تكرر حديث القرآن الكريم عن تحذير المؤمنين من الاغترار بالحياة الدنيا ومنها قوله تعالى: #187;يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلهِكُم أَمواَلُكُم وَلاَ أَولاَدُكُم عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفعَلْ ذَلِكَ فَأْوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُون#171;، وقال تعالى: #187;فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِالله الْغَروُرُ#171; .
وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: #187;إن الدنيا حلوة خضرة وإن اللّه مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل النساء#171; . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: #187;ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه#171; .
وعن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: #187;إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها#171;، فقال رجل يا رسول اللّه أو يأتي الخير بالشر؟ فسكت النبيُّ حتى ظننا أنه ينزل عليه فقال فمسح عنه الرحضاء وقال #187;أين السائل#171;؟ وكأنه حمده، وقال: #187;إنه لا يأتي الخير بالشر وأن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم إلا أكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم عادت فأكلت وإن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع ويكون شهيداً عليه يوم القيامة#171; .
وقال صلى الله عليه وسلم: #187;إن اللّه تعالى يقول: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت يدك شغلاً ولم أسد فقرك#171; .
وقد أوصانا نبينا صلى الله عليه وسلم بذكر الموت كما جاء في سنن الترمذي بسنده عنه صلى الله عليه وسلم قال: #187;أكثروا ذكر هازم اللذات، الموت#171; .
عا بر سبيل
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: #187;أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي وقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعدّ نفسك من أصحاب القبور#171; .
وهي رؤية حاكمة لعمل المؤمن في الدنيا، ولا يستفاد منها التوقف عن العمل في إعمارها وفي إعمار الآخرة، وكلاهما عمل محسوب على الإنسان أو محسوب له، المهم ألا يركن المؤمن إلى الدنيا ولا يعتبرها وطنه الذي فيه يقيم، فهو إلى موطنه سائر، وهو فيها عابر سبيل أو غريب الدار، حيث داره في الآخرة هي ما يزرعه في الدنيا، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل وهو يعظه: #187;اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك#171; .
والمرء يكره الموت وقد يكون خيراً ويكره قلة المال وقد تكون خيراً له، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: #187;اثنتان يكرههما ابن آدم، يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال وقلة المال أقل الحساب#171; .
وأسوأ ما يحرص عليه الغافل طول الأمل، وقد روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم غرز عوداً بين يديه وآخر إلى جنبه، وآخر أبعد منه، فقال: #187;أتدرون ما هذا؟#171;، قالوا: اللّه ورسوله أعلم، قال: #187;هذا الإنسان، وهذا الأجل، وهذا الأمل، فيتعاطى الأمل فيلحقه الأجل دون الأمل#171; .
وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يريق الماء فيتيمم بالتراب فأقول: يا رسول اللّه إن الماء منك قريب، فيقول: #187;ما يدريني لعلي لا أبلغه#171;، وعن أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم: #187;يهرم ابن آدم ويشب فيه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر#171;، وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: #187;مثل ابن آدم إلى جنبه تسع وتسعون منية إن أخطأته المنايا وقع في الهرم#171; .
خلود فلا موت
وكما حذرنا عز وجل من الاغترار بالدنيا وما فيها فقد حذرنا من يوم الحسرة، قال تعالى: #187;وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ#171; (مريم 39)، يوم يجاء بالموت كما في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري: #187;كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيُقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، ثم يُقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم، قال: فيُؤمر به فيذبح، ثم يُقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت#171; .
وأي حسرة أعظم من فوات رضا الله وجنته واستحقاق سخطه وناره؟ إنها حسرة من لم يستعد للميعاد، ولم يستكثر من الزاد، وتحسر لأنه لا إلى دنياه راجع ولا في حسناته زائد، فيا للندم والحسرة حيث لا ينفع ندم ولا حسرة .
وروي أن الحسن قيل له إن فلاناً مات بغتة فقال ما يعجبكم من ذلك؟ لو لم يمت بغتة مرض بغتة ثم مات .
قال الغزالي رحمة اللّه عليه: #187;عليك أن تجتنب طول أملك فإنه إذا طال هاج أربعة أشياء:
الأول: ترك الطاعة والكسل فيها يقول سوف أفعل والأيام بين يدي .
والثاني: ترك التوبة وتسويفها يقول سوف أتوب وفي الأيام سعة وأنا شاب وسني قليل والتوبة بين يدي وأنا قادر عليها متى رمتها وربما اغتاله الحمام على الإصرار واختطف الأجل صلاح العمل .
والثالث: الحرص على جمع الأموال والاشتغال بالدنيا عن الآخرة يقول أخاف الفقر في الكبر وربما أضعف عن الاكتساب ولا بد لي من شيء فاضل أدخره لمرض أو هرم أو فقر هذا ونحوه يحرك إلى الرغبة في الدنيا والحرص عليها والاهتمام للرزق .
والرابع: القسوة في القلب والنسيان للآخرة لأنك إذا أملت العيش الطويل لا تذكر الموت والقبر#171; .
اعلم أن مما يعينك على ذكر الموت:
أن تذكر من مضى من أقاربك وإخوتك وأصحابك وأترابك الذين مضوا قبلك كانوا يحرصون حرصك، ويسعون سعيك ويعملون في الدنيا عملك فقصفت المنون أعناقهم، وقلعت أعراقهم وقصمت أصلابهم، وفجعت فيهم أحبابهم فأفردوا في قبور موحشة وصاروا جيفاً مدهشة والأحداق سالت والألوان حالت والفصاحة زالت والرؤوس تغيرت ومالت مع فتان يقعدهم ويسألهم عما كانوا يعتقدون، ثم يكشف لهم من الجنة والنار مقعدهم إلى يوم يبعثون، فيرون أرضاً مبدلة وسماء مشققة وشمساً مكورة ونجوماً منكدرة وملائكة منزلة وأهوالاً مذعرة وصحفاً منتشرة، وناراً زفرة وجنة مزخرفة فعد نفسك منهم ولا تغفل عن زاد معادك ولا تهمل نفسك سدى كالبهائم ترتع ولا تدري .
#187;ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ#171; .
#187;إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيِم ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ#171; .