في معرض الرد على بعض الناس الذين يعتقدون بأن الدين يحرم على الإنسان الضحك والمزاح والمداعبة، ويفرض عليه الصرامة في كل أحواله، أوضح العلامة الدكتور يوسف القرضاوي في الحلقة السابقة أن الإسلام بوصفه دين الفطرة لا يتصور منه أن يصادر نزوع الإنسان الفطري إلى الضحك والمرح، مشيراً إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان برغم همومه الكثيرة يمزح ولا يقول إلا حقاً.
وهنا نستكمل رأي سماحته في هذه المسألة.
كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان في خير قرون الأمة يضحكون ويمزحون، اقتداءً بنبيهم صلى الله عليه وسلم واهتداء بهديه. حتى إن رجلاً مثل عمر بن الخطاب على ما عرف عنه من الصرامة والشدة يروى عنه أنه مازح جارية له، فقال لها: خلقني خالق الكرام، وخلقك خالق اللئام! فلما رآها ابتأست من هذا القول، قال لها مبيناً: وهل خالق الكرام واللئام إلا الله عز وجل؟
وقد عرف بعضهم بذلك في حياته صلى الله عليه وسلم، وأقره عليه، واستمر على ذلك من بعده، وقبله الصحابة، ولم يجدوا فيه ما ينكر، برغم أن بعض الوقائع المروية في ذلك لو حدثت اليوم لأنكرها معظم المتدينين أشد الإنكار، وعدوا فاعلها من الفاسقين أو المنحرفين.
من هؤلاء المعروفين بروح المرح والفكاهة والميل إلى الضحك والمزاح: النعيمان بن عمر الأنصاري، رضي الله عنه، الذي رويت عنه في ذلك نوادر عجيبة وغريبة.
وقد ذكروا أنه كان ممن شهد العقبة الأخيرة، وشهد بدرًا وأُحدًا، والخندق، والمشاهد كلها. ومعنى هذا: أنه من السابقين الأولين من الأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، كما ذكرت سورة التوبة.
روى عنه الزبير بن بكار عددًا من النوادر الطريفة في كتاب الفكاهة والمرح نذكر بعضًا منها:
قال: وكان لا يدخل المدينة طُرفة إلا اشترى منها، ثم جاء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبها يطلب نعيمان بثمنها، أحضره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قائلا: أعط هذا ثمن متاعه، فيقول: أو لم تهده لي؟ فيقول: إنه والله لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله، فيضحك، ويأمر لصاحبه بثمنه.
ومن الطرائف أن صحابياً آخر من أهل الفكاهة والمزاح، استطاع أن يوقع نعيمان في بعض ما أوقع فيه غيره من المقالب كما في قصة سويبط بن حرملة معه، وكان ممن شهد بدراً أيضاً، قال ابن عبدالبر في الاستيعاب في ترجمة سويبط رضي الله عنه: وكان مزاحاً يفرط في الدعابة، وله قصة ظريفة مع نعيمان وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما، نذكرها لما فيها من الظرف، وحسن الخلق.
وسئل ابن سيرين عن الصحابة: هل كانوا يتمازحون؟ فقال: ما كانوا إلا كالناس. كان ابن عمر يمزح وينشد الشعر. وابن عمر هو من هو، في ورعه وجده وتشدده.
وبهذا يكون موقف أولئك النفر من المتدينين أو المتحمسين للدين، وعبوسهم وتجهمهم الذي نراه على وجوه كثير منهم، لا يمثل حقيقة الدين في شيء، ولا يتفق مع هدي الرسول الكريم وأصحابه. إنما يرجع إلى سوء فهمهم للإسلام، أو لطبيعتهم الشخصية، أو لظروف نشأتهم وتربيتهم.
إن قوله تعالى على لسان قوم قارون له ناصحين: (لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) (القصص: 76) لا يفهم منه ذم الفرح بإطلاق، فقد قال تعالى: (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) (يونس: 58).
وقال صلى الله عليه وسلم: للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه متفق عليه.
بل الفرح المراد هنا كما يدل عليه السياق هو فرح الأشر والبطر والغرور والانتفاخ الذي ينسي صاحبه فضل الله عليه، وينسب كل فضل إلى نفسه، فهو فرح بغير الحق، كذلك الذي ذم به القرآن المشركين حين قال لهم بعد دخولهم النار: (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون) (غافر: 75).
ومثل ذلك فرح الذين غرهم علمهم المادي، فوقفوا عنده، ورفضوا ما جاء به الوحي، وفيهم جاء قول الله تعالى: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) (غافر: 83).
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: لا تكثر من الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب فالحديث واضح الدلالة على أن المنهي عنه ليس مجرد الضحك، بل كثرته، وكل شيء خرج عن حده انقلب إلى ضده.
وأما وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه متواصل الأحزان فالحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حجة.
ويعارضه الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، أنه كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الهم والحزن.