
هل قمت بتعليم تصميم الأزياء للشباب؟
- أحب التعليم كثيراً، وأسعد بالخريجين الجدد الذين يقصدونني ليسألوني ويتعلموا مني وأعلمهم بحماس لأنني أشعر بالمسؤولية تجاههم، وأدعو إلى العمل على الارتقاء بذوق الشعوب العربية في الأزياء لأنها وجه من وجوه الحضارة ولهذا أتمنى أن أساهم في خلق هذه الحالة الحضارية الجميلة .
هل قلدك أحد، وهل يضايقكِ هذا؟
- على العكس تماماً، فأنا أعتبر التصميم فناً لا يمكن أن نمسكه لنحتفظ به لأنفسنا، فكثيراً مايخبرني الزبائن أن هناك محلات تقلد فساتيني وتعرضها في قطر مثلاً أو في مكان آخر، ويعتقدون أن هذا سوف يزعجني، لكنني على العكس أرحب بحبهم لعملي .
هل تتأثرين بالموضة في تصاميمك؟
- بالطبع وأتحسسها فالعين تحبها، بدليل أننا قد نضحك على صور الأزياء التي تعود لفترة السبعينات لكنها عندما أصبحت موضة ارتديناها وشعرنا بالفخر لأنها تمتلك هذا السحر والقدرة على تغيير وجهة نظرنا تجاه الأزياء .
هل تتوقعين الموضة المقبلة، وهل تعتقدين أن هناك دورة عالمية لها؟
- قبل سنوات عدة بدأوا في فتح الدفاتر القديمة للأزياء، ولكن الجديد الذي لم يكن ضمن دورة الموضة كان مظهر التشرد الذي اخترعه المصمم غاليانو بحيث اعتمد على الجينزات المقطعة بطريقة عشوائية والملابس غير المتناسقة، ثم كانت فترة أحببناها حينها ولكنها انتهت، فاليوم هناك عودة للكلاسيك، لتعود موضة الشياكة والأناقة .
هل لديك تصاميم تشعرين نحوها بالكثير من الخصوصية؟
- فعلاً توجد مجموعة لا أقبل بيعها، حيث من الصعب إعادة إنتاجها مرة أخرى، تعبت كثيراً حتى أخرجتها، ولهذا أشعر بأنها لوحة فنية وليست مجرد فستان يمكن أن ترتديه سيدة لتتباهى به، وأحدها يحكي عن جدار قلعة دمشق ولشدة تعلقي به قمت بتحويله إلى لوحة وعرضته أمامي طوال الوقت وكأنه يمثل صورة الشام في قلبي .
ما النصيحة التي تقدمينها لمصممي الأزياء الشباب؟
- أن يبحثوا عن هويتهم الخاصة ولا يستعجلوا في البحث عن الربح االمادي، وألا يلجأوا إلى التقليد، أقول لهم لا تصمموا فستاناً بل ابتكروه، لأن المصممين العالميين يفخرون بهويتهم المعروفة بحيث نستطيع تمييز أزيائهم والأعوام التي تعود لها، ولكننا مازلنا نفتقد لهذه الحالة في المنطقة العربية فمن الصعب أن نعرف هوية صاحب التصميم عندما نستعرض مجموعة من الأزياء المنوعة .
ما أهم العروض التي شاركت بها؟
- في روما لمجموعة اسمها الشام، وحصلت على الكثير من الجوائز والتكريمات بعدها، ومنها طلبي للمشاركة في أزياء ملكة جمال إيطاليا وكانت هذه سابقة في تاريخ المهرجان، فقد كان ممنوعاً أن يشارك مصمم غير ايطالي في انتخابات ملكة الجمال، ولكنهم استثنوني وكان هذا تقدير كبير بالنسبة لي، كما استدعوني أيضاً في عام 2011 ليمنحوني جائزة أفضل مصممة في مهرجان (موضة موفي ) .
كيف تتعاملين مع الألوان في تصاميمك؟
- أحب البحث عن الألوان المفاجئة، ولكن الأمر يتعلق بالمزاج ولا يمكن أن ندعي ميلنا الدائم لألوان معينة، كما أن موضة الألوان لم تعد مسيطرة لأن الناس تدرك أنها ذوق وعلينا أن نختار ما يليق بنا .
إلى أين تتطلعين في عالم تصميم الأزياء؟
- أرفض أن يقال عني مصممة عالمية، ربما أفضل ما يقال عني أني ماهرة، والمشوار أمامي طويل ومن حقي أن أحلم بموقعي في مصاف المصممين العالميين، وأنا أؤمن أن فستاني قادر على المنافسة لكنني أحتاج إلى الطرق التي توصلني إلى هذه المنافسات، فأنا أؤمن بالتخصص .