لما زاد خطر الخوارج في الشرق، قرر الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان إرسال الحجاج بن يوسف الثقفي، ليكون أميراً على العراق، والمشرق الإسلامي، لمواجهتهم، وإعادة النظام والاستقرار في العراق. ولما وصل الحجاج إلى الكوفة أقام فيها فترة، ثم غادرها إلى البصرة، وعندما بدأت الثورات عليه في العراق أخذ يتنقل بين المدينتين، حسبما تقتضيه الظروف الحربية، والسياسية وقتها، وتعرض خلالها للعديد من المواقف التي كادت تقضي عليه أكثر من مرة، ما جعله يفكر في بناء مدينة تتوسطهما حتى يسهل عليه إدارتهما.
ويذكر الطبري أيضاً أن من أسباب بناء مدينة واسط رغبة الحجاج في تجنب الاحتكاك بين جند الشام، وسكان البصرة، والكوفة. وقد يكون قصد من إنشاء واسط إبعاد الجند الشاميين عن التأثر بالحياة الاجتماعية، والسياسية، في البصرة والكوفة بما فيهما من ترف، وتيارات سياسية مختلفة، وبذلك يحافظ على روحهم العسكرية، وانضباطهم، وعدم انتقال روح الثورة، والتمرد إليهم. لذا جاء اختيار موقع واسط بعد بحث وتدقيق واسعين، إذ تقع المدينة على الجانب الغربي لنهر دجلة، يقابلها على الجانب الشرقي مدينة قديمة تسمى كسكر. وربط المدينتين جسر من السفن، وعلى كل جانب من النهر جامع، وكان يحيط بالمدينة سور، وخندقان، إلا أن بحشل يذكر أنه كان للمدينة سوران، وخندق.
وذكر ياقوت الحموي في «معجم البلدان» أن الحجاج قال لرجل ممن يثق بعقله: امض وابتغ لي موضعاً في كرش من الأرض، أبنى فيها مدينة، وليكن على نهر جارٍ، فأقبل ملتمساً ذلك حتى سار إلى قرية فوق واسط بقليل يقال لها واسط القصب، فبات فيها، واستطاب ليلها، واستعذب أنهارها، واستمرأ طعامها، وشرابها، فكتب إلى الحجاج بالخبر مادحاً له الموضع، فرد عليه بالقول: اشتر لي موضعاً أبني فيه مدينة.
واشترى الحجاج موقع المدينة، من صاحبها وهو أحد دهاقي الفرس من (داوردان) بعشرة آلاف درهم، ووعد بأن يرعى جواره، ويحسن إليه.
وما يميز واسط موقعها الجغرافي على نهر دجلة، وتوسطها بين الكوفة والبصرة والمدائن والأحواز من جهة أخرى، إذ تقع على طرق التجارة النهرية والطرق البرية، ما جعلها من المراكز التجارية المهمة، إضافة إلى الأراضي الزراعية الخصبة المحيطة بها.
أما عن تسميتها بهذا الاسم، فقيل لأن الموضع الذي اختاره الحجاج لبناء مدينته، كان يسمى واسط القصب.
ويذكر أيضاً ياقوت الحموي فى معجمه أنها سميت واسط لأن موقعها وسط بين البصرة والكوفة والأحواز، فهي تبعد بمقدار خمسين فرسخاً عن كل من المواقع الثلاثة.
واختلفت المصادر في تحديد تاريخ بناء مدينة واسط، إلا أن معظمها يجمع على أن عملية البناء تمت بين 83ه و 86ه/ 702 و 705م، أي في أواخر حكم الخليفة عبدالملك بن مروان الذي استأذنه الحجاج في إنشاء المدينة.
وذكر ياقوت الحموي فى كتابه أن الحجاج بنى في الداخل قصره الذي اشتهر بقبته الخضراء العالية، التي كانت ترى من مدينة فم الصلح الواقعة على بعد سبعة فراسخ شمالي واسط، وأقيم القصر فوق مساحة من الأرض مربعة الشكل، أبعادها أربعمئة ذراع في مثلها، وكانت له أربعة أبواب كل منها يفضي إلى طريق عرضه ثمانون ذراعاً. وإلى جانب القصر بنى المسجد الجامع على عادة تخطيط المدن العربية الإسلامية، وكانت مساحته مئتي ذراع في مثلها، وجعل على مقربة من القصر سوقاً عامرة، كان فيها تجار لكل صنف من البضائع، يتعاطون تجارتهم في قطعة خاصة لا يخالطهم فيها أحد، وأمر بأن يكون مع أهل كل تجارة صيرفي لتسهيل معاملاتهم المالية، وكان في الجانب الغربي أيضاً سجن الحجاج المعروف ب «الديماس».
ونجد أن تخطيط مدينة واسط أثر في تخطيط مدينة بغداد فيما بعد، لأن اقتباس تصميم مدينة السلام من مدينة واسط، ما هو إلا دليل على حسن هندستها، وتنظيم إدارتها من قبل أميرها الحجاج.
أما تكاليف بناء مدينة واسط التي أنفقها الحجاج والمتمثلة في الأجزاء الرئيسية، كالقصر، والمسجد الجامع، والسور، والخندقين، فبلغت، كما ذكر بحشل، خراج العراق لمدة خمس سنين. وإن كان التقدير مبالغاً فيه، إلا أنه يدل على أن بناء مدينة واسط تكلف أموالاً كثيرة.
أبواب وحراس
بعد أن سكن الحجاج مدينته الجديدة، أسكن إلى جواره جنده الشاميين، ومجموعات أخرى من السكان العرب من وجوه أهل البصرة، والكوفة. كما أنه جعل على كل باب من أبواب المدينة حرساً، وحرّم على الغرباء المبيت داخلها، فكان عليهم أن يتركوها قبل إغلاق أبوابها عند المغيب.
هذه الإجراءات دليل على اهتمام الحجاج بأمن وطمأنينة سكان واسط التي شهدت عهده نمواً وازدهاراً سريعين، وأقبل الناس على سكناها، ووضع قوانين صارمة للمحافظة على جمالها.
كما أولى الحجاج الناحية الصناعية اهتماماً كبيراً، لسد حاجة السكان الاستهلاكية، ومن أبرز الصناعات النسيج، والخزف والفخار، والحدادة، والنجارة، والصباغة، والحصر.
وقدر للمدينة أن تلعب دوراً حضارياً وسياسياً كبيراً في تاريخ العراق، إذ أصبحت لفترة طويلة مركزاً اقتصادياً مهماً، وأنجبت العديد من أعلام الحركة العلمية في العراق. وهذه الأهمية تضاءلت نسبياً بعد إنشاء بغداد، وإن احتفظت واسط بمركزها التجاري لقرون، حتى أفل نجمها بسبب تعرضها للغارات الخارجية، وتحول مجرى نهر دجلة الغربي عنها إلى مجراه الشرقي الحالي، فى القرن الحادي عشر، الهجري (السابع عشر الميلادي)، فهجرها سكانها، وتحولت بعد ذلك إلى أنقاض، وبقايا خرائب لا تزال آثارها ماثلة.