أ .د . قصي الحسين
في حديث رواه الترمذي عن ابن أبي هالة عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، ذكر حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سألت خالي هند بن أبي هالة وكان وصافاً، أن يصف ما عند رسول الله من الأخلاق الحميدة والفضائل المجيدة وخصال الكمال العديدة، فقال: "إذا أريناك صحتها له صلى الله عليه وسلم وجلينا الآثار ما فيه مقنع والأمر أوسع، فإن مجال هذا الباب في حقه، صلى الله عليه وسلم، ممتد، تنقطع دون نفاده الأدلاء، وبحر علم خصائصه زاخر لا تكدره الدلاء" .
وتحدث عن حلية رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: "كان فخماً مفخماً، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة (الرأس) رجل الشعر (طويله)" . وكان عليه الصلاة والسلام: "أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب . أقنى العرنين (الأنف)، له نور يعلوه، ويحسبه من لم يتأمله أشم . كث اللحية، أدعج، سهل الخدين، ضليع الفم، مفلج الأسنان" .
"وأما عنق رسول الله، فهو في صفاء الفضة، وأما جسمه فهو ممتلئ متماسك سويّ البطن والصدر، واسع المنكبين، نير الأديم، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط . وكان عليه الصلاة والسلام، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة ضخم الكفين والقدمين، سائل الأطراف، سبط العصب (ممتد ليس فيه تعقد) مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً . وكان إلى ذلك خفيض الطرف (العين) . نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء . جل نظره الملاحظة (النظر باللحظ) . يسوق أصحابه (يمشي خلفهم) ويبدأ من لقيه بالسلام" .
ثم يصف منطق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: كان متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، ولا يتكلم في حاجة . وكان طويل السكوت . يتكلم بجوامع الكلم فصلاً . لا فضول فيه ولا تقصير . وكان عليه الصلاة والسلام، دمثاً، ليس بالجافي ولا المهين . يعظم النعمة وإن دقت (صفرت) . لا يذم شيئاً . لم يكن يذم ذواقاً (ما يذاق من مأكول أو مشروب) ولا يمدحه . ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له (أي لا يثبت له أحد إذا غضب)، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها . إذا أشار، أشار بكفه كلها . وإذا تعجب قلبها (أي قلب كفه) . وإذا فرح غض طرفه . جل ضحكه التبسم . ويفتر عن مثل حب الغمام .

في المنزل الشريف

وسأل الحسن بن علي بن أبي طال، رضي الله عنهما، أباه علياً، عن مدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخرجه ومجلسه وشكله، فقال له: "كان دخوله لنفسه (دخوله منزله) مأذوناً له في ذلك . فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءاً للّه وجزءاً لأهله، وجزءاً لنفسه . ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدخر عنهم شيئاً . فكان من سيرته في جزء الأمة، إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمته على قدر فضلهم في الدين . منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج . وكان يقول لأمته: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" . وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته . "فإنه من أبلغني حاجة من لا يستطيع إبلاغها لي، ثبت الله قدميه يوم القيامة" .
وتحدث الحسن بن علي بن أبي طالب، رضي الله عنهما، عن حال النبي بعد خروجه من منزله، فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلاّ مما يعنيهم (يهمهم وينفعهم) . ويؤلفهم ولا يفرقهم . يروم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره وخلقه" . وأنه كان عليه الصلاة والسلام، "يتفقد اصحابه ويسأل الناس عما في الناس . ويحسن الحسن ويصوبه . ويقبح القبيح ويوهنه . لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا ولا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره" .

مجلس النبي

وسئل الحسن عما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في مجلسه، فقال إنه سمع من أبيه علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان لا يجلس ولا يقوم إلاّ على ذكر . وأنه كان لا يوطن الأماكن (يريد أنه لا يلازم مكاناً بخصوصه في غير بيته) . وإنه كان ينهى عن إيطانها . وإذا انتهى إلى قوم، فإنه كان يجلس حيث ينتهي به المجلس . وأنه كان يأمر بذلك . وكان عليه الصلاة والسلام يعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه فيه . ومن سأله حاجة، لم يرده إلاّ بها أو بميسور من القول (أي بقول لين سهل) وعن جلسائه، فإنهم صاروا عنده في الحق سواء . مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة . لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤمن فيه الحرم (أي لا تذكر فيه النساء بسوء)" .
وسأل الحسن بن علي رضي الله عنهما أباه علياً عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه، فقال: "كان دائم البشر (السرور) سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ . لا صخاباً (يرفع صوته في خصومة) ولا فحاشاً ولا عياباً ولا مدّاحاً . ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه . وترك الناس من ثلاث: فكان لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته . (يتجسس عن عيوبه) . وكان إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير . وإذا سكت تكلموا . ولا يتنازعون عنده . . . الحديث" .