وادي العجيلي، منطقة تضم نحو 45 منزلاً، وتتبع لمنطقة المنيعي جنوب إمارة رأس الخيمة وتبعد عنها أكتر من 100 كليومتر، وسكانها متمسكون بعاداتهم وتقاليدهم وعلاقاتهم الاجتماعية المترابطة، التي يستشفها أي غريب يدخل قريتهم ولا يزال الرجال يجهزون ولائمهم في الهواء الطلق في أول وثاني أيام عيدي الأضحى أو الفطر، ويتناولون الغداء والعشاء معاً على مصطبة مخصصة لتلك المناسبات الاجتماعية، وكل رب أسرة يحمل طبقاً من الوليمة لأسرته، وحين يتزوج فرد منهم يتضامنون معه، كل حسب مقدرته . تحف منطقتهم المنزوية بين الجبال، النخيل الباسقة، والمزارع التي تصنع بساطاً أخضر .
على بعد أكثر من 10 كيلومترات من الشارع الرئيس، تصعد وتهبط على المنحدرات الجبلية في الشارع الوحيد المؤدي إلى المنطقة، وعند الوصول إليها فتنبهك النتوءات الأسمنتية التي وضعت بشكل مقصود على الشارع لتنبهك لخطورته والتوائه، وتصادفك الحمير منطلقة إلى مراعيها، فيما ترتع الإبل في الأشجار والحشائش التي نبتت بطبيعتها من الأمطار التي سقطت مؤخرا، وعلى جانبي الشارع مزارع صغيرة وبيوت بلاستيكية لنباتات تآلفت مع الوضع فعشقت مياهه الحلوة، وأحنت ظهرها للأحوال الجوية الأخرى .
سميت المنطقة عجيلي، من العجلة والسرعة، كون المطر يجري في واديها بسرعة مستعجلاً لانكابه من على المنحدرات، ثم يصل إلى وادي الحلو والوديان الأخرى ثم خطم الملاحة ثم بحر عمان والمنطقة تحدها المنيعي من الشمال ووادي صفي واصفني من الجنوب .
يقول سالم سعيد المحرزي 35 عاماً: كانت منطقتنا تتكون من فرجان: فريج الفي ويعني الظل فقد كان مستظللاً بأحد الجبال، وفريج العامد وتعود تسميته إلى وقوفه مثل عمود في منتصف المكان، وفريج الشعبة وسمي لوقوعه على أحد شعاب الأودية وفريج العقدة الذي سمي نظراً لكونه محفوفاً بالأشجار، ومنطقتنا منبسطة بين الجبال .
محمد سعيد المحرزي 50 عاماً، يقول: كنا نعتمد على الجمال والحمير في تنقلاتنا، ونعتمد على زراعة الغليون والدخن وهو حب البر الأحمر، ونبيعه في الباطنة أو بو بقرة أو شناص وصحم وصحار في سلطنة عمان، أو رأس الخيمة أو الذيد، وكان الذهاب إلى رأس الخيمة يستغرق 4 أيام بلياليها، حين نبدأ الانطلاق من وادي العجيلي ونذهب جماعات من 5 إلى 10 رجال، ثم إلى وادي اصفي ووادي اصفني ثم السيجي وثم المنامة وبعدها الغيل وأذن إلى ان نصل لرأس الخيمة، وإذا ذهبنا إلى الشارقة نبدأ بمنطقة شوكة ثم حمدة ثم شارع الذيد إلى ان نصل للسوق القديم بالشارقة .
وكنا نزرع الليمون واليارني أي النارنج، وهو من الحمضيات، والغليون نزرعه بكميات كبيرة وكانت النخيل تزرع بأصنافها القديمة منها أنوان، وعين بقر وشحام ومسلخ ومدفون وبقلة النارني، وقشة مي وشبروت وقش بحير، وقش موسى وقش حبش وقش قلقة وشاهون، ومعضمها أصناف انقرضت وحل محلها الجديدة مثل الخصاب والهلالي والخنيزي والخلاص .
ويضيف: أولى المدارس في المنطقة عام 1974 كانت مدرسة المنيعي وكنا أول الدارسين فيها كان عددنا 10 طلاب ينقلنا حميد سالم الذي يعتبر أول من امتلك سيارة لاندروفر في المنطقة، كما كان ينقل الأهالي إلى رأس الخيمة والشارقة، وكانت مدرستنا مختلطة ودرست فيها من الصف الأول إلى الرابع الابتدائي، ثم اتجهت للعمل وكثير من أهالي المنطقة سافر إلى قطر والبحرين والكويت .
سيف سعيد محمد المحرزي 45 عاماً، أوضح أن الرعي وبيع الفحم والزراعة كانت من أكثر المهن انتشاراً، وكان الاهتمام بالمواشي والأبقار لسد الاحتياجات الغذائية الأساسية منها .
راشد حميد 32 عاماً، يقول: إلى الآن نحافظ على تقاليد أعراسنا، فلا يتزوج أحد من أهالي المنطقة إلا مد له الكل يد العون حتى تكون أفراحنا جماعية، فواحد يجلب رؤوس الماشية ويساعد في ذبحها وإعدادها للطبخ، وآخر ينظم الخيام وينصبها، وثالث يشرف على الطبخ، وهكذا إلى أن يتم حفل الزواج على خير، وكان العرس قديماً يبدأ عصر الأربعاء وينتهي صباح الجمعة .
وأتقن عدد من أبناء المنطقة حسب حميد العلاج بالطب الشعبي وبرز شعراء في المنطقة منهم محمد عثمان وراشد أحمد المحرزي، ومن المطاوعة والمداوين بالرقية الشرعية، حميد بن راشد المحرزي وراشد سيف وأحمد جمعة المطوع .
ألعاب شعبية
سيف محمد سعيد، قال، كانت ألعابنا الشعبية مقتصرة على استغلال الموجود من إمكانات فكانت خوصة النخلة لها مكانة عزيزة لدينا ونشكل بها ألعاباً كثيرة، بالاضافة إلى لعبة الصقلة أو التيلة، وهي عبارة عن حصوات صغيرة ترفع إلى أعلى وتلتقط بخفة ومهارة، ومعظم حياتنا كانت بالجبل القريب جداً من مساكننا التي كانت عبارة عن عرش من سعف النخيل أو نسكن في الحامية وهي عبارة عن خيم من دون سقف أو في الكرين وهو مربع الشكل من سعف النخيل وسقفه من حصر مقير وهو الربل المقوى الذي يحفظنا من مياه المطر .
أسماء
شيخة راشد، إحدى الجدات في المنطقة، وتجاوز عمرها الستين عاماً تقول: كنا نذهب أنا وصديقاتي لجلب المياه ونضعها في الأخراس، جمع خرس وهو إناء فخاري يحتفظ بالمياه البادرة، وأذكر مرة حين كنا نجمع الحطب صادفنا ذئباً جائعاً، وكنت لأول مرة أراه، فاختبأنا وراء الأشجار وركضنا إلى اتجاه مغاير بعد أن رأينا أحدهم يتبعه ببندقيته، كنا نهتم بالماشية ونحلبها ويصنع من حليبها الكامي الذي نأكله مع التمر، وحين كانت الماعز تضل الدرب، نبحث عنها بأوصافها فمنها نم أي بدون قرون، ومنها حقب أي فيها نقاط بيض، والحبحبانية أي لها أرجل صغيرة، والطم ذات الآذان الصغيرة .
وتضيف: أسماء بعض البنات لدينا كانت غريبة، إلا أن أغلبها من وحي الطبيعة، فمنهن من كانت تسمي يوخة وسحابة ورفيعة وسعادة وكريرا، وتعني تصغير لصغار الحمام التي تسمى كرار، وغبيرة وكليثم وسلامة، وغريبة، والكثير من تلك الأسماء اختفى، أما أسماء الأولاد أكثر حظاً في التداول إلى الآن فأبرزها طناف ورشود .
مصطبة الأعراس
اصطحبنا سيف المحرزي إلى حيث يجتمع أهالي المنطقة في الأعياد والمناسبات الاجتماعية في حوطة تقع بداية القرية بجانب المسجد، خصصت جزء منها للطبخ تحت مظلات حيث يعتمد الرجال على أنفسهم ويعدون الأرز واللحم، وتضم الحوطة مصطبة مرتفعة يتناول عليها الأهالي وليمتهم عند الانتهاء منها، وفرشت الأرض بالحصا الصغير الذي يفرش فوقه أي حصير ليكون جاهزاً لاستقبال الأهالي الذين يفترشون الأرض ويجتمعون في المناسبات . وهدف الرجال من تحضير الولائم على مسؤوليتهم، أن يعطوا الأمهات وربات البيوت إجازة في الأعياد، واغتنام فرصة ليجتمع رجال القرية تحت سقف واحد في عمل اجتماعي بهيج .