حسن عبد الوارث

ربما لم يختلف البحَّاثة والنسَّابة والنقاد حول شاعر، في شخصيته وهويته، وفي حسبه ونسبه، وفي شعره وأثره، مثلما اختلفوا حول وضاح اليمن. وقد تعددت الروايات وتنوعت الأقاويل في هذه التفاصيل التي شكّلت دوامة من علامات الاستفهام والتعجب التي حفلت بها سيرة هذا الشاعر، وجعلت قارئها ومتابعها يغرق في لُجَّتها من دون أن يخرج منها في الأخير إلى برّ الأمان.
ففي أصله وفصله قيل إنه يماني من أصل حِمْيَري، فهو عبدالرحمن بن إسماعيل بن عبد كُلال بن داذ بن أبي جمد من آل خولان بن عمرو بن معاوية الحِمْيَري. غير أن مصادر أخرى تزعم أن أصله فارسي من فئة «الأبناء» وهم ذُرِّيَّة المقاتلين الفرس الذين أرسلهم كسرى مع سيف بن ذي يزن لمّا جاءه يستنجده لنصرته على الأحباش الذين احتلوا بلده، فلما أعانوه على طردهم من اليمن، ظلوا فيها وأداروا شؤونها وتزوجوا من نسائها وصارت لهم فيها ذُرِّيَّة أطلق اليمنيون عليهم نعت «الأبناء» لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم، أي أنهم «مُولَّدون».

ولا يكاد الفريقان يصلان إلى مفترق طرق يفصل بين الرأيين، حتى انبرى الدكتور طه حسين ليُشكِّك في صحة وجود وضاح اليمن من الأساس، حيث استفاد في طرحه هذا - الذي وضعه في الجزء الأول من كتابه الثلاثي «حديث الأربعاء» - من تبايُن الآراء وتضارُب الأطروحات حول هوية ونسب وضاح. وقد زعم طه حسين أن شخصية هذا الشاعر إنما هي من صنيع اليمانيين الذين أحسُّوا بافتقارهم إلى شعراء غزليين يبُزُّون مكانة الشعراء المُضَريين الذين كانوا حينها ينافسون شعراء الغزل اليمانيين. وقد غاب عن عميد الأدب العربي أن امرأ القيس اليماني هو الذي مهَّد طريق الشعر الغزلي منذ العصر الجاهلي لبني جلدته فأجادوا السير عليها، بحسب ما تدل عليهم آثارهم. كما أن قول طه حسين لم يدعمه صاحبه بالأدلة والبراهين بما يؤكده ويدلل على صحته، بحسب النقد الذي حمله عليه الدكتور محمد خير البقاعي الذي درس سيرة حياة وضاح وجمع ديوانه وحقَّقه.
عدا ذلك فإن لوضاح شعراً يفخر فيه بحسبه ونسبه، مُنوِّهاً بمجده الذي ورثه عن أبيه وجدِّه:( ألستَ ترى مَنْ حولَنا مِنْ عدوِّنا / وكلِّ غلامٍ شامخِ الأنفِ قد مَرَدْ. فقلتُ لها: انِّي امرؤٌ فاعْلَمِنَّهُ / اذا أخذتُ السيفَ لم أحفلِ بالعددْ. بنى ليَ اْسماعيلُ مجداً مؤثَّلاً / وعَبْدُ كُلالٍ قبلهُ وأبو جَمَدْ. تُطيفُ علينا قهوةٌ في زجاجةٍ / تُريك جبانَ القوم أمضى من الأسدْ ).
ومثلما اختلف الرواة حول هوية وضاح ونسبه، اختلفوا حول شعره. ومن نافل القول أن ما جُمع منه وحُفظ ووصل إلينا ليس سوى النزر اليسير مما خلَّفه وراءه، بل أن عديداً منه وصلنا مجزوءاً في شكل قُصاصات غير تامَّة وأشتات غير مكتملة، بعد أن كان شعره محفوظاً ومتداولاً بين الناس وفي المجالس الخاصة حتى القرن التاسع للهجرة. وقد راح البعض يُشكِّك في نسبة بعض هذا الشعر الى وضاح، زاعماً أن ثمة اختلافاً في حبكته وجودته عن غيره من الشعر المنسوب إليه باتفاق جُل أو كُل الرواة، أو أن بعضه يحتشد بألفاظ وصور وتعابير هي ليست من سِمات الشعر الذي كان سائداً في الفترة التي عاش وقال الشعر فيها وضاح اليمن ( القرن الهجري الأول ).
غير أن وضاحاً كان يُفاخر الناس وبضمنهم الشعراء بشعره قائلاً:
( ضحكَ الناسُ وقالوا / شعرُ وضاح اليماني. انما شعريَ قَنْدٌ/ خُلِطَتْ بالجُلْجُلانِ )،القند: عسل قصب السكر، والجلجلان: السمسم.
ولا يذكر مصدر من المصادر التي أرَّخت لوضاح اليمن سنة ميلاده - شأنه في ذلك شأن كثير من الأعلام قديماً - أما وفاته فقد حدَّدها بعض المصادر بسنة 90 هجرية، فيما أشارت مصادر أخرى إلى أنه توفي بين عامي 93 و95 للهجرة.. غير أن المؤكد هو معاصرته لعهدَيْ الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان وولده ولي العهد ثم الخليفة الوليد الذي توفي سنة 96 للهجرة والذي يؤكد أغلب الرواة أن وضاحاً مات - أو قُتل - في عهده، كما سنذكر ذلك لاحقاً.
وتفيد المصادر بأن وضاح اليمن وُلِدَ ونشأ في قرية «شُعُوب» في إحدى ضواحي صنعاء والتي كانت حينها مزدانة بالبساتين، فكان يقضي معظم وقته متأملاً جمال الطبيعة التي لقيَ نفسه في كنفها، ولعلَّ ذلك مما أنبت بين جوانحه قريحة الشعر وأثَّر في مشاعره المختلجة على الدوام والتي انعكست على صوره وتعبيراته الشعرية، حتى حين غادر صنعاء إلى الحجاز، ثم إلى الشام حيث استقر لبقية عمره، راحت نفسه تهفو إلى «شعوب»:
( أَبَتْ بالشام نفسي أن تطيبا/ تَذكَّرتِ المنازلَ والحبيبا. تذكَّرتِ المنازلَ من شُعُوبٍ / وحيَّاً أصبحوا قُطِعُوا شعوبا ).
وأما تسميته بوضَّاح فترجعه أغلب المصادر إلى أنه كان ذا وجه جميل للغاية، حتى إن أهله - أو قبيلته - فرضوا عليه وضع قناع على وجهه كلما خرج من داره، لكثرة ما فتن النساء بجمال وجهه الوضاء أو الوضاح.
وفي ظل هذه التباينات التي شابت سيرة هذا الشاعر، أو التشكيك في صحة الكثير من مجريات حياته وأحداثها، بل وحقيقة وجوده من الأساس، أو حتى تجاه قصائده، يظل وضاح اليمن واحداً من أبرز رموز الشعر اليمني في العصر الإسلامي عموماً، وفي الفترة الأموية خصوصاً، بل وواحداً من أفضل شعراء الغزل في ديوان الشعر العربي إجمالاً.
بين امرأتين
تهيمن امرأتان على سيرة وقصائد وضاح اليمن بصورة شبه كاملة. أولاهما هي حبيبته وبنت قبيلته «روضة» التي خلَّدها في جزء كبير من شعره، ولم تُعرَف لها هوية واضحة خارج هذا الشعر. وقد اختلف الرواة في أصلها قدر اختلافهم في أصل حبيبها وشاعرها، فقيلَ إنها يمنية كِنْدِيَّة من جذع فرغان ذي الدروع الكِنْدي، وقيلَ إنها من بنات الفرس أي من ذُرّيَّة «الأبناء».. وقد ذكر بعض المصادر أنها تُدعى روضة بنت عمرو.
غير أن الاختلاف حول هويتها لم يقابله أدنى اختلاف حول حقيقتها كحبيبة لوضاح اليمن الذي عانى في حبها كثيراً وكابد في سبيل وصالها الويلات، فقد عشقها بولهٍ شديد، ولكنه حين ذهب إلى أهلها خاطباً رفضوه بل ووبَّخوه بعنف كعادة العرب الأقحاح في تعاطيهم مع من يُشبِّب ببناتهم فيجعلهن مُضغة في الأفواه. بعدها انقطعت صلة وضاح بروضته، خصوصاً أن أهلها زوَّجوها برجل من حي بعيد عن شعوب، لكنه ظل يتغزَّل بها بقية حياته، قائلاً فيها أجمل أبيات الغزل المشوب بالحسرة والمشبوب بالحُرقة.
لكن القصيدة التي شاعت وذاعت حينها، وأرَّقت أهل روضة فكانت سبباً في رفضهم لوضاح خطيباً، بل ودفعت بعض بني عمومتها إلى محاولة قتله يومها، هي التي جاءت على صورة حوارية متأججة المشاعر ومكشوفة الساتر بين وضاح وروضة، وقد قال في أبرز أبياتها:
«قالت: ألا، لا تلجنَ دارنا/ إنّ أبانا رجلٌ غائرُ. قلتُ: فإنّي طالبٌ غرّةً / منهُ، وسيفي صارمٌ باترُ. قالت: فإنّ القصرَ من دُونِنا/ قلتُ: فإنّي فوقهُ ظاهرُ. قالت: فإنّ البحرَ من دوننا/ قلتُ: فإنّي سابحٌ ماهرُ. قالت: فحولي أخوةٌ سبعةٌ/ قلتُ: فإنّي غالبٌ قاهرُ. قالت: فليثٌ رابضٌ بيننا/ قلتُ: فإنّي أسدٌ عاقرُ. قالت: فإنّ الله من فوقنا/ قلتُ: فربّي راحمٌ غافرُ. قالت: لقد أعييتنا حُجَّةً / فأتِ اذا ما هجعَ السامرُ».
أما المرأة الأخرى في حياة وشعر وضاح اليمن فهي أُمُّ البنين بنت عبدالعزيز بن مروان وزوج الخليفة الوليد بن عبدالملك بن مروان. وقيلَ إن وضاح اليمن قد عشقها وتغزَّل بها ووصلها في قصرها، وأنها خبَّأته في صندوق، فعلمَ الوليد بالأمر فدفنَ الصندوق بالذي فيه. وقد اشتهرت قصة مصرع وضاح اليمن في صندوق أم البنين، بالرغم من أن عديدين قد شكَّكوا في صحة هذه الرواية، مشيرين إلى أنها من صنيع الشعوبيين الذين دأبوا في نسج الأخبار الكاذبة على خلفاء العرب وسادتهم ورموزهم واختلاق الحكايات المسيئة اليهم بغية النيل منهم ومن مكانتهم ودولتهم.
واللافت أن شعر وضاح الواصل إلينا ليس فيه شيء مما يشي بعلاقة مشينة بينه وبين أم البنين، بل إن شعره الذي ورد فيه ذكرها يدل بوضوح على صفات الكرم والنبل لديها، ومن ذلك قوله حين جاءه خبر مرضها:
«حتَّامَ نكتمُ حزننا حتَّاما/ وعلامَ نستبقي الدموعَ علاما. انّ الذي بي قد تفاقمَ واعتلى/ ونما وزادَ وأورثَ الأسقاما. قد أصبحتْ أمُّ البنينِ مريضةً / نخشى ونُشفِقُ أن يكونَ حِماما. يا ربّ متِّعني بطول بقائها/ واجبرْ بها الأرمالَ والأيتاما. واجبرْ بها الرجلَ الغريبَ بأرضها/ قد فارقَ الأخوالَ والأعماما».
حتى وهو يتقطَّر وجداً وولهاً بشخصها، فإنه يصفها بما لا يُنبئ عن تلك العلاقة التي شاعت بين الناس وجرت بها ألسنتهم، إنما يتغزَّل بها غزلاً عفيفاً ليس فيه شيء من الصفات الحسيَّة.
ويذكر أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» أن أحد الشعوبيين وضع كتاباً بسبب نزاع حدث بينه وبين رجل من ذُرّيَّة الوليد، في دولة بني العباس، وأورد هذا الشعوبي في ذلك الكتاب قصة وضاح وأم البنين والوليد والصندوق. والى جوار الأصفهاني شكَّك كثيرون في صدق هذه الرواية، ومن هؤلاء الزبير بن بكار الذي عدَّها صنيعة شعوبية.
ويبقى الكثير من حقائق السيرة الشخصية والشعرية لدى وضاح اليمن في طيّ النسيان أو في قبر الكتمان، ما زاد من حجم المظلمة التي لحقت بهذا الشاعر الذي ظُلم في حَسَبه وحُبِّه، وفي شعره وأدبه، فظُلم حياً وميتاً. ومما بلغ حدَّاً قصيَّاً من مظاهر الظلم تجاه وضاح اليمن ما ذكره بعض المصادر وأكَّده الدكتور محمد خير البقاعي من أن وضاحاً كان فارساً مقداماً، غير أن هذه الصفة قد غابت - أو غُيِّبتْ - في لُجَّة الاتهامات التي كيلت له بالمجون الصريح. وتذكر مصادر عدة إسهاماته الجليلة في الغزوات والحروب التي قادها مسلمة بن عبدالملك، لا سيما في حروب مسلمة ضد يزيد بن المهلب. ويرد في أحد هذه المصادر أن وضاحاً ربما قُتل في إحدى هذه الحروب سنة 95 للهجرة.