قفزت الولايات المتحدة الأمريكية فوق حائط العلاقات المتأزمة مع السودان، وهي تحمل جزرة بلا طعم أو لون، في تطور لافت ونادر وتوقيت مريب، حين توجت تحركات محمومة قادتها سفارتها في الخرطوم خلال الشهرين الماضيين بدعوة قيادات في حزب المؤتمر الوطني الحاكم لإدارة حوار بين البلدين .
لم تكن العلاقات بين الخرطوم وواشنطن في أسوأ حالاتها كما هي خلال العامين الماضيين، لتبلغ ذروتها مع مطلع العام الجاري بتصريحات نارية ووعيد من الطرفين، وفشلت كل محاولات التطبيع العلنية والسرية من أطراف مختلفة في الإدارتين السودانية والأمريكية، بعيداً عن المواقف الرسمية، التي لا توفر مناسبة إلا وتكال الاتهامات المتبادلة والتهديدات .
إن إعلان وزارة الخارجية الأمريكية مطلع الأسبوع، الدعوة رسمياً لقيادات في حكومة الرئيس البشير لزيارة واشنطن وإدارة حوار عميق، كان مفاجئاً ولافتاً، إن لم يبدو غريباً ومريباً، فالعلاقات بين البلدين لم تتحسن منذ تسلم الرئيس عمر البشير للسلطة في السودان في العام ،1989 وحتى في فترات الهدوء وشهر العسل المتقطع في حقبة التسعينات لم تستمر طويلاً كما لم تثمر وضعاً مختلفاً، وظلت الولايات المتحدة في الإطار الخلفي لكل القرارات الدولية الصادرة من مجلس الأمن والأمم المتحدة في حق السودان، بل إن مراقبين يذهبون إلى أن انفصال جنوب السودان كان خلفه لاعب أساسي هو الولايات المتحدة، ضمن منظمومة أخرى من الدول الغربية .
دعوة الصقور
وتكمن الغرابة في أن واشنطن تبنت القول إن الدكتور نافع علي نافع ومسؤولين آخرين قبلوا دعوتها لهم لإدارة نقاش صريح بين البلدين، ولا يخفف من الغرابة أن الخرطوم تنازلت ووافقت على إجراء الحوار، مثلما لا يخفض من حواجب الدهشة أن واشنطن اختارت غلاة المناهضين لها في حكومة البشير، وهو الدكتور نافع نائب البشير في الحزب الحاكم ومساعده في القصرالرئاسي، مثلما يحتفظ وصف لافت ونادر ببريقه حال التأكيد أن الدعوة جاءت من إدارة الرئيس باراك أوباما، والإشارة الرسمية إلى أن واشنطن تنتظر الوفد السوداني الرفيع للحضور إلى واشنطن .
وقبل العودة إلى خلفية العلاقات المتوترة بين الخرطوم وواشنطن خلال العامين الماضيين، فإن النظر إلى أمر الزيارة ببراءة، لا يشكل فارقاً، خاصة بعد الهجوم الصارخ من نواب في الكونغرس على أوباما وانتقاد الدعوة خصوصاً للدكتور نافع علي نافع، وفي توقيت ترتفع فيه وتيرة الأحداث في دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان والنزاع الحدودي بين السودان وجنوب السودان، بيد أن واشنطن تمسكت بدعوتها، ودفعت بالقائم بالأعمال الأمريكي في الخرطوم، جوزيف إستافورد، إلى التشديد على أن موافقة د . نافع جاءت بعد طرح الإدارة الأمريكية عقد هذه الاجتماعات .
لكن مراقبين يشيرون إلى أن هجوم الكونغرس الأمريكي بقيادة العضو فرانك وولف لقرار الرئيس أوباما دعوة وفد حكومة السودان إلى واشنطن، دفع واشنطن إلى القول إن دعوة بلاده لحزب المؤتمر الوطني لزيارة واشنطن لم تحدد مواعيدها بعد، والإشارة إلى وصفها بأنها جلسة حوار سوداني أمريكي . وكان وولف قال في رسالة موجهة إلى أوباما: إن نافع عارض السماح بنشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في دارفور .
ومع تواتر حول مغزى الدعوة والزيارة، حرص القائم بالأعمال الأمريكي بالخرطوم جوزيف إستافورد على إيراد تفسيرات منها أن الدعوة مقصود منها مناقشات صريحة بشأن مكافحة الإرهاب والمفاوضات الجارية مع قطاع الشمال في أديس أبابا، بجانب الصراعات والأزمات الإنسانية في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وقضية حقوق الإنسان، وتنفيذ الاتفاقيات مع جنوب السودان، بجانب إصلاح النظام السياسي عبر انفتاح الحكومة لتشمل أحزاب المعارضة بجانب مواصلة إصلاح دستوري شامل وهادف .
ولا يخفى أن هذه المواضيع هي كل المشاكل التي يعيشها السودان، وهي قضايا تثير قلق الكثيرين، قبل الحكومة الأمريكية، التي ترى في الحوار السوداني الأمريكي تهيئة للظروف لإجراء ممارسة حرة ونزيهة للانتخابات المقبلة . ويؤكد المتحدث باسم الخارجية الأمريكية بالإنابة باتريك فندريل، إن الولايات المتحدة تنتظر الوفد السوداني للحضور إلى واشنطن، وإجراء حوار أمريكي سوداني صريح حول النزاعات والكوارث الإنسانية داخل السودان .
نقلة نوعية
والشاهد أن الخبر الذي تسيد وسائل الإعلام مطلع الأسبوع، تكشف عباراته الكثير، كما تلمح صياغته، التي جاءت موحدة في أغلبية وسائل الإعلام، إلى نوايا مجروحة بخلفية نمطية وتاريخية يصعب إبعادها عن ذهن القارئ، وهو يرتقب زيارة تعد أرفع تواصل دبلوماسي نادر الحدوث .
بيد أن مراقبين يرون في الزيارة سياقاً متساوقاً مع الإشادات والترحيبات المتكررة خلال الفترة الماضية بما يعتبره دبلوماسيون أمريكيون تطوراً في تنفيذ السودان اتفاقياته مع جنوب السودان . ويشيرون إلى قول المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هلاري رينير، إن واشنطن ترحب وتشجع السودان الذي أحدث تطوراً لافتاً في مسألة منطقة أبيي وفقاً لخريطة الاتحاد الإفريقي، وهذا يعني أن هناك تطوراً نوعياً، ونحن نبدي قلقنا من بعض الأشياء لذلك قررنا أن نرفع السقف ونجري حواراً مباشراً مع الحكومة السودانية .
لقاء مفتاحي
تقارير متفرقة أشارت إلى لقاء جمع مساعد الرئيس السوداني د . نافع علي نافع والقائم بأعمال السفارة الأمريكية جوزيف استافورد منتصف أغسطس الجاري، ركز فيه المسؤول الأمريكي على أن تواصل واشنطن الحوار مع مكونات الشعب السوداني من منظمات مجتمع مدني وغيرها عبر مسار واحد، بخلاف ما كان في السابق، وأشارت إلى أن المساعدات الأمريكية كانت في السابق تركز على المشروعات الإنسانية وليس التنموية . ويرى مراقبون أن ذلك اللقاء كان مفتاحياً للتطور الآني في العلاقات بين واشنطن والخرطوم، حيث أعقبه تغير واضح في لغة الخطاب السياسي لحزب المؤتمر الوطني، والترحيب باستئناف الحوار مع الولايات المتحدة وإقامة علاقات سياسية واقتصادية جديدة معها .
وبررت قيادات في الحزب، أن تغيّر الإدارة الأمريكية من مفاهيمها واستراتيجيتها الخاطئة تجاه السودان يساعد في الحوار البناء، وترافقت تقارير تشير أن السياسة الأمريكية تجاه السودان تأتي في إطار التحولات في المنطقة العربية، مشيرة إلى أن واشنطن تسعى للعمل مع النظام الحالي وإصلاحه ودعمه وتقويته حتى لا يتعرض لآثار الربيع العربي، وفقاً لعلاقة ارتباط إيجابي تقر الاقتراب من الخصم والتعامل معه بدلاً عن معاداته . وتبعاً لذلك المفهوم فقد تراجع الإعلان المتكرر من قبل السودان بعدم تغير موقفه تجاه العلاقات مع أمريكا، حيث كان يري انه طالما أن ملف التطبيع متروك بين يدى مجموعات الضغط بالكونغرس الأمريكي فإنه لايرجو خيرا من هذا الاتجاه، وابتعدت الاتهامات المنتظمة في فترات سابقة من حزب المؤتمر الوطني الحاكم للادارة الأمريكية باستخدام التكتيك فى استراتيجيتها مع السودان والتدخل في شؤونه الداخلية تحت غطاء تحسين العلاقات بين البلدين .
ترحيب متناغم
وبدأت الخرطوم ترحيباً متناغماً في كل مستويات القيادة، مع رفع واشنطن درجة اهتمامها بملف السودان، ويرى دبلوماسيون ان الخرطوم أعربت خلال حوار رفيع المستوى مع نافذين في واشنطن تطلعها إلى حوار حقيقي، يترافق مع ما اسمته تطورات إيجابية على الساحة الداخلية والانفتاح على حوار وطني وصياغة دستور جديد والعفو عن حاملي السلاح وإطلاق سراح معتقلين سياسين، فضلاً عن تحسن العلاقات مع الجنوب وزيارة الرئيس عمر البشير إلى جوبا، وبالتالي يشيرون إلى أن الخرطوم تنتظر مقابلاً نوعياً من واشنطن، ربما جاء هذه المرة، رفعاً للعقوبات الاقتصادية وإعفاء الديون الدولية، وخفض قرار المحكمة الجنائية في مواجهة الرئيس عمر البشير .
صفقة خفية
هل تعد واشنطن صفقة سرية مع الخرطوم؟ سؤال تحاشى البعض الإجابة عنه، بالإشارة إلى أحداث متفرقة، تبدو من دون رابط، لكنها تصب في ذروة الدعوة والزيارة المرتقبة، التوقيع على اتفاق أديس أبابا، زيارة الرئيس البشير إلى جوبا، أجواء الحريات على محدوديتها، اطلاق سراح المعتقلين، اطلاق يد المنظمات الإنسانية بعدما منحت الخرطوم أمريكيين تأشيرات وأذونات دخول لمناطق النزاع الحدودية، كلها أحداث يرى البعض أنها عرابين لتطبيع العلاقات مع واشنطن .
بينما يرى البعض الآخر، ان واشنطن ترى استعصام السودان عن الدخول إلى الربيع العربي رغم أزماته، قنبلة مؤقوتة، قد تقود إلى ان تنفجر الأوضاع وتتصاعد بشكل لا يمكن السيطرة عليه . وربما انتبهت واشنطن لتحذيرات زعماء المعارضة، بضرورة إحداث تغيير ديمقراطي لنظام الحكم في السودان بدلاً عن العمل على إسقاطه، وهم يشيرون إلى أن السودان يواجه خطرا محدقاً يتطلب الإسراع في إيجاد حلول لأزمات البلاد .
ربما يعلم الجميع ماذا تريد الخرطوم من واشنطن، لكن البعض لا يعلم ما تريده الأخيرة من الأولى، هل تطلب تسليماً لزعيم جيش الرب للمقاومة الأوغندي جوزيف كوني الذي تؤكد منظمة أمريكية وجوده في السودان وهو مطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية منذ أعوام لاتهامه بارتكاب جرائم حرب؟ هل ترغب في التعامل مع الأزمة السودانية بأسلوب تفكيكها والتعامل معها (خطوة خطوة) عبر نشاط مباشر، وصفقات ومقايضات؟ وهل تستهدف واشنطن، بعد صبر طويل صقور الحزب الحاكم، بعيداً عن حمائم الإصلاح؟ وهل تدفع إلى إطلاق سراح مدير المخابرات السابق صلاح قوش؟ وهل تطلب من الخرطوم السيطرة على الميليشيات المتحالفة معها، وإخراجها من الساحة كمقدمة لضبط الأمن، وإحداث تغيير في ملف حقوق الإنسان؟ كل الإجابات تنتظر الزيارة المرتقبة، التي أصبحت بين فكي واشنطن، فإن هي حدثت سيكون لها شأن وإن لم تحدث فذاك شأن آخر .