يقول هيجل: لقد دخل الإسلام التاريخ كقوة مضيئة، حتى تجاوز سلبية الفكر الشرقي التي تعبر عنها عبودية الفكر، كما تجاوز أيضاً خصوصية الإله اليهودي، فالله في الإسلام رب العالمين الرحمن الرحيم، كما قام الإسلام بتنقية الفكر مع بعض التقديسات . لقد رسم الإسلام صورة لله تعالى غير ملموس كإله المسيحية، ويتحدث هيجل بعد ذلك عن سمات المسلمين ويقول: تلك السمات التي ظلت قادرة على السمو، وكان الإسلام هو المحرر من كل الحسابات الدنيئة، وهو ممزوج بكل فضائل كبر النفس والبسالة . ويعود اهتمام هيجل بالإسلام إلى مرحلة الدراسة الثانوية، وظهر ما دونه في فترة الشباب إلى أن العالم الإسلامي كان حاضراً في ذهن هيجل منذ بدايات وعيه الفكري، واستقى هيجل أكثر المعلومات عن العرب وعن الإسلام كحضارة من كتاب جيبون، تاريخ انحطاط وسقوط الإمبراطورية الرومانية، ومنه فصول عن الفتوحات الإسلامية وتطور العلوم عند العرب، ونقل المعارف الفلسفية والطبية إلى أوروبا بواسطة مراكز ثقافية، مثل قرطبة وطليطلة وأماكن أخرى من إسبانيا وإيطاليا .

تناول هيجل كمؤرخ للفسلفة - الفلسفة العربية كجزء من مرحلة كبيرة في تاريخ الفلسفة، تمتد إلى حوالي الألفي سنة، من أواخر القرن الخامس الميلادي نهاية الأفلاطونية المحدثة، حتى النصف الثاني من القرن السادس عشر من بداية الفلسفة الحديثة وتحديداً ديكارت، لم تحظ بكبير الاهتمام من جانب هيجل، وبالتالي فقد سمح لنفسه بأن يجتاز هذه المرحلة من تاريخ الفلسفة بخطى سريعة ولم يكلف نفسه عناء العودة إلى مؤلفات فلاسفة هذه المرحلة واكتفى بما كتبه مؤرخو الفلسفة من معاصريه رغم انتقاده الشديد لهؤلاء المؤرخين خصص هيجل خلال معالجته فلسفة القرون الوسطى بعض الصفحات لما يسميه فلسفة العرب بما في ذلك ابن ميمون ممثلاً للفلاسفة اليهود غير أن هيجل كان يعود في هذا الفصل بشكل شبه كلي إلى ترجمة لاتينية عن ترجمة عبرية رديئة لكتاب دلالة الحائرين لابن ميمون وهذا في رأي بيارجانيون مترجم محاضرات هيجل في تاريخ الفلسفة إلى الفرنسية . كما اعتمد على كتابات وترجمات المستشرقين المعاصرين له مثل تولوك صاحب أول كتاب في أوروبا عن التصوف الإسلامي، إضافة إلى روكرت الذي ترجم بعضاً من أشعار جلال الدين الرومي وآخرين، ويعتبر هيجل أن ترجمات روكرت لا تقل أهمية عن أشعار جوته كما اطلع على ترجمة لديوان حافظ الشيرازي إلى الألمانية التي انجزها هامر وهذه هي المراجع الأساسية لهيجل عن الإسلام .

ويعترف هيجل في محاضرات في فلسفة التاريخ ب أن العلوم والمعارف خاصة الفلسفية منها جاءت إلى الغرب من عند العرب وبمجرد الاحتكاك بالشرق اشتعلت شعلة شعر جميل وخيال خصب عند الجرمانيين ويتحدث عن الإسلام كثورة الشرق لكن دون أن يتلفظ بكلمة إصلاح أو مقارنة صراحة بين الإسلام والإصلاح البروتستانتي إذ كيف يطرحها وهو يعرف أن أنصار الكنيسة التقليدية قد اتهموا الإصلاح بالإسلام وأن أنصار الإصلاح البروتستانتي ردوا على خصومهم بالتهمة نفسها .

يميز هيجل بين الإسلام الأصلي الحضاري الذي انسحب أو اختفى من ساحة التاريخ العالمي ودخل في هدوء الشرق ولا مبالاته من جهة وبين الإمبراطورية العثمانية وما آلت إليه أمورها من جهة أخرى ويكاد لا يخفي إعجابه وتقديره لجوانب يراها نموذجية في الإسلام مثل: إن العرب في فترة وجيزة من الزمن وجدوا أنفسهم متقدمين على الغرب بكثير .

ويقول: إن الإسلام لا يسمح بأي تصوير لله، حيث هذا الموضوع روحي محض . وهنا يمكن أن نلتمس المقاربة الحاصلة في ذهن هيجل بين الإسلام وموقف الإصلاح البروتستانتي تجاه الأيقونات والتماثيل وعلاقة الكاثوليك بهذه الرسوم وموقف الإسلام من كل الرسوم والتماثيل التي ترمز إلى الله . وهيجل يعترف للعرب بفضل الإسلام وكغيرهم من الشعوب بأنهم ملأوا الدرجة المُقرّرة لهم في التاريخ العالمي، فلم يترك العرب ساحة التاريخ العالمي قبل أن يورثوا العالم مساهمتهم الملحوظة في دائرة الروح المطلق أي الفن والدين والفلسفة وفقاً للّوحة الثلاثية العزيزة على هيجل ولتصوّره عن علاقة شعب من الشعوب بالروح العالمي . وهذا بيان من هيجل بفضل العرب على الغرب في ما يتعلق بالفن والفلسفة عندما يقول: إن العلوم والمعارف خاصة الفلسفية وصلت إلى الغرب من عند العرب ولكنه لم يذكر الدين بكلمة فهل هذا تخلي عن الصيغة الثلاثية وإسقاط العمود الثاني من ثالوثه المطلق الفن والدين والفلسفة؟ غير أنه من يعرف الظروف التي كان يُلقي فيها هيجل هذه المحاضرات في جامعة برلين الملكية في عشرينات القرن التاسع عشر يُدرك لماذا كان هيجل يكتفي بتلميحات هنا وهناك . لم يقل هيجل: إن الاحتكاك المباشر بالإسلام كان سبباً من الأسباب القريبة أو البعيدة للنهضة الأوروبية أو للإصلاح الديني في أوروبا ولكن هذا الافتراض يبدو ضرورياً على الأقل لإنقاذ صورة الثالوث المطلق: فن، دين، فلسفة، في تحقق الروح المطلق في مسيرته العالمية .

[email protected]