من منّا لا يعرف قصة وامعتصماه؟ ومن منّا لا يعرف الخليفة العباسي الشهم المعتصم بالله؟ ومن منّا لم يقرأ في كتب التاريخ عن فتح عمورية المجيد؟
- قاد ملك الروم جيشاً بلغ عدد جنوده مئة ألف جندي، وهاجم شمال الشام والجزيرة، ودخل مدينة زبطرة، فمثلوا بمن صار في يدهم، فقطعوا الأنوف وسملوا الأعين، وسَبَوا عدداً من المسلمات، واعتدوا على الأعراض .
- وممن وقعوا في أسر الروم امرأة صرخت بأعلى صوتها: وامعتصماه، فلما بلغ نداؤها المعتصم العباسي استشاط غضباً، ويروى أنه كان في يده قدح يريد أن يشرب ما فيه، فقام وهو يقول: لبيك لبيك، ثم جهز جيشه وخرج إلى عمورية في سنة 223ه .
وفي رواية، أن المعتصم عندما بلغه النداء، كتب إلى ملك الروم يقول: من أمير المؤمنين إلى كلب الروم، أطلق سراح المرأة، وإن لم تفعل بعثت لك جيشاً، أوله عندك وآخره عندي . ثم أسرع إليها بجيش جرّار قائلاً: لبيك يا أختاه .
- نعم . . المهم أن المعتصم لبّى نداء المستغيثة به، وفتح عمورية وحرر المرأة، ويومئذ كتب أبوتمام قصيدته المشهورة التي مطلعها:
السيف أصدق إنباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
- هكذا وقف هذا الخليفة وقفة شجاعة من قضية امرأة استغاثت به في أقصى البلاد، وما حمله على ذلك إلا غيرته ونخوته وشهامته، ويروى عنه أنه كان أهيب الخلفاء العباسيين .
- وما أشبه الليلة بالبارحة، حيث تستغيث بلاد بأكملها وشعوب برجالها ونسائها، ومع ذلك لا تجد أذناً صاغية، مما جعل الشاعر السوري عمر أبوريشة يقف ويقول:
أمتي هل لك بين الأمم
منبر للسيف أو للقلم؟
أمتي كم غصة دامية
خنقت نجوى علاك في فمي
ألإسرائيل تعلو راية
في حمى المهد وظل الحرم؟
إن أرحام السبايا لم تلد
للعلى غير الجبان المجرم
أمتي كم صنم مجّدته
لم يكن يحمل طهر الصنم
هل يلام الذئب في عدوانه
إن يك الراعي عدو الغنم؟
كيف أغضيت على الذل ولم
تنفضي عنك غبار التهم؟
رُبّ وامعتصماه انطلقت
في الورى ملء شفاه اليتّم
لامست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم