بعد فرار طليحة الأسدي من مواجهة خالد بن الوليد رضي الله عنه والتحاقه بغساسنة الشام، كانت مهمة خالد أن يتعقب فلول المرتدين ومن والأهم من قبائل هوازن وسليم . وقد لحق بهم إلى ظفر، حيث التفوا حول أم زمل، سلمى بنت قرفة التي كان يضرب بها المثل في العزة والمنعة فيقال فيها: أعز من أم قرفة وكانت تعلق في بيتها أكثر من خمسين سيفاً، كل سيف لرجل من رجالها . وقد دار بين جيش أم زمل وجيش خالد بن الوليد أحر قتال . وقد وقفت على جمل مشهور تضرم النخوة في قلوب جندها، وترد الشجاعة إلى من أدبر منهم . فجعل خالد بن الوليد رضي الله عنه مئة من الإبل لمن يصيب الجمل . فهبت نخبة من الفرسان فعقروه . ودارت الدائرة عليها، فقتلت أم زمل . ثم تفرقت سرايا خالد رضي الله عنه في إثر المنهزمين، تضربهم وتجمع الأسلاب والغنائم وتدعو إلى الإسلام .
وصية أبي بكر
بعد مقتل أم زمل، قصد خالد بن الوليد رضي الله عنه مالك بن نويرة التميمي، وقد كان متحيراً، يقدّم للردة قدماً، ويؤخر أخرى . وكان رؤساء تميم كلّهم قد قدموا بالصدقات على أبي بكر، كالزبرقان بن بدر وصفوان بن صفوان، ووكيع بن مالك وغيرهم، إلاّ مالك بن نويرة . إذ بقي متردداً، حتى إذا بلغه مجيء خالد إليه، ندم على ما فعل، وفرّق قومه في البطاح . ولما أراد خالد قصد البطاح تخلفت عنه الأنصار، وقالوا: قد عهد إلينا الخليفة إن نحن فرغنا من بزاخة أن نقيم حتى يأتينا أمره . فقال خالد رضي الله عنه قد عهد إليّ أن أمضي أمره . وأنا الأمير ولو لم يأتِ إليّ كتاب بما رأيته فقد أوصاني فقال: . . عليك بتقوى الله وإيثاره على سواه والجهاد في سبيله، والرفق بمن معك من رعيتك . فإنّ معك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل السابقة من المهاجرين والأنصار . . .
ثم تابع قراءة وصية أبي بكر له حيث ذكر أنه قال له: فإذا دخلت أرض العدو فكن بعيداً من الحملة، فإني لا آمن عليك الجولة . واستظهر بالزاد وسر بالأدلاء وقدم أمامك الطلائع، ترتد لك المنازل، سرّ في أصحابك على تعبئة جيدة، واحرص على الموت توهب لك الحياة . ولا تقاتل بمجروح فإن بعضه ليس منه . واحترس البيات فإن في العرب غرة . واقلل من الكلام، واقبل من الناس علانيتهم وكِلْهم إلى الله في سريرتهم .
سوء فهم
ولمّا سار خالد رضي الله عنه إلى مالك، وتخلّف عنه الأنصار، ندموا وقالوا: إن أصاب القوم خير حرمتموه، وإن أصيبوا ليجتنبنّكم الناس، فلحقوه . ولما قدم خالد رضي الله عنه البطاح بث السرايا، أمرهم بداعية الإسلام، وأن يأتوه بكل من لم يُجِب . وكان أبوبكر رضي الله عنه قد أوصاهم): أن يؤذنوا إذا نزلوا منزلاً . فإن أذن القوم، فكفوا عنهم . وإن لم يؤذنوا فاقتلوا وانهبوا . وإن أجابوكم إلى داعية الإسلام، فسائلوهم عن الزكاة . فإن أقروا فاقبلوا منهم . وإن أبوا فقاتلوهم .
ولما بث خالد السرايا جاءته سرية بمالك بن نويرة في نفر من ثعلبة بن يربوع . واختلف رجال السرية فمنهم من قال إن مالكا وقومه لم يؤذنوا ومنهم من قال: إنهم اذنوا . فلما اختلفوا، أمر بهم خالد، فحبسوا في ليلة باردة . فأمر خالد منادياً فنادى: دافئوا أسراكم . وهي في لغة كنانة تعني القتل . فظن القوم أنه أراد القتل . فقتلوهم . ومنهم مالك بن نويرة . وسمع خالد بما جرى، فخرج، وقال: إذا أراد الله أمراً أصابه . وتزوج خالد أم تميم امرأة مالك .
وكتب أبو بكر إلى خالد أن يَقدمِ عليه، ففعل . ودخل المسجد وعليه قباء . وقد غرز في عمامته أسهماً . فقام إليه عمر فنزعها وحطمها وأسمعه كلاماً أليماً . فلم يكلمّه . ودخل على أبي بكر وأخبره بجلية الخبر، واعتذر إليه، فقبل عذره وودى مالكاً من بيت مال المسلمين .
ومما لا شك فيه أن الخليفة أبا بكر رضي الله عنه، كان يعلم بأمر مالك بن نويرة وتردده في الالتزام بالإسلام . ولذلك ارتأى أن يبعث في إثره وفي إثر جميع المرتدين قائده وفارسه خالد بن الوليد . وإذا صح أن قَتْل مالك سببُه سوء فهم، فإن خالداً غير مسؤول عن دمه . كذلك فإن تردد مالك في الأمر من بدء الردة، يدل على أن الرجل ما كان يُخلِص النية، وإلاّ كان تابع بقية سادات تميم بإرسال الصدقة إلى أبي بكر، ولم يبطئ إلى حين وصول جند المسلمين إليه .