أصبحنا اليوم في زمن، يشكو فيه المعلم من طلابه، ويشكو الرجل سوء خلق زوجته، ويشكو الناس جميعاً سوء تعامل بعضهم مع بعض، ونرى كل واحد منهم يلقي باللائمة على غيره .

إنني في الواقع أرى تغير الشارع من تغير البيت، فالبيت لو لعب دوره التربوي الصحيح، لما وصل المجتمع إلى ما وصل إليه، ويأتي بعد البيت دور المدرسة، ذلك أن البيت يربي والمدرسة تعلّم .

فالأب الذي يريد أن يربي ابنه تربية صحيحة، لو اختار معلماً كفؤاً لابنه، لكان ذلك الولد جديراً بأن يقود المجتمع إلى بر الأمان والسلام، وكم من المهم أن نجد أباً قائداً يختار لنا معلماً قائداً لتعليم ابنه شؤون الحياة .

وبما أن الحياة تربية، والتربية ترغيب وترهيب، فإنني لم أجد منهاجاً تربوياً أصلح من وصية هارون الرشيد، رحمه الله، لمعلم ولده أبي الحسن الأحمر، رحمه الله، الذي كان عالماً من علماء النحو والأدب واللغة في عصره .

يقول الخليفة العباسي القدير هارون الرشيد في وصيته لمؤدب ابنه:

يا أحمر إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه، وصيّر يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة .

فكن له حيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن الكريم وعرّفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصّره بمواقع الكلام، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته .

وخذه بتعظيم بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد إذا حضروا مجلسه ولا تمرّن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها، من غير أن تحزنه فتميت قلبه وذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه .

وقوّمه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة .

هذه الوصية قرأتها مراراً وتكراراً، ومازلت أقرأها، وفي كل مرة أجد فيها شيئاً جديداً، ولم أجد أفضل منها وصية للآباء والمربين والمعلمين، بل حتى للأزواج مع زوجاتهم في البيوت .

والسبب أن الوصية شملت الجوانب التربوية المهمة عند رجال التربية، حيث إن التربية كما يقول التربويون: تهدف إلى إحداث نمو متكامل في شخصيات المتعلمين (الأطفال) في المجالات العقلية والبدنية والنفسية والاجتماعية .

وفي النهاية لابد من أن تحدث تغييرات إيجابية في سلوك المتعلمين، في مجالات مختلفة كالمعرفة والقدرات والمهارات العقلية والمهارات النفسحركية والميول والاتجاهات والقيم، وأنماط التكيف الشخصي والاجتماعي والانفعالي .

وإذا كان اختيار الرجل نصف عقله كما يقال، فإنني أجد ذلك في الرشيد، عندما أتأمل في هذه الكلمات العفوية التي صدرت منه، وهو رجل لم يتخرج في جامعة بوسطن، لكنها أصابت قلب الحقيقة، فهو لم يسلم ولده إلى جاهل بالتربية، ولم يسلمه إليه ليتخلص منه، بل ينتظر من ابنه أن يكون في المستقبل قائداً للمسلمين، يعرف كيف يدبر الأمور، وكيف يقدر طبقات الناس، ويخاطب كل واحد بما يليق بمقامه .

والحياة ليست كلها عبادة، بل معاملة وحسن أدب، وإذا عاش الطفل محروماً في طفولته، فإنه سوف يعامل الناس بما عاملوه به .

لذلك فإن الأب الحنون والحازم في الوقت نفسه، أوصى الأحمر بأن يكون وسطاً في ثوابه وعقابه، وما عليه بعد ذلك أن يكون له اللحم ولوالده العظم كما تقول العامة .